منذ تظاهرة 22 آب الماضي، رفعت المجموعات المشاركة في الاحتجاجات الجارية 4 مطالب رئيسة لها، تمثّل الحد الادنى، وهي: استعادة صلاحيات البلديات في إدارة قطاع النفايات وتحرير أموال البلديات من الصندوق البلدي المستقل، استقالة وزير البيئة محمد المشنوق بسبب فشله في معالجة أزمة النفايات، محاسبة وزير الداخلية نهاد المشنوق وكل من تورط في استخدام العنف ضد المتظاهرين، إجراء الانتخابات النيابية.


وعلى الرغم من المشاركة اللافتة في تظاهرة 29 آب، وتحديد مهلة 72 ساعة لتحقيق المطالب المرفوعة، بقيت أطراف السلطة غير آبهة. لم تُعالج أزمة النفايات بأي شكل، وهي مهددة بالتفاقم أكثر في ظل نفاد القدرة الاستيعابية للاماكن المستخدمة لإيداع هذه النفايات وانتشار المكبات العشوائية، فضلاً عن ظروف الطقس الطارئة التي تزيد الطين بلّة. ولم يستقل وزير البيئة على الرغم من اقتحام الوزارة والاعتصام فيها من قبل «طلعت ريحتكم» وبدء 10 شبان إضراباً عن الطعام أمام الوزارة للضغط على الوزير المشنوق للاستقالة، إلا أن المشنوق لا يزال يرفض ذلك بذريعة عدم الاخلال بتوازنات مجلس الوزراء، وكل ما فعله أنه استقال من اللجنة الوزارية المكلفة بملف النفايات، بمعنى أن الوزير المشنوق اختار عدم الاستقالة ولكنه تخلى عن أهم ملف يندرج ضمن صلاحياته. وكذلك، لا يزال وزير الداخلية خارج أي محاسبة أو مساءلة، واقتصر التحقيق في أعمال العنف والتعذيب والاعتقال التعسفي على إجراءات داخلية في قوى الامن الداخلي ولم يبلغ عتبة القضاء، واقتصرت العقوبات المسلكية الطفيفة على عدد قليل جداً من الضباط والعناصر وبتهم لا تمت بصلة الى التهمة الاساسية، وهي «الافراط في استخدام العنف ضد متظاهرين مدنيين عزل». امّا المطلب الرابع المتعلق بالانتخابات فهو سيكون على طاولة البحث في جلسة الحوار بين رؤساء الكتل النيابية، الذي دعا اليه رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو حوار من خارج مؤسسات الدولة الدستورية ويرفضه المحتجون رفضاً تاماً، باعتباره جواباً خطيراً على مطالبهم يمعن في الاستهتار بهم ولا يخرج عن الممارسات السابقة.


