مئات السيارات البرتقالية وصلت من المناطق اللبنانية كافة الى وسط بيروت تلبية لنداء قائدها العماد ميشال عون. الناشط طانيوس حبيقة، ابن بسكنتا، يصل على متن دراجة نارية. يحيّي الشباب بيده، متأبّطاً علم التيار الوطني الحرّ. أما مسؤول الماكينة الانتخابية منصور فاضل فحماسته تسبقه: «أختصر هذا اليوم بكلمة الوفاء».


خلفهما وأمامهما آلاف الأعلام البرتقالية مشت باتجاه ساحة الشهداء. بعض الشبان ارتدوا «القمصان السود» وطبعوا عليها عبارة «لغير الخالق ما منركع»، على العكس مما أعلنه وزير الخارجية جبران باسيل في حفل «تنصيبه» رئيساً للتيار، حيث قال: «أركع أمامك (عون)، أنا ورفيقي ورفاقي، لترفع رأسك بنا دوماً».
أغاني زمن «المنفى» و«عودة» عام 2005 ألهبت حماسة الجمهور البرتقالي. خصور الفتيات تمايلت على أنغام «نزل التيار على الارض» و«عونك جايي من الله»، فلم يكن أمام النائبين عباس هاشم ونبيل نقولا سوى مجاراتهنّ. «نحيّي كسروان والمتن والكورة الخضراء وجزين…»، يصرخ المنسق العام بيار رفول من على المنبر، فترتفع «الهيصة». هيئات الأقضية تبارزت في تسجيل أعلى نسبة من «الحشد». صحيح أنّ كل «الاقضية عملت وحشدت، لكن يبقى المتن الاقرب والاقوى والجاهز دائماً»، يقول فاضل.
منطقة التجمع حدّدت بين مبنى الـ«فيرجين» ومبنى جريدة «النهار» صعوداً باتجاه بيت الكتائب المركزي. استفاد «التيار» من طريقة «تعامل» حملة «طلعت ريحتكم» مع «التيار» ونبش موقف الناشط أسعد ذبيان السلبي تجاه الاديان لشدّ عصب الناس. فعديدون هم الذين لاموا الفنان ميشال ألفتريادس لمشاركته في تظاهرات تلك المجموعات «المطلبية». فاضل لا يُنكر أن التيار «في كل مرة يتحدّونه فيها يشتد العصب حوله أكثر.


لعب العمداء والضباط السابقون في الجيش دوراً أساسياً في الحشد
تحدّونا أكثر من اللازم، نحن مجتمع مدني قبل أن نكون حزبيين». إضافة الى هذا العامل، لعب العمداء والضباط السابقون في الجيش دوراً أساسياً في الحشد. وجوههم كانت حاضرة، والناس التي تحلقت حولهم تبغي التقاط صورة الى جانبهم أكدت ذلك. حتى «المطرودون» من التيار، أمثال باتريك رزق الله ولينا عقيقي، لبّوا نداء «الجنرال»، باستثناء الممثل «الغاضب والمغضوب عليه» هشام حداد الذي لم تنجح محاولات إقناعه بالمشاركة.
الشعارات التي أطلقها عون تحضيراً لهذا اليوم، والتي تحولت الى «هاشتاغات افتراضية»، حضرت أمس على شكل لوحات. «الانتخابات وحدا بتنضّف»، كان الشعار الأبرز. يُعلق أحد المشاركين: «كيف يرفعون هذا العنوان وهم الذين استعاضوا عن الانتخابات؟ هل هذا يعني أن التيار غير نظيف؟». رجل يشتكي من قنينة الماء «التي اشتريتها بـ8 آلاف» وأخرى تبحث عيناها عن وزير التربية الياس بو صعب: «أريد خدمة منه انشالله أتمكن من الاقتراب منه».
هذه المرة لم يُسجّل أي إشكال مع القوى الأمنية، ولم يُصب أيّ من النواب أو المسؤولين العونيين بـ«ضربة كف». حتى إن أعداد هذه القوى، بين جيش وأمن داخلي، كانت هزيلة نسبة إلى التظاهرات السابقة. شباب «الأوميغا» شاركوا في التنظيم، فتوزعوا على المنصة الأساسية وبين الحضور. لبسوا السراويل المرقّطة كما علم الجيش اللبناني، وحملوا «الجهاز» للتواصل في ما بينهم. إلا أن التنظيم لم يكن «في أعلى مستوياته». فقد اشتكى المصورون الصحافيون من هذا الامر، حيث منعوا من الاقتراب للتصوير، واقتصرت المنصة الرسمية على إعلاميّي الوسائل البرتقالية قبل أن يتدخل الناشط الكسرواني توفيق سلوم ويحلّ الموضوع.
رفول لم يتزحزح عن المنصة. وضع المعتصمين بصورة «المؤامرة» التي حيكت من أجل «منع الناس من الحضور»، خاصة من المتن. ولعب دور غرفة التحكم المروري حين بقي يوافيهم بحركة السير «والعجقة على الطرقات». وعد بأن يبدأ الاحتفال الساعة السادسة والربع، لكنه تأخر حتى السابعة مساءً. حين يخفت صوت مكبرات الصوت يعلو شعار «الله لبنان عون وبس». أما التكلم مع زياد عبس فممنوع خلال إنشاد النشيد الوطني: «عيب» يقول مُسكتاً من حوله. وبعد دقيقة صمت عن روح «الشهداء»، بدأت الكلمات التي قطعتها أصوات الأذان. ثم تناوب الفنانون على «مبايعة» عون. معين شريف، الذي طالب بإسقاط النظام قبل أسبوع، عاد الى كنف الدولة، صارخاً البارحة «لبيك نصرالله، لبيك يا عون»، في حين أن زين العمر تلا «فعل التوبة» عن الزمن الذي ترك فيه عون وأيّد قائد الجيش جان قهوجي. والهجوم على «طلعت ريحتكم» تولاه سمير صفير.
ضغط المنظّمين من أجل إبعاد الموجودين أمام المنصة ومنع أيّ كان من اعتلائها، أوحى بأن عون سيحضر شخصياً، قبل أن يتبيّن أن الرئيس الجديد هو الذي سيخطب بـ«شعب عون». فجأة سكتت الأصوات وانخفضت الاعلام. رفع باسيل يديه ليحيّي «الجماهير»، فلاقاه تصفيق خجول. لكن مزاج الحاضرين تبدّل حين «دق» وزير الخارجية على العصب، في كلمته التي كانت أشبه بـ»خطاب القَسَم» لرئيس حزب وعد العونيين بأن يكون موعد اللقاء المقبل في قصر بعبدا.