تقديم وترجمة عن الإسبانية أحمد يماني

«أيها الشباب/ اكتبوا ما يحلو لكم/ بالأسلوب الذي يبدو لكم أفضل/ لقد جرت بإفراط دماء تحت الجسور/ كي يظل الاعتقاد- فيما أعتقد/ أنه يمكن فحسب اتباع طريق واحد: في الشعر كل شيء مباح».
صاحب هذا المقطع هو الشاعر التشيلي الكبير نيكانورسيجوندو پارّا ساندوبال الذي يُكمل اليوم عامه الواحد بعد المائة. إنه المدافع العتيد عن البيئة والمترجم أحياناً وعاشق الفولكلور وأستاذ الفيزياء والرياضيات والفنان التشكيلي و«الشاعر المضاد» المولود يوم الخامس من أيلول (سبتمبر) من عام 1914.
ولد نيكانور پارّا في سان فابيان دي أليكو لعائلة متواضعة وفنية بامتياز وخاصة في ما يخص الجانب الموسيقى. كان أبوه السيد نيكانور پارّا مدرساً ابتدائياً ومرتجلاً للشعر وعازف غيتار بوهيمياً. «الخطوط الأولى للشعر المضاد كانت هناك في شخصيته، حيث كان يعيش الشعر المضاد بشكل يومي»، هكذا قال پارّا عن أبيه.
منذ منتصف الخمسينات، وبعد عدة رحلات خارجية، بدأ حضوره الشعري داخل التشيلي وخارجها في التمدد والاتساع، إلا أن الحقبة التي سيحصل فيها على اهتمام عالمي كبير هي حقبة التسعينات، وفيها أيضاً تُرجم شعره إلى العربية على يد المترجم الكبير أحمد حسّان الذي نشرمختارات من شعره في مجلة «الكتابة الأخرى» عام 1992، وصدرت عام 2013 في طبعة موسعة ومنقحة عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» في مصر تحت عنوان «كأنما لا شيء يحدث في تشيلي».

في حوار مع الشاعر والروائي التشيلي روبرتو بولانيو (1053- 2003)، قال إنه ليس شاعراً غنائياً على الإطلاق، بل هو شاعر نثريٌ ويوميّ، وإن شاعره المفضل هو نيكانور پارّا الذي لا يكتب عن الشفق ولا عن ظلال نساء في الأفق ولكن عن الطعام وعن التوابيت، التوابيت، التوابيت. كان لپارّا تأثير عميق في مواطنه روبرتو بولانيو والذي رأى فيه شاعراً من طينة العظماء على شاكلة خورحي لويس بورخيس وثيسار باييخو.
في بلد يعج بالشعراء المؤثرين وفي لغة أنجبت ولا تزال الكثير من كبار الشعراء، تمكن پارّا من وضع خاتمه الخاص الذي طبع أجيالاً مختلفة بطابعه داخل تشيلي وخارجها وداخل وخارج اللغة الإسبانية عموماً، لم يضع خاتمه فقط، بل إن الشعر المكتوب في الإسبانية يُؤرخ له بحقبتين: ما قبل پارّا وما بعده.
في عام 1954 نشر نيكانور پارّا ديوانه «قصائد وقصائد مضادة» الذي افتتح حقبة جديدة في الشعر المكتوب بالإسبانية. كان قد نشر قبله بأعوام طويلة ديوانه «أغانِ دون اسم» عام 1937. أي إنه ظل سبعة عشر عاماً دون أن يُقدم على نشر ديوانه الثاني. وكما يذكر الشاعر والناقد المكسيكي رافائيل بارجاس (1954) فإن تأثير الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيّا لوركا (1898- 1936) كان كبيراً على ديوان پارّا الأول، والذي كان هو نفسه يطلق عليه اسم «سمكة الشباب». من تلك الأغاني يستعيد پارّا سطرين: «دعيني أمرّ، أيتها السيّدة/ فسوف آكلُ ملاكاً».
يؤكد بارجاس على أن پارّا لم يتشجع على النشر بل تمّ إجباره عليه بشكل ما، حيث أقيمت مسابقة شعرية في التشيلي وتقدم إليها پارّا ولكنه خاف أن يكون ثمة تدليس في المسابقة، فقام بإرسال ثلاثة كتب كل واحد منها باسم مستعار. ولكن بدلاً من وضع اسمه الحقيقي على المظروفات المغلقة للكتب الثلاثة التي تعلن عن هوية المتقدم للمسابقة، وضع اسم صديق له. الدواوين الثلاثة فازت بالمراكز الثلاثة الأولى. الصديق تلقى تهاني غير متوقعة وپارّا ذهب سعيداً لاستلام الجائزة. ولكنهم رفضوا تسليمه الجائزة بسبب كسره للقواعد، فحاول حينئذ سحب كتبه، فرفضت لجنة الجائزة ذلك. في النهاية، توصلوا إلى حلّ وسط، وهو نشر الكتب الثلاثة في كتاب واحد من دون منحه الجائزة. وهكذا ولد ديوانه الثاني عام 1954 «قصائد وقصائد مضادة».
يرى البعض قصيدة پارّا المضادة باعتبارها ردّة فعل على «الآداب الجميلة» والتي يمثلها كبار شعراء التشيلي الذين أشرنا إليهم من قبل وخاصة غابرييلا ميسترال وبيثنتي ويدوبرو وبابلو نيرودا وبابلو دي روكا.


الشعر المكتوب في
الإسبانية يُؤرخ له بحقبتين:
ما قبل پارّا وما بعده

وكما يشير الروائي التشيلي ريكاردو كوادروس (1955)، فإن الشعراء الأربعة الكبار كان لكل منهم صوت خاص ومختلف عن الآخرين، ولكن ما يجمعهم هو ذلك المفهوم عن الشعر باعتباره ممارسة لـ «الأدب الجميل»، ونيرودا شاعر الشعب، باعتبار التزامه السياسي وتوجهه الشيوعي، كان يكتب بلغة مثقفة، بلغة عليا رفيعة، بينما پارّا كان يسخر من تلك اللغة وينأى عنها.
في القصيدة المضادة، تكف الأنا البطولية عن الاشتغال، كما عند شعراء الحداثة في الشعر المكتوب بالإسبانية بدءاً من روبين داريّو ومرورا بالشعراء السابق ذكرهم، وتحل محل تلك الأنا ذات ساخرة ومتهكمة على وجه الخصوص، قصيدة تستفيد من كل الأشكال الفنية وتتوسل لغة أقرب إلى لغة المعيش تجاورها مقولات فلسفية ومفردات قادمة من شتى الحقول العلمية والصناعية والتجارية والدينية والسياسية، متضافرة جميعها في نوع من الكوميديا السوداء. قصيدة تبقى في قلب الشعر، «الشعر المضاد هو شعر كذلك» كما عبّر مرة روبرتو بولانيو.
في مقابلة مع شاعر الأورغواي الشهير ماريو بينيدتي (1920- 2009)، وفي سؤال عمن تأثر بهم، إضافة إلى لوركا ووالت ويتمان (1819- 1892)، قال پارّا إن أول من أثّر به كان الكاتب المسرحي اليوناني الكلاسيكي أرسطوفانيس، وعدّد بعد ذلك عدداً من كتب العصور الوسطى مثل «دون كيخوتي» رائعة ثيربانتس الخالدة و«ملحمة السيد» (ترجمها إلى العربية الدكتور الطاهر أحمد مكي ونشرت في القاهرة في عدة طبعات وتعد الملحمة أقدم نص كُتب في الأدب القشتالي)، حتى وصل إلى الشاعر الرومانتيكي الإسباني المعروف غوستابو أدولفو بيكِر (1836- 1870). وقد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى أو كما يقول پارّا نفسه يمكن أن يبدو الأمر كمزحة، لكنه يؤكد أن بيكر كان سنتمنتالياً بالمعنى الحسن للكلمة، وكان مختلفاً عن البلاغة الإسبانية السائدة آنذاك. أما فرانتس كافكا (1883- 1924) فقد كان «معلمي المطلق». وعندما سأله بينيدتي عمن يرى فيهم أقراناً له في أدب أمريكا اللاتينية، أجاب: «بطبيعة الحال كاردينال (إرنستو كاردينال، شاعر نيكاراغوا الكبير – 1925)، إنّه رجل أكثر توازناً مني، وأكثر تفوقاً في دمج العابر بالوجودي، ولديّ إعجاب خاص بقصيدته «صلاة من أجل مارلين مونرو». كاتب آخر أشعر أنني معه يداً بيد هو خوليو كورتاثر (1914- 1984)، ربما هذان الكاتبان هما الأقرب إلى طريقتي في فهم الأشياء. لكن هذا لا يعني أنني لا أشعر بإعجاب بالغ تجاه كتّاب آخرين» وهنا أشار إلى المكسيكي خوان رولفو (1917- 1986) وإلى الأرجنتيني خوان خيلمان (1940- 2014) على وجه الخصوص.
وفي مقابلة أخرى سُئل پارّا عن رأيه في قول بيثنتي ويدوبرو أن الشاعر ما هو إلا إله صغير فأجاب: A pious líe (كذبة بيضاء)... الشاعر إنسان من لحم ودم مثله مثل الجميع.
حصل پارّا على «جائزة ثيربانتس» عام 2011، كما حصل على العديد من الجوائز الأخرى الهامة منها: «جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبروأميركي»، و»جائزة خوان رولفو»، و»الجائزة الوطنية للشعر في التشيلي» وغيرها.
هنا، قصائد للشاعر المئوي الذي يبدو أنه روّض الموت حتى الآن بعد أن كتب عنه الكثير من القصائد:

إلى اللقاء


لقد حانت ساعة التقاعد.
أنا ممتن للجميع
سواء للأصدقاء اللطفاء
أم للأعداء المسعورين.
شخصيات مقدسة لا تُنْسى!
يا لبؤسي
لو لم أتمكن من اكتساب
الكراهية العمومية تقريباً:
سلاماً أيتها الكلاب السعيدة
التي خرجت لتنبح عليّ في الطريق!
أودعكم بالفرح الأعظم في العالم.

شكراً، من جديد، شكراً
أقرّ بأن دموعي تنهمر
سنعود لنلتقي
في البحر، في الأرض، أينما كان.
اسلكوا سلوكا حسنا، اكتبوا
واصلوا عمل الخبز
واستمروا في حياكة الأصواف.
أتمنى لكم أجمل المنى
بين أقماع
تلك الأشجار التي نسميها سرواً
أنتظركم بقواطع وأنياب.

أحلام

أحلم بمائدة وكرسي
أحلم أنني أقوم بجولة في سيارة
أحلم أنني أصور فيلماً
أحلم بقنبلة من البنزين
أحلم أنني سائح مترف
أحلم أنني معلق في صليب
أحلم أنني آكل سرديناً
أحلم أنني أجتاز جسراً
أحلم بلوحة إعلانات مضيئة
أحلم بسيدة ذات شوارب
أحلم أنني أهبط سلماً
أحلم أنني أشغل غرامافوناً
أحلم أن نظارتي تنكسر
أحلم أنني أصنع تابوتاً
أحلم بالنظام الكوكبي
أحلم بشفرة حلاقة
أحلم أنني أصارع كلباً
أحلم أنني أقتل ثعباناً
أحلم بعصافير تحلق
أحلم أنني أجرّ جثة
أحلم أنهم يعدمونني شنقاً
أحلم بطوفان نوح
أحلم أنني شجيرة شوك
أحلم أيضا أن شَعري يسقط.

الأفعى

خلال أعوام طويلة كان محكوماً عليّ بعشق امرأة تافهة
مضحياً بنفسي من أجلها، ومعانياً من إذلالات وسخريات لا تحصى،
والعمل ليل نهار كي أطعمها وأكسوها،
نفذت بعض الجرائم وارتكبت بعض الأخطاء،
وعلى ضوء القمر اقترفت بعض السرقات الصغيرة،
وتزييفات لوثائق خطيرة،
تحت طائلة الوقوع في قلة الحيلة أمام عينيها الخلابتين.
في ساعات الرضا اعتدنا التوافد على الحدائق العامة
والتقاط صور معاً ونحن نقود زورقاً،
أو نذهب إلى مقهى راقص
حيث نسلم أنفسنا لرقص لا يكبح
كان يمتد حتى الساعات الأولى من الصباح.
عشت أعواماً طويلة سجين فتنة تلك المرأة والتي اعتادت التواجد في مكتبي عارية تماماً
مؤدية التلويات الأصعب تخيلها
بنيّة أن تلحق روحي المسكينة بمدارها
وخاصة، أن تبتزني حتى آخر سنتافو.
منعتني بصرامة من إقامة علاقة مع أهلي. انفضّ عني أصدقائي بفضل أُهجياتٍ مشهّرة بي
كانت الأفعى تنشرها في جريدة من ممتلكاتها.
متقدة حتى الهذيان ما كانت تعطيني لحظة هدنة
مطالبة إياي بشكل قاطع أن أقبل فمها وأن أجيب دون إبطاء عن أسئلتها البلهاء
الكثير منها عن الخلود والحياة الأخرى موضوعات كانت تخلق فيّ حالة يرثى لها
دوياً في الأذن، غثيانات متقطعة، إغماءات مبتسرة
كانت تعرف كيفية استغلالها بتلك الروح العملية التي تميزها
ترتدي ملابسها على عجل دون إضاعة وقت
وتهجر مكتبي تاركة إياي مبهوتاً.

ينظر البعض إلى قصيدته
المضادة باعتبارها ردّة فعل على «الآداب الجميلة» التي يمثلها كبار شعراء التشيلي



استمر هذا الوضع لأكثر من خمس سنوات.
من حين لآخر كنا نسكن معا غرفة مؤجرة بابها على الشارع
ندفع إيجارها بالنصف في حي راقٍ قرب المقابر.
(في بعض الليالي كان علينا أن نقطع شهر عسلنا من أجل
مواجهة الفئران التي كانت تتسلل من النافذة).
كانت الأفعى تحمل معها دفتر حسابات دقيق
تدوّن فيه حتى أقل سنتافو اقترضته منها؛
ولم تسمح لي باستعمال فرشاة أسنانها التي أهديتها أنا نفسي لها
وكانت تتهمني بأنني دمرت شبابها
ومطلقةً من عينيها شرراً تستدعيني للمثول أمام القاضي
وأن أدفع لها في مهلة معقولة جزءاً من الدين
فهي تحتاج لهذه النقود من إجل إتمام دراستها
حينئذ كان عليّ الخروج إلى الشارع والعيش على المساعدات الخيرية
والنوم على المصاطب في الساحات،
حيث كان البوليس يجدني مرات كثيرة محتضراً
بين الأوراق الأولى للخريف.
لحسن الحظ لم يمتد ذلك الوضع كثيراً،
لأنه في مرة محددة كنت فيها في إحدى الساحات كذلك
متخذاً وضعاً أمام إحدى الكاميرات الفوتوغرافية
قامت يدان أنثويتان لذيذتان بتعصيب عينيّ
بينما صوت محبّب إليّ سألني: من أكون.
أنت حبيبتي، أجبت بكل هدوء.
يا ملاكي! قالت هي بشكل عصبي،
اسمح لي أن أجلس على ركبتيك مرة أخرى.
حينئد استطعت التنبه إلى أنها جاءت الآن
مزوّدة بمئزر قصير.
كان لقاءً لا ينسى وإن كان مليئاً بعلامات متنافرة:
لقد اشتريت قطعة أرض، ليست بعيدة من المذبح، صرخت،
أفكر أن أبني هناك شيئاً كالهرم
حيث يمكننا أن نقضي فيه آخر أيام حياتينا،
لقد أنهيت دراستي، وأصبحت محامية،
وفي متناول يدي مال كثير؛
لنقم بعمل مثمر، نحن الاثنان، يا حبيبي، أضافت،
بعيداً عن العالم سنشيد عشنا.
كفى هراءً، رددتُ، إن خططك تثير ريبتي.
فكري أن امرأتي الحقيقية بين لحظة وأخرى يمكن أن تتركنا جميعا في البؤس الأكثر فظاعة.
لقد كبر أبنائي بالفعل، والزمن مر،
وأنا أشعر بإنهاك عميق، دعيني أستريح للحظة،
أحضري لي بعض الماء، يا امرأة،
وتحصّلي لي على قليل من الطعام،
فأنا أتضور جوعاً.
لا يمكنني العمل ثانية من أجلك،
كل شيء انتهى بيننا.

الشَّرَك

في ذلك الوقت كنت أتجنب المناظر مفرطة الغموض.
كمرضى المعدة الذين يتحاشون الأكلات الدسمة،
كنت أفضل البقاء في البيت جالياً بعض المسائل
المتعلقة بتكاثر العناكب،
لذلك الغرض كنت أحبس نفسي في الحديقة
ولا أظهر علناً إلا في ساعات متأخرة من الليل؛
أو كذلك بسلوك متحدّ أمضي لابساً قميصاً على اللحم
اعتدت إطلاق نظرات نزقة ناحية القمر
محاولاً تجنب تلك الأفكار السوداء
التي تلتصق بالروح الإنسانية كالكلس الحجري.
في العزلة كنت أتحكم في نفسي بشكل مطلق
ذاهباً من هنا إلى هناك بوعي كامل بأفعالي
أو كنت أتمدد على ألواح قبو الخمور
لأحلم، لأخترع ميكانيزمات أو لأحلّ مشكلات طارئة.
تلك كانت اللحظات التي طبقت فيها منهجي الحلمي الشهير
الذي يقوم على تعنيف الواحد نفسه والحلم بما يشاء
وتحريك مشاهد تم تحضيرها مسبقاً بمشاركة الما وراء.
بهذه الطريقة تمكنت من التحصل على معلومات قيمة
تتعلق بسلسلة من الشكوك التي تلم بالكائن:
سفريات للخارج، اضطرابات إيروتيكية، عقد دينية.
لكن الاحترازات كلها كانت قليلة
إذ إنه لأسباب عصية على التحديد
بدأت أنزلق بشكل آلي عبر نوع من السطح المنحدر
كانت روحي تفقد سموها كبالونة تنفقئ
وكفّت غريزة البقاء عن العمل
والغريزة الخاصة بتحوّطاتي الأكثر جوهرية
كانت تسقط لا محالة في شرك التليفون
كهاوية تجذب كل ما يحيطها
وبيدين مرتعشتين كنت أدير هذا الرقم الملعون
والذي اعتاد للآن أن يتكرر آلياً في منامي.
كانت تلك لحظات من الشك والبؤس
كنت فيها، كهيكل عظمي واقف على قدمين أمام مائدة الحجيم تلك
المغطاة بكريتون أصفر، أنتظر رداً من الطرف الآخر من العالم.
النصف الآخر من كينونتي سجين في حفرة.
كان الضجيج المتقطع للتليفون يولّد فيّ وقعاً كذلك الذي تخلّفه
الماكينات الثقابة لأطباء الأسنان،
يرصع روحي كإبرات مرشوقة من علٍ ٍ
حتى، عندما حان الوقت المعلوم، بدأت تنضح وتتلجلج في حمى.
كان لساني الذي يشبه قطعة بيف استيك من لحم البقر
يتوسط كينونتي ومحدثتي
كتلك الستائر السوداء التي تفصلنا عن الموتى.
لم أكن أرغب في الاستمرار في تلك المحادثات مفرطة الحميمية
والتي، رغم ذلك، كنت أنا نفسي أستحثها بشكل غشيم
بصوتي اللاهث المشحون بالكهرباء.
كان إحساسي بأنني أُنادي باسمي العمادي
بتلك النبرة الأليفة القسرية
يخلق في توعكاً ممتداً،
اضطرابات موضعية من الغم كنت أحاول تلافيها
عبر منهج سريع من الأسئلة والأجوبة
خالقا في هذا الغم حالة من الهيجان الإيروتيكي الزائف
كان في النهاية يأتي ليرتد عليّ أنا نفسي في شكل انتصابات بازغة وإحساس بالفشل.
حينئذ كنت أضحك قسراً وساقطاً بعد ذلك في حالة من الوهن العقلي.
تلك المكالمات العبثية كانت تمتد لعدة ساعات
حتى ظهرت صاحبة البنسيون من وراء الساتر وقطعت بشكل فظ
تلك الغزلية الرعوية الغبية،
تلك التلويات التي لملتمسٍ أمراً من السماء
وتلك الكوارث التي تصيب روحي بكآبة بالغة
والتي لم تنته تماماً بإغلاق الهاتف
حيث أننا، إجمالاً، اتفقنا على أن نلتقي في اليوم التالي
أمام محل للمياه الغازية
أو على باب إحدى الكنائس التي لا أرغب أن أذكر لها اسماً (1).