تجري احتجاجات
اليوم على مرحلتين قبل
الظهر ومساءً


أمام هذه الاجوبة المخيبة، يعود المحتجون الى الشارع اليوم، وبعضهم لم يغادره أصلاً كحملة «بدنا نحاسب» والمجموعات اليسارية، التي نفّذت سلسلة من التحركات في بيروت والمناطق طيلة الايام الماضية. ومن المقرر أن تجري احتجاجات اليوم على مرحلتين، الاولى تبدأ من الساعة العاشرة قبل الظهر بالقرب من ساحة النجمة، حيث سيجري قرع الطناجر والطبول بالتزامن مع عقد الحوار في مبنى مجلس النواب، والمرحلة الثانية تبدأ عند السادسة مساءً تحت مبنى النهار حيث سيحتشد المشاركون للتعبير عن إصرارهم على مواصلة الاحتجاجات في الشارع حتى تنفيذ مطالبهم.
هذه الخطّة للاحتجاجات استدعت استنفاراً أمنياً استثنائياً، إذ بدأ نشر عناصر قوى الامن بمؤازرة الجيش اعتباراً من مساء أمس، وتقرر إشقفال وسط بيروت كلياً اعتباراً من السادسة قبل ظهر اليوم، وسيمنع الدخول بصورة تامة عبر المداخل التي تؤدي الى ساحة النجمة ومقر مجلس النواب. هذه الاجراءات ستمتد حتى انتهاء جلسة الحوار، في إيحاء بأنها لا تتعلق بالمرحلة الثانية من الاحتجاجات المقررة عند السادسة مساءً، إلا أن المنظمين يعبّرون عن خشيتهم من أن يكون الهدف هو مضايقة المحتجين واستفزازهم، ولا سيما أن هذه الاجراءات تشمل إقفال طريق تقاطع النهار، LE Grey، وصولاً الى مسجد الامين، شارع ويغان، شارعي الامير بشير والام جيلاس، شارع المصارف، شارعي فوش واللنبي حتى تقاطع اللواء فرنسوا الحاج، تقاطعي باب ادريس وبنك عودة وشارعي عمر الداعوق. أي إنها تشمل جميع الساحات والطرقات والشوارع التي شكلت في الايام الماضية أمكنة التجمّع للمحتجين. منع الدخول الى وسط بيروت سيطال موظفي الادارات العامة والمؤسسات العامة والخاصة، وكذلك وسائل الاعلام التي يمكنها إجراء التغطية المباشرة من خارج البقعة، على أن يستثنى من المنع الشخصيات السياسية والمدعوون الذين بحوزتهم تصاريح خاصة، ووسائل الاعلام المعتمدة داخل مجلس النواب، على أن يتم التنسيق مع الامانة العامة لمجلس النواب.
اجتمعت أمس لجنة متابعة الحراك للاتفاق على البيان المفترض تلاوته اليوم، وبتّ عدد من الأمور اللوجيستية والتنظيمية، وتم الاتفاق بشكل مبدئي على أن يتم توجيه «تحيات» للمناطق التي نُفّذت فيها اعتصامات في الأسبوع الفائت، إما من خلال السماح لممثلي هذه المناطق بإلقاء كلمات مقتضبة على المنبر، أو من خلال توجيه المنظمين التحية لكل منطقة من المناطق، على أن تلقى كلمة باسم كافة الحملات عند الساعة السابعة والنصف مساءً. يتخلل هذه الكلمة التأكيد على المطالب الأربعة. وبعد ذلك ستتم دعوة المشاركين الى السير نحو وزارة البيئة في مبنى العازارية لتحية الشبان المضربين عن الطعام.
تم الاتفاق على أن يلقي كلمة الحراك ممثل عن حملة إقفال مطمر الناعمة، خاصة بعدما حكي عن محاولات لإعادة فتحه، على أن تتضمن هذه الكلمة، إضافة إلى المطالب الأربعة، اشارة الى أن هذا الحراك هو للبنانيين جميعاً، وسيحمل قضاياهم من سلسلة الرتب والرواتب، الكهرباء والمياه، والتغطية الصحية الشاملة، وغيرها من القضايا المطلبية. إلا أنه سيتم الاتفاق على التفاصيل النهائية خلال هذا النهار.
في هذا الوقت، أصدرت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين بياناً أشارت فيه الى أنه منذ 3 أيلول 2015، باشر قاضي التحقيق العسكري استجواب الموقوفين خلال المظاهرات السابقة، بعد أن قام مفوض الحكومة لدى القضاء العسكري بالادعاء على أكثر من 25 شخصاً، بينهم 7 قاصرين، بعدة جرائم وأهمها بحسب ما ورد حرفياً: «الاندساس في مظاهرات سلمية وتشكيل مجموعات شغب رشقت القوى الأمنية بالمولوتوف والأدوات الحادة ومعاملتهم بشدة وشتم الإدارات العامة والمس بسمعة المؤسسة العسكرية وتخريب المنشآت العامة والخاصة، وذلك سنداً للمواد 381 و386 و733 من قانون العقوبات والمادة 157 من قانون القضاء العسكري.
أدانت اللجنة محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، ما ينتهك مبدأ التقاضي الطبيعي، وهو القضاء العدلي للمدنيين. فالمحاكمات أمام القضاء العسكري لا تؤمن شروط المحاكمة العادلة، لا سيما لجهة استقلالية القضاة وضمان حق الادعاء الشخصي ومبدأ الوجاهية وتأمين حقوق الدفاع، والحد من التقاضي على درجتين وفقدان التعليل في الأحكام الