«الشيطان المدمر حنا يوسف، حفار القبور ذو السحنة المرعبة، وصديقته الخليعة التيكان يطلق عليها اسماً توراتياً غريباً (نونو بهار)، هما من أغوياني بكتابة سيرة حياة الفيلسوف العراقي الذي كان يقطن محلة الصدرية إبان الستينيات» هذه هي الجملة الأولى من روايتي «بابا سارتر»، بقيت ترن في أذني عاماً كاملاً قبل كتابتها. لم تكن فكرة تجريدية على نحو ما، لكن كيف يمكن تحويلها إلى رواية؟


لم تكن تجربتي الأولى في الحياة ولا في الكتابة! في الحياة كانت تجربة الحرب تنضح بالقسوة الدامية. أما في الكتابة فقد أصابني الشعر بنوع من الفراغ المحزن. فبعد تخرجي من الجامعة مباشرة وجدت نفسي في أتون حرب طاحنة. فتحول سؤالي الفلسفي الأول إلى مشهد الموت، أول مرة أجد نفسي أمام جثة. ما مغزى الحياة؟ الفترة التي كتبت فيها هذه الرواية كانت نوعاً من العطالة النادرة. لم أجرب مثلها حتى اليوم. لم تزودني الحرب إلا بشعور عابث بشكل مطلق. ماذا أعمل؟ سأكتب رواية. ارتبكت في البداية! تجربتي الأدبية ذلك الوقت كانت محصورة في كتابة الشعر وترجمة الروايات. الشعر بالنسبة لي كجنس أدبي قد اندحر إلى غير رجعة. كانت حرب عام 1991 إيذاناً بنهايته. هذا التاريخ هو الخاتمة التراجيدية للإيديولوجيا العربية التي صنعتها المخيلة الشعرية، والآن قد شهدت انهياراً دراماتيكياً بعد غزو الكويت والحرب على العراق. ومع أن هذا هو الذي سيسمح من دون شك للرواية بالبروز بشكل كاسح- كان توقعي صارماً- غير أن تجاربي السردية هي الأخرى كانت مرتبكة، إذ لم تكن غير ترجمات غير منضبطة لروايات من اللغتين الإنكليزية والفرنسية كنت أحبها، فكنت أتدخل في تغيير أحداث النص!


لم أعرف أنها نُشرت إلا بعد
ستة أشهر من صدورها!
فحين لا تعجبني الأحداث أغير مسارها، أو أجد إحدى الشخصيات زائدة فأحذفها، أو أقوم بإضافة شخصية جديدة! كنت أحرّف مسيرة الأبطال وأصحح أخطاء المؤلف المفترضة، وهكذا أصبحت لدي مجموعة من الكتب التي لا يمكن أن نعدها مترجمة ولا مؤلفة، ولا يمكن نشرها بأي حال من الأحوال. ولكن هذا العمل العابث والوهمي مدّني بمهارات سردية غير متوقعة... وهكذا اشتريت ورقاً وطابعة تشبه طابعات الحرب العالمية الثانية، وبدأت كتابة أحداث روايتي التي استغرقتني تماماً.
كانت استعادة الحياة في بغداد ما قبل الثورة هي الفكرة المؤسسة لهذه الرواية. أي التعبير عن الشكوك إزاء الحياة السياسية الحالية. كنا في عام 2001 وكانت الخطابات الفلسفية والسياسية، وجميع السرديات التي تشتمل وظيفتها على شرعنة الثورة تقول أن الماضي كان سيئاً، والحاضر الذي صنعته الثورة أفضل. هذا الخطاب المدعوم بالعديد من السرديات الرسمية كان يهدف إلى ترسيخ الذات داخل السياق الثقافي للثورة التي قام بها صدام، ومسح وتجريم كل ما كان في الماضي. فكانت «بابا سارتر»، بالنسبة لي- وكتابة الرواية بشكل عام- هي إثارة الشكوك حول الإجراءات السردية للتاريخ الرسمي، وإبطال الفكرة التي تنص أن للماضي حقيقة واحدة. فكان سؤالي: إلى أي قدر يمكن للرواية أن تسهم في تصويب التاريخ وترميمه؟ كان عليّ استعادة بغداد! وهي قدرة الرواية على استنطاق أحد مجالات المعارف الكبرى: التاريخ. كان هذا بحد ذاته شيئاً مثيراً للاهتمام. لأنه من شأنه تسليط الضوء على وظيفة مهمة من وظائف الرواية، وهو قدرتها على تكذيب التاريخ الرسمي.
