يجول الكاتب الفلسطيني نافذ أبو حسنة في روايته «عسل المرايا» (منشورات ضفاف) في عالم فسيح يُدرك فيه الكاتب مدناً ثلاثاً في الظاهر هي: بغداد وبيروت وغزّة. معنى هذه المدن وما يدور فيها ينسحب على العالم العربي كله. الأفق مفتوح ظاهرياً، لكنه محكوم بعجز التخّطي حتى ليبدو كحاجز تقع الآمال وراءه. الحلم نفسه في رواية «عسل المرايا» خجول ومُتخفٍّ، هذا إذا وجد أصلاً، وتقريباً هو ملحق لا فائدة منه ولا يخدم وقائع عربية صارخة ومهينة على صعد كثيرة، إنسانية وسياسية وغرامية، ما برحت تتساقط وتتهاوى في معنى عدم النجاة، لأي فرد ولأي فكرة.

نافذ أبو حسنة (1961) يرى هو نفسه في روايته «شاهداً على الخيبة والانكسار، يقرأ بعينيه وربما بقلبه مآلات الحب والمدن... المدن التي تشبه النساء التي تأخذ من المدن كثيراً من صفاتها". من الخطأ قراءة رواية أبو حسنة كنبوءة سياسية تحكي ما حصل ويحصل في عالمنا العربي، بل ننظر الى قراءتها من زاوية كيف تتغيّر الشعارات الكبيرة فجأة تحت شروط "المفارقات الفاصلة".

قصة الحب التي جمعت اللبنانية سلام الراضي بالفلسطيني عبد الرحمن، بكل النزق الذي شابها، كأنّها وُظفّت فنياً لخدمة التداعي الذي يُرخيه الحال السياسي العربي، على الحبيبين نفسهما. لن نتكلم هنا عن سيرة ذاتية رغم التوصيف الفيزيكي حتى لبطل الشخصية في الرواية وتطابقه مع الكاتب نفسه. نقفز عن السيرة لنرى الشغف الذي وسم العلاقة، الى سوء الفهم، الى التدميرية في روح العلاقة والى المأزق الحياتي، ثم الى الانسحاب أخيراً أحدهما من حياة الآخر. الانفصال جاء أخيراً كرغبة في خلاصات فردية، وحريات شخصية، وانتصارات ذاتية بديلة عن تلك التي لم تقدر عليها الأوطان.
نرى كقرّاء الموت المطرد المنسحب على العلاقات المبتلية بالقيود والرقابة والضغط الحياتي، كنموذج للعالم العربي القائم في الرواية على النسبية والالتباس والتنّكر لكل ما هو إنساني.


منعطفات سردية عاطفية منحت الرواية بُعدها التركيبي
عالم عربي شعاراتي خبره هذا الفلسطيني في مدن عربية عدة وفي مواقف عدة، ويتعارض بالتالي مع الحلم بمطلق واقع سوّي وجميل وجدير بالتالي أن يُعاش. التعارض هنا ليس سياسياً أو أخلاقياً فقط، بل يتعلق بسوية الحياة النظيفة لمطلق كائن يحترم إنسانيته، بمعنى أنّ عالم الحقيقة في رواية أبو حسنة، وعالم الواقع للكاتب، النسبيين والملتبسين، مصاغان من مواد وقيم متماثلة.
حفلت رواية نافذ ابو حسنة بتنسيق للمشاهد والأحداث بكل الوسائل التقنية الفعلية والعبثية، والسردية التأملية التي ــ رغم مأساويتها ــ يمكنها أن تنير الحياة الإنسانية من خلال منعطفات سردية عاطفية في الواقع، منحت الرواية بُعدها التركيبي، ليس بغاية إنهاء الرواية على ما يجب أن تكون عليه النهايات، بل بغرض طرح الأسئلة على الذات في رحلة طويلة معها من المكاشفات والصدق.
يعمل أبو حسنة في روايته على توسيع فكرة الزمن، انطلاقاً من فكرة ما كانته بيروت يوماً على سبيل المثال، فينظر الى ماضيها الخاص ويزن تاريخها من خلال تجواله فيها ووصفه لمعالمها مثل رجل ينظر إلى حياته كلها دفعة واحدة. يُدخل الكاتب في فضائها محطات مفصلية وأماكن على علاقة بالنضال والحب، ومحطات تبدو في الظاهر ثانوية لكنها تؤكد المفصلي.
توحيد تاريخ المدن العربية وإن كان عن غير متعمّد عند الكاتب وباختلافات بسيطة هنا وهناك، يُعلي الحلم الإنساني ــ الذي لمّا يصبح حقيقة في الرواية ـــ من عملية الاختزال المدّوخة التي أجراها بطل الرواية على حياته السياسية وحياته العاطفية.
روح الرواية عند أبو حسنة، هي روح القلق في السرد، فالأحداث تجري وسط ضوضاء الإجابات الصعبة التي تأتي أسرع من الأسئلة نفسها. لم يُجمّل أبو حسنة الماضي المدرك الحاضر، بل بترَ بيد واثقة قوية نهاية روايته التي نأت عن نهاية الأفلام العربية السعيدة والمعهودة.