(1) : هذه الجملة تأتي من رواية دون كيخوته في السطر الأول من الرواية: في ناحية من نواحي إقليم المانتشا التي لا أرغب أن أذكر لها اسماً.

رحلة عبر الجحيم

على سرج
قمت برحلة عبر الجحيم.
في الدائرة الأولى رأيت بعض الأجسام
مستلقية على أجْولة من القمح.
في الدائرة الثانية كان يمضي بعض الرجال
على دراجات هوائية
دون أن يعرفوا أين يتوقفون
فالنار كانت تمنعهم.
في الدائرة الثالثة
رأيت فقط هيئة لإنسان
على ما يبدو خنثى.
تلك الهيئة الملتوية
كانت تطعم بعض الغربان.
ظللت أخبّ وأركض
عبر المكان لعدة ساعات
حتى وصلت إلى كوخ
داخل الغابة
حيث كانت تعيش إحدى الساحرات.
كلب حاول أن يعضني.
في الدائرة رقم أربعة
رأيت رجلاً بلحية طويلة
أصلع كالبطيخ
يشيد قارباً صغيراً
داخل زجاجة.
ألقى عليّ نظرة ودودة.
في الدائرة رقم خمسة
رأيت بعض الطلاب الشباب
يلعبون كرة القدم الأراكونية
بكرة من الخِرَق.
كان البرد وحشياً
قضيت الليلة ساهراً في مقبرة
متكئاً على قبر
كي لا أموت من البرد.
في اليوم التالي
واصلت رحلتي عبر بعض التلال
ورأيت للمرة الأولى هياكل الأشجار
محروقة على أيدي السُّيّاح.
لم تكن هناك سوى الدوائر.
في إحدى الدوائر رأيت نفسي
جالساً إلى طاولة سوداء
آكل لحم طير
صحبتي الوحيدة كانت
مدفأة من البرافين.
في الدائرة رقم سبعة
لم أر شيئاً على الإطلاق
فقط سمعت ضجيجاً غريباً
سمعت ضحكات فظيعة
وبعض التنهدات العميقة
التي اخترقت روحي.

كلمات إلى توماس لاغو

قبل الدخول في المادة (2)،
وقبل الدخول في الروح بكثير،
فكّر قليلاً في نفسك يا توماس لاغوس
وتأمل فيما سوف يأتي
وأيضا فيما قد هرب إلى الأبد،
منكَ ومنّي
ومن الأشخاص الذين يسمعوننا.
إنني أعني ظلاً،
تلك القطعة من الكائن التي تجرجرها
كحيوان لا بد من إعطائه طعاماً وشراباً
وأعني شيئاً
تلك الأثاثات الكلاسيكية التي تجمعها برعب
أكاليل الجنازات تلك وتلك السروج الفظيعة، (إنني أعني ضوءاً).
رأيتك للمرة الأولى في تشيّان
في صالة مليئة بالكراسي والموائد
على بعد خطوات من قبر أبيك
كنت تأكل دجاجاً بارداً
وبرشفات كبيرة كنت تجعل زجاجة النبيذ ترنّ
قل لي من أين كنت تأتي؟
حافلة الليل واصلت رحلتها للجنوب وكنت أنت تقوم برحلة للمتعة
أم لعلك كنت تظهر بملبس متنكر؟
في ذلك الوقت كنت فعلياً رجلاً متقدماً في السن
بعد ذلك جاءت بعض بيوت الضواحي الفاخرة
والتي تشبه أكثر مسالخ لكائنات بشرية:
كان لا بد من أخذ الترام طوال الليل
للوصول إلى ذلك المكان الملعون
ذلك المرحاض المغطى بالزهور.
جاءت أيضاً تلك المؤتمرات سيئة التنظيم،
ذلك الغبار المميت لمعرض الكتاب،
جاءت، يا توماس، تلك الخيارات المؤلمة تلك الأوهام وتلك الهلوسات.
كم كان حزيناً كل ذلك!
كم كان حزيناً
ولكن كم كان مبهجاً في الوقت نفسه!
يا للعرض المشيد الذي قدمناه نحن
بقروحنا وآلامنا!
إلى كل ذلك انضم سَعْي جديد
خوف انضمت الآلاف من الأوجاع الطفيفة انضم كذلك في النهاية ألم أكثر عمقاً وأكثر حدة.
فكّر، إذن، للحظة في هذه الأشياء،
في القليل أو في اللاشيء الذي
سيتبقى منّا
إذا بدا لك الأمر، فكّر في العالم الآخر
لأنه من الصواب أن نفكر
ولأنه من المفيد الظّنّ بأننا نفكر.

(2): هنا لعب على الكلمات حيث يراد بهذا التعبير القول: قبل الدخول في الموضوع. وقد أبقينا على الصيغة حرفياً حتى تظهر المقابلة في السطر الثاني مع كلمة الروح.


محلات المياة الغازية


أنتهز ساعة الغداء
لإجراء فحص للضمير
كم ذراع تتبقى لي كي أفتحها؟
كم بتلة سوداء كي أغلقها؟
ربما أكون أحد الناجين!

الراديو يذكرني بواجباتي،
بالدروس، بالقصائد
بصوت يبدو أنه يأتي
من أعمق أعماق القبر.

لا يعرف القلب فيما يفكر

أتظاهر بالنظر في المرايا
زبون يعطّس زوجته
آخر يشعل سيجارة
والآخر يقرأ «آخر الأخبار».

ماذا يمكننا أن نفعل، يا شجرة بلا أوراق،
خارج إلقاء النظرة الأخيرة
في اتجاه الفردوس المفقود.
أجيبي أيتها الشمس المظلمة
أضيئي للحظة
حتى لو انطفأتِ بعد ذلك إلى الأبد.



العجوز الصعب


كان هذا عجوزا صعبا
فاجأوه مرةً يغسل جهاز راديو بصابون وفرشاة
كان يغرز حبّات طماطم في الموائد
ابتكر إناء مخمليا للزبدة
كان يصحو مبكرا ويقول
إنني ضَجِرٌ. ماذا يمكنني أن أفعل؟


عامل نسيج
(أغنية انكليزية)


وأنا أعزب كنت أعيش وحدي
وأعمل في صناعة النسيج
وكان خطئي الوحيد الذي لا يغتفر
مغازلة فتاة شقراء.

