في مزاج أدبي متهور، يكتب خورخي فولبي كتاباً، يقدمه كرواية، لكنه يربكك بشعريته، وبالانشغال الشكلاني لتقديم النص، صفحات لا تغطيها سوى أسطرٌ قليلة، أو كلمات عدة، وربما بيت شعري. كأن الكاتب، في روايته عن العراق، يأمل أن يعبئ نصه بمساحة صوتية، أو فراغ كلامي، موسيقي من نوع ما، ربما هو صوت الناي الذي حملته البطلة ونفخت فيه روحها، قبل أن تقتحم حياتها ذكرى «الكريه، وابن الكريه» في إشارة دقيقية لمآسي العراق الآنية وما فعله صدام حسين وأبناؤه بجميلات العراق.

في «الحديقة الخربة» (منشورات الجمل/ ترجمة اسكندر حبش) رواية لكاتب مكسيكي، هناك فضاء ممتد، يتركك كي تعبئ معانيك التي تخصك وحدك، وتدوخ كقارئ، وتعبر إلى «الحال» بصوفية اللغة وقدرة التأويل لحكايات من الشرق أو الاتجاهات كلها، حيث اللغة مهمة أكثر من الحكاية، والصمت أقوى من الكلام.
خورخي فولبي الكاتب المكسيكي الأصل، هو كائن إنساني الانشغال والهوى، يلعب في «الحديقة الخربة»، بعيداً عن الإرث السردي لأدب أميركا اللاتينية، مازجاً بين روحية الشرق في عمقها الأكثر حضوراً (العراق) وعمق المأساة المكسيكية، بكارتيلاتها، حرّها، ديمقراطيتها المتعثرة، أبنيتها المتمادية في فوضاها، نظامها السياسي الممرغ كوكايين، وجثث تسقط في الطرقات من دون صاحب أو مطالب بثأر للأرواح المهدورة.

في الرواية، يقيس الكاتب المسافة بين مكانين، بحكايات عن موت وفقد وخوف وكره مختلط بالدماء والرعب. يتلمس الحجم الهائل لكتلة الألم التي تثقل تاريخ المكانين، نحن بين العراق والمكسيك، بين جهات الأرض، شرقها، جنوبها، امتداداتها وانزياحها، نتعثر في أرض نضبت فيها الحلول، طائفيتها حاضرة، دكتاتوريتها منجزة، تتفتق عن مخيلة ملهمة لاختراع القمع وتخصيب الكراهية، العراق والمكسيك، مزيج من شعر، وجمال لنساء وحشيات، ودم الرجال وكراماتهم المسفوحة. الحر والعنف، ينتجان اكسير انتقام كرع الكل منه، سكروا وداخوا بمادته الأولى، الرعب والرعب وحده، ما يجمع بين خيوط الحكاية ويلضم أطرافها الراشحة وجعاً. في الحديقة الخربة، ومع خورخي فولبي، نحن برفقة روائيّ وصل المكان لا سيراً، بل كتابة. سرد ببطء وتأمل رؤيته عن شرقنا المشتعل وحكى الحكاية، قد يسأل القارئ. ما الذي أوصل فولبي العراق؟ ربما هو سندباد وبساط سحري لألف ليلة و»ليلى» التي افتتح حكايته بأبيات لمجنونها، فكانت بطلته التي حكاها شعراً، ووصفاً، وحباً مقهوراً، هي ربة قديمة من ربات المكان، بمياه تهطل من سرتها، وكلام يقطر من سواد عينيها، ويحفر بعيداً داخل ذاك الحزن العنيد، ربما ما أوصل فولبي العراق، رطب النخيل الغارق في سكره، وغبار ذهبي ملعون سَحر من وصله، أو سمع عنه الحكايات، وربما هي صورة هاربة ملقاة في صحيفة ما، أو كادر تلفزيوني لوجه «ليلى العراقية» تكبّه التلفزيونات على مدار ساعاتنا، وقد يكون انشغالاً آنيّاً بتعقيدات السياسة الحاضرة دائماً في تجربة هذا الروائي منذ بداياته.