بابا سارتر هي صورة عن مرحلة ما بعد عام 1991 في العراق. فحينما تضعف سلطة الدولة تبرز خطابات مهجّنة يصعب قمعها. من هذه الخطابات المهجنة تظهر الرواية: خطاب الأقليات، القوى المهمشة والمقموعة، أحاديث الشارع، السيوسيولكتة، الرطانة المهنية للعمال والحرفيين. لقد كان لدي وعي بأن ما أكتبه هو مخالف لكل الأشكال السردية في ذلك الوقت. فعملت على كتابة هجينة، مخصّبة بالعامية، وحاربت كل جملة شعرية في كتابتي. كأني انتقمت ذلك الوقت من الشعر. ثم ذهبت لتهديم الصورة النمطية للشخصية العراقية التي أرادت الإيديولوجية القومية إبرازها، عن طريق السخرية والتهكم، وبيان الخليط الاجتماعي والإثني وعدم التجانس الاجتماعي والأخلاقي التي كان لبغداد على الرغم من الصورة الأحادية والتوحيدية التي كانت تصر عليها سلطة الدولة. قبل التسعينيات ما كان من الممكن كتابة هذا النوع من الرواية، ليس سياسياً فحسب إنما تاريخياً أيضاً. فقوة الدولة –بحسب باختين- توحّد الخطابات فيبرز الشعر لأنه يستمد قوته من الايقاع المنتظم للسلطة، وحين تضعف السلطة تبرز الملفوظات المهجّنة والتي تمنح الرواية شكلها.
أثناء الكتابة انتبهت كيف صنعت الآلة السياسية والإيديولوجية الصورة النمطية للعراقي. النمط الذكوري العربي التقليدي، بالصرامة والقسوة، والشوارب السوداء الثخينة! شخص لا يحب السخرية ولا النكتة، عصبي المزاج ويردّ بقسوة. وهذه الصورة المخيفة عممت في الوطن العربي على نطاق واسع. ولا أكثر من صورة صدام حسين وحمايته. وكنت قرأت بإمعان في تلك الفترة روايات اليهود الأميركان من مجموعة نيويورك، فيليب روث، وسول بيلو، وبرنار مالمود، ورأيت كيف سخروا من شخصية اليهودي، ولكن بدل من الحقد عليه فأنت تحبه. فخطر في بالي هذا، كيف يمكن تحويل العراقي إلى بشر عن طريق السخرية، وفي الوقت ذاته تحبه وتتعاطف معه بوصفه بشراً، فبنيت رواية «بابا سارتر» على أساس السخرية، وليس الهجاء، على أساس التعاطف وليس الانتقاص من الشخصية.
المادة الأساسية التي نقبتها تنقيباً كان أطروحتي للماجستير التي لم أحصل عليها. فبعد تسرحي من الخدمة العسكرية، دخلت الدراسات العليا، كان همي تلك الفترة أن أصبح أستاذاً جامعياً، على شاكلة إدوارد سعيد وهومي بابا. وقررت كتابة أطروحة عن أثر الوجودية في الثقافة العربية، وقد اكتشفت في ذلك الوقت غرامشي وإدوارد سعيد وسارتر وأويرباخ، ولهذا حدث انشباك شرس بيني وبين المؤسسة الأكاديمية المتحجرة، كنت طالباً صاخباً ومخاصماً ومُحاججاً. وكان علي أن أنفذ بين أساتذة مخرّبة عقولهم، وموظفين في سلطة فاسدة. كل هذا أدى بشكل درامي إلى فصلي من الجامعة، وبالتالي دخولي حالة من الإفلاس والعطالة الدائمة.