توددت إليها في الشتاء
كما توددت إليها في الصيف
وكان خطئي الوحيد الذي لا يغتفر
حمايتها من الندى الضبابي.

ذات ليلة
وأنا غارق في النوم
أيقظني بكاؤها اليائس
كانت تبدو مجنونة
راكعة أمام فراش الزوجية.

ماذا أفعل كي أواسيها
ماذا أفعل كي أنزع عنها الندي الضبابي
أن أقويها بعاطفة عميقة
وسحبتها بين ذراعي ّ كما لم أفعل أبدا.

أنا أعزب من جديد
أعيش مع ابني
ونحن الاثنان نعمل في صناعة النسيج
وكل مرة أنظر إلى عينيه
أتذكر تلك الشابة الغامضة.

أتذكر الشتاءات
أتذكر الأصياف
التي كنت فيها أعانقها وأقبّلها
كي أنزع عنها الندى الضبابي.


العذراء والموت


العذراء الشقراء تعشق رجلا
يبدو أنه الموت.

العذراء تطلبه هاتفيا
لكنه لا يظن نفسه المعني بالأمر.

يتمشيان بين بعض التلال
المليئة بسحالي ملونة.

العذراء تبتسم
لكن الجمجة لا ترى شيئا.

يصلان إلى كوخ خشبي
العذراء تتمدد على الأريكة
والجمجمة تنظر بطرف عينيها.

العذراء تقدم له تفاحة
لكن الجمجمة ترفض
وتتظاهر بقراءة مجلة.

العذراء الممتلئة
تأخذ زهرة من المزهرية
وتلقي بها بالقرب منه.

حتى الآن الموت لا يستجيب.

برؤيتها أن لا شيء يثمر
تحرق العذراء الهائلة كل مراكبها دفعة واحدة؛
تتعرى أمام المرآة
لكن الموت يبقى رابط الجأش.

هي لا تزال تحرك ردفيها
حتى يجامعها الرجل.



نقش على ضريح


أنا لوثيلا ألكاياغا
ألياس غابرييلا ميسترال
منحوني أولا جائزة نوبل
وبعدها الجائزة الوطنية
رغم أنني ميتة
إلا أنه لا يزال يراودني شعور سيئ
لأنهم لم يمنحوني أبدا
جائزة البلدية.



بعث


ذات مرة في حديقة عامة في نيويورك
جاءت حمامة لتموت على قدميّ
احتضرت لبضع ثوانٍ
وماتت
لكن ما لن يصدقني فيه أحد
أنها قامت من الموت في الحال
دون أن تمنحني الوقت لأي ردّ فعل
وشرعت في الطيران
كما لو أنها لم تكن أبدًا ميتة
ظللت أنظر إليها وهي تتعرج
بين البنايات السكنية
وبقيت أفكر في أشياء كثيرة
كان يوما من أيام الخريف
لكنه بدا ربيعاً.

يوميات سفر

لسنوات بقيت بعيدا عن وظيفتي
تفرغت للسفر، لتبادل الانطباعات مع محاوريّ
تفرغت للنوم؛
لكن المشاهد التي عشتها في أوقات سابقة كانت تحضر
في ذاكرتي.
خلال الرقص أفكر في أشياء سخيفة
أفكر في الخس الذي رأيته بالأمس
عند مروري على المطبخ،
أفكر في أشياء عجيبة لا تعدّ على علاقة بعائلتي؛
في الوقت نفسه كان القارب قد دخل إلى النهر
كان يفتح ممرا وسط سرب من قناديل البحر.
تلك المشاهد الفوتوغرافية كانت تمس روحي،
مجبرة إياي على حبس نفسي في القمرة؛
آكل بالأكراه، وأتمرد على نفسي،
شكلتُ خطرا دائما على متن القارب
حيث أنه في أي وقت كان يمكنني القيام بأي عبث.