رواية موفّقة واستثنائيّة في فرادتها السردية، ومختبرها اللغوي


إن بحثت في سيرة خورخي فولبي الكتابية، سُيذكر حتماً أنه جزء من تجمع مع روائيين آخرين قدموا ورقة شارحة لمنهجهم وما الذي يريدونه من الأدب، تجمع «كراك» crack الذي كان فولبي واحداً من مؤسسيه، سيذكر حتماً، حيث تراجع الكاتب عن إرث الواقعية السحرية، التي كان بعض أبطالها غابريل غارسيا ماركيز وماريو فارغاس يوسا، بينما وجد فولبي، بعيداً عن هذا الإرث العملاق، انشغالاً أكثر حداثة ربما، وأكثر تحقيقاً لمشروعه الروائي مدروس الخطى. كان الأدب بالنسبة له، كما صرح وأصر مراراً، مورداً لإرواء فضوله تجاه الكون، ومكاناً لا تنضب فيه الأسئلة، بحيث يظل في توق دائم للمعارف بأشكالها الوضعية «الأرضية» أو الروحانية، متسائلاً عن الكون أولاً، وعن ماهيته دائماً.
في مؤلفاته، لطالما تحدث خورخي فولبي في موضوعه الأثير» الهوية» وما الذي يعنيه أن تكون بشرياً، في اختلاطات العصب والدم، والجغرافيات وامتداداتها، وتناقضها بين شرق وغرب، متحدثاً عن تمدد وتواتر الأمزجة الأخلاقية في كل الاتجاهات، في كل البلاد. يُذكر الله كثيراً في «الحديقة الخربة» وهو «علّي كريم» وواهب وعليم! أسماء الله الحسنى تروى داخل النص، في أكثر المواضع دموية، وأكثرها ابتعاداً وافتقاراً لروح الله، كأنما يؤكد هذا الحضور الكلي لاسم العلي العظيم، التناقض الآسر مع غياب الروح التي تحكي باسمه وحده القدير! كأنما يسأل الراوي هنا، ومع كل هذا الجلال اللغوي شعرياً وقرآنياً، من أين تأتي الدماء، والقهر، من ينحر جسد اللغة هكذا، ويسفحها على طرقات خاوية إلا من جثث بلا هوية، إلا هوية الخجل من أن تكون بشرياً!
يكتب خورخي فولبي واصفاً بطلته، التي فقدت أشقاءها وزوجاً وابنة، وذهبت تطلب مساعدة مارد ضجر، هارب من فوانيس علاء الدين التي فقدت قدرة السحر فيها عبر أزمنة لا مكان للسحر فيها، حيث طغى الواقع فقط، وجرّ الحالمين إلى مستنقع الاستيقاظ، والأمل بالسحر أو بالأحلام، لكن الكاتب، برغم كل ذلك، يجد في روحه مساحة ليكتب بشاعرية موجعة عن بطلته: «كانت ليلى ابتسامة السماء، شعرها ذهبي وفضي، دموعها، حين تبكي، كانت مطرأ من لآلئ، صوتها نشيد عصفور، وشفتاها حين تبتسم، زر ورد».
اختارت «دار الجمل»، بترجمة رشيقة من الشاعر اسكندر حبش، أن تعطي الكلمة للأدب اللاتيني غير المتداول، والمتمرد على روحية الواقعية السحرية، بلغتها، وكليشيهاتها، التي آن لها أن تُعرّض مثل أي اتجاه فني، للتهوية والنقد، أو حتى الإطاحة والتغير. مُنحت الرواية بتجريبيتها الحاضرة، فرصة للحضور على خريطة القراءة العربية، فكانت الحديقة الخربة خياراً موفقاً واستثنائياً في فرادتها السردية، ومختبرها اللغوي، وجرأة تناولها للغة والدين ببعده الإيماني الروحي. «ليتمجد الرحمن الرحيم، خالق الحرب والخراب والجنون». هكذا يكتب خورخي فولبي الملحد المصاب بإيمان لا يشفى، وبروحية تقطر من نصه بإكراه ولاقصدية ، يكتب عن النساء، عن ليلى وآن، السيدة الأخرى في المكسيك البعيدة، يكتب عن سيرته الذاتية، والتعاسة غير الذاتية، سارداً سيرة الشقاء والوجع، سيرة الأمكنة التي تفرز ألماً لا هوية له، سوى أنه يقهر الكل.