كيف تعرف أن إحداهن مكشوفة الوجه أو عاهرة سبق لها النوم مع أحدهم، أو ابتلاع حيواناته المنوية، أو على الأقل، مسحتها بنهديها في شبق، بعد الوصول إلى لحظة الأورغازم؟

تطاردني الهواجس منذ فترة بشأن فاتنة، كلما رأيتها وجدتني مفتوناً أكثر من المرة السابقة التي رأيتها فيها، لكن هذه الهواجس تطاردني، تلاحقني، أشعر بأنها نامت مع ملح الأرض، كنت أتأملها مفتوناً بشعرها الثقيل الذي تتركه منساباً في فوضى على كتفيها العاريتين، ترتدي دوماً فساتين مكشوفة الكتفين، تحجب نهديها، وتكشف بريبة شقاً شهياً بينهما، جسدها ممتلئ في غير بدانة، وافرة اللحم، معطاء، سمنة محبّبة في ساقيها، تتدلى فساتينها فوق ركبتيها، فتظهر بالكاد لحم سمانتها.

أحدّق في هذه التفاصيل بشغف، وأرصد بسمتها التي تنتج من ثغر محبوب، وكفيها ناصعي البياض. حاجباها ثقيلان مرسومان بعناية، وكذلك عيناها، تتدلي رموشها طويلة، سوداء واضحة.
ليس من السهل أن أكون في هذه الحالة، وأتعلق بإحداهن، لكنني كنت أفكر في سميرة بشكل آخر، أنا على مشارف الأربعين، طلقت مرتين، وأنجبت أربعة، تلاحقني مطلقتان بأموال النفقة ومصاريف المدارس، أكبر أبنائي في الخامسة عشرة من عمره، أعاني من البواسير والضغط وآلام الظهر، تيبّس جسدي قبل الأوان من العمل في الصحافة، أعمال مكتبية تتجاوز الست عشرة ساعة، أكتب في أربع صحف، وأراسل اثنتين بالخارج، وموقعاً أوروبياً للفنون، أعمل طوال أيام الأسبوع، وأشاهد أفلام البورنو بانتظام، ولا أضاجع أبداً، فقط أمارس الاستمناء كل ليلة، قبل أن أذهب إلى الفراش مصطحباً حبة الضغط لأتخلص من شواكيش الصداع التي تنهمر على رأسي، وأتمنى ألا أستيقظ في الصباح التالي. أسهر كل شهر سهرة طويلة ممتدة من التاسعة حتى الثالثة فجراً في بار «ويندسور» بعماد الدين، محتفلاً بالهبات النقدية التي تصلني من الخارج، مطلقاً شتائمي على جميع رؤساء التحرير والأقسام والمحررين الأوغاد الذين يعملون معي، أنا الأسطي الصحفي القديم، الواهن، الكاهن الأول بالمعبد، الذي يتسلم فضليات القرابين، وتعفه نفسه أن يقربها من الأوغاد الذي يظفرون بالنصيب الأكبر من التقديمات. كيف تهاوت حياتي هكذا، وصرت محطماً، والآن، ترفل أمامي هذه الفاتنة، وتهفو إليها نفسي أن أتزوجها، لماذا تتزوج رجلاً محطماً مثلي، يطلق عضوه الذكري بضعة حيوانات منوية بعد نكح يد عسير تفوق صعوبته أحياناً نطح الجبال.
الفاتورة باهظة، حينما تصل إلى هذا العمر محملاً بكل هذه الهزائم، تدرك كيف حاصرك أحدهم في ركن حلبة العمر، وكال لك الضربات بشكل جيد، وتكتشف كيف أنك فوّتّ آلاف الفرص لرد الضربات، أو الهروب، أو حتى على الأقل، كان بوسعك أن تقفز من فوق هذه الحبال التي تقيدك إلى الحلبة، أو إلى ركنها، تكتشف فجأة أن أبناءك بعيدون عنك، لكنك مدين لهم باستمرار، تكتشف كيف تحول وجها طليقتين إلى وجوه الساحرات القاطنات جبال الأنديز، تكتشف كيف حافظت على موضع ثابت لمؤخرتك في مكتب ما طوال هذه السنوات، وسلمت روحك لوظيفة تلتهمها مجاناً، أو بمقابل وضيع، وضيع حقاً، أن تتسلم كل شهر ألفاً أو ألفين، أو أربعة آلاف من الجنيهات، مقابل أن تأسر روحك في وظيفة مكتبية، مثل الصحافة. كنت أقول لنفسي مطلع كل عام، سيكون هذا هو عامي الأخير في الصحافة، لكنني كنت أسلّم روحي تدريجاً للأسر، ولا أبادر إلى تحريرها من ركن الحلبة، حتى جاءت الفاتنة ذات ليلة إلى «ويندسور».