استخدمت كل أطروحتي للماجستير التي كتبتها عن أثر الوجودية في الثقافة العربية في الروايةا!
فاستخدمت كل أطروحتي للماجستير في كتابة الرواية.
جلست لكتابة رواية عن الستينات. رمز الحداثة الغربية في العالم الإسلامي. في شارع واحد أكثر من سبعين باراً ومقهى وسينما. قرب السينما مكتبة للاسطوانات الغربية، ومكتبة للكتب الأجنبية. أما في زمني فلم يعد أي شيء من هذا، وما تبقى في طريقه إلى التلاشي، وكان علي أن أنتقل في الزمن، حيث تحولت حياتي إلى زمن آخر. أخذت أقرأ صحفاً أخبارها منذ خمسين عاماً وكأنها حدثت اليوم. عرفت عن أزياء تلك المرحلة أكثر مما أعرف عن أزياء مرحلتي، عرفت الإعلانات، ماذا يشربون ويأكلون ويلبسون وأين يسهرون. من الإعلانات عرفت كل أنواع البيرة وأسعارها. كل ماركات البنطلونات والأربطة ومن أين يشترونها. عرفت كل أسماء الخياطين. عرفت ديكورات كل المطاعم والبارات التي يسهرون بها ومن صممها. كل الماركات وأين تباع. في حجرتي الصغيرة كانت خرائط المدينة معلقة. أقرأ في الصحف الأحداث الاجتماعية: تزوج فلان من فلانة، أو باع التاجر فلان بيته، أو سافر المحامي فلان إلى لندن أو باريس. أما ألبومات الصور الفوتوغرافية التي اشتريتها من العائلات البغدادية، فكانت أهم وثيقة لمعرفة قصات الشعر والملابس والتي تتوافق مع الطبقة الاجتماعية أو مع تلك الحقبة. أما الأهم فهو دليل الهاتف لعام 1950. لقد قرأت دليل الهاتف مثلما أقرأ رواية. لقد عرفت من خلاله كل أسماء سكان بغداد ومن خلالها عرفت طوائفهم، وعرفت عناوينهم ومهنهم.
بعد عمل مضنٍ أنهيت رواية «بابا سارتر». قدمتها في البداية إلى «دار الآداب»، ويؤسفني أن سهيل إدريس رفضها، وكتب لي أنه يُفهم منها إساءة متعمدة له ولعايدة مطرجي إدريس وتشويهاً لمواقفهما. في تلك الفترة كنت وقعت عقداً لتمثيل فيلم وثائقي عن الآثار الليبية، وقبل رحيلي من بغداد كنت أرسلت الرواية إلى رياض الريس. بعدها تحولت إلى عالم آخر، عالم الصحراء الليبية حيث أحداث فيلمي المثيرة، فقد تعرضت للموت أكثر من مرة. ركبنا طائرة شينوك قديمة وكادت تسقط بنا فوق آثار مدينة قورينا شحات. عبرنا إلى جزيرة بقوارب مطاطية وضربتنا عاصفة وسط البحر وشارفنا على الهلاك. انفجر لغم قريباً منا في موقع للحرب العالمية الثانية في بير موسى. وسط كل هذه المغامرات، كنت أقود مغامرة بعيدة عن الفيلم تماماً، وهي البحث عن لغز جندي رسام اسمه جون بريل قتل في الحرب العالمية الأولى، وتابعت مسيرته من لحظة أسره في منطقة البردي، حتى مقتله في معركة العلمين ودفنه في مقبرة مرسى مطروح.
لم أعرف أن روايتي نُشرت إلا بعد ستة أشهر من صدورها!.