هي فنانة، ترسم، وتكتب، وتشرب البيرة، و»الواين»، ولكن هذا لا علاقة له بفنها، بعض من سيقرأ هذه السطور سينكر ربطي بين الشيئين، أقصد الشرب، والفن، لكن في الحقيقة ليس لهما علاقة، هي فنانة بحكم موهبتها، وصبرها عليها، واجتهادها في السفر وملاحقة الأعمال الفنية التي تُطرح في «الأتيليهات» و»الغاليريهات»، وكذلك اهتمامها بالموضوع، الذي جعلها تدرس مرة أخرى في الفنون الجميلة، تفعل سميرة ما كنت أظنني قادراً على فعله منذ سنوات، ترسم لوحات تشكيلية، لا أفهم في الموضوع، على الرغم من أنني أكتب في أحد مواقع الفنون، أكتب «ليّ ذراع»، المهم أنها صادفتني في إحدى هذه المقالات، وفوجئت بانتقادها اللاذع لما كتبت. دعوتها إلى البار، كنت أخشى أن تفضحني، أو تثير الغبار على ما أكتب. في البداية كدت أطلق «شخرة» حادة رداً على ردها على ما كتبت بالموقع، لكنني امتنعت بعدما صدمتني فتنتها، سميرة فاتنة، فاتنة محبوكة مثل اهتمامها بتفاصيل ردائها الحابك على نهديها، وجسدها الممتلئ، مثل اهتمامها بعطرها المشعّ، اللاهب لأعصابي، سميرة فاتنة، مثل طريقتها التي تلفظ بها كلماتها، ممطوطة، تنفرج شفتاها عن الكلمات ببطء، كأنها تطلق سراحها بعد تفكر وتردد، تمنيت أن أكون كلمة بين شفتيها، ضبطتني أتأمل في تفاصيلها المغوية. هي في الحقيقة، كما يقال، فواحة أنثوية. إذا كان هذا التعبير سليماً فسأمضي إلى ما هو أبعد وأقول إنها ريانة، ريانة الجسم، لاحظت هي تفرسي والتهامي لها، فلمّحت بلوم إلى أنني يجب أن أركز في ما تقول، لا في جسدها، قالتها هكذا: ركز في كلامي وما تركزش فيا.
ملت نحوها قائلاً وأنا أواصل تأمل شفتيها المكتنزتين: أنا... بحبك.
حدجتني بنظرة هادئة، قالت: أنت دايماً كدا...؟
شعرت بلطمة، كدت أتراجع وأطلق الشخرة التي صبرت عليها، كدت أصفعها بقلم على لحم وجهها وأصيح بهياج، كدت أفعل أشياء كثيرة، تقلصت ملامحي في ضيق، وتراجعت، وجرعت زجاجة البيرة التي بيننا على المائدة، تراجعت هي أيضاً، ثم فتحت حقيبتها فجأة، وأخرجت علبة سجائرها، وأشعلت سيجارة، وتلذذت بها بين شفتيها، أو هكذا تخيلت، لكنها نفثت في هدوء، كأنها تستعيد شيئاً سقط منها في اللحظة السابقة، أنا أيضاً كنت بحاجة إلى الهدوء، واستعادة أعصابي، قالت فجأة: بص، أنا آسفة. لكن أنا عارفاك كويس، أنت زير، وأنا مش ناوية أشرب. ممكن نتعامل على هذا الأساس.
ضحكت بعصبية، ثم قلت متهكماً: زير... أنا زير. ماشي يا ستي، اشربي من المطرح اللي تحبيه، إن شاء الله لو نستله أو دساني أي إزازة مياه معدنية تحبيها، بس هنا فيه حاجة، أي واحد وواحدة هما راجل وست... دا من بدء الخليقة كدا.
نظرت إليّ في تحدّ، ثم لمعت عيناها ببسمة ساخرة، سرعان ما ابتلعتها وهي تقول: مش بالضرورة... فيه رجالة وستات أخوات برضه.
ثم بترت عبارتها قائلة كأنها تحدّث نفسها: إيه اللي أنا بقوله دا... ثم نظرت إليّ قائلة: بص، أنا هنا مش هقدم لك تبريرات من أي نوع. أنا ممكن أنام معاك، بس دا ليه؟ عشان أرضيك؟ أرضي غرورك؟ أرضي إيه جواك بالضبط؟ أنتوا هتفضلوا طول عمركم متخلفين؟
قلت: إنتي ليه لابسة كدا؟ إنتي ليه متشيّكة وحاطة برفان وكحل؟
هبّت فيّ فجأة: عشان أعجبْ أهلك؟
تراجعت مبهوتاً، قلت في نفسي: ها هي متنمّرة على حقيقتها، هكذا لا تفرق عن الطليقتين السابقتين، كلهن واحد، حقاً كلهن واحد، نمور أو لبؤات. أخذت تنفث سيجارتها في توتر، وهي تحدق فيّ بنظرات مغلولة، نجحت في إخراجها عن شعورها، هكذا تفكر. نجحت في استفزازها، انتزعت قناعها الفاتن بضربة كلمة في مقتل، ابتسمت بعصبية، وأنا أقول: مش بالضرورة أهلي، كفاية أنا بس، لكن مش كل قصة لازم تنتهي عند المأذون يعني... المأذون بومة، الناس بتدخل له أكتر من مرة.
قالت: أنا حبيت واحد، اتجوزته واتطلقنا، ورجعنا حبينا بعض فاتجوزنا تاني، ورجعنا ضربنا بعض بالجزم فاطلقنا تالت. أنا مش بحب الجواز، ولا محتاجة راجل، ولا شاغل بالي الجنس، أنا بحب نفسي، بحب لحمي، بحب شياكتي، بحب إنزل أجيب شنطة وجزمة، بحب أتفسّح، وبحب أسافر، وبحب أكتب، وأرسم، ليه هحتاج راجل بعد كدا.
ثم نهضت وتركتني، ابتعدت وأنا أظنها ستعود وتعتذر، لكنها لم تعد، فتجرعت ما تبقى في زجاجة البيرة، وتجشأت بصوت مسموع.
* كاتب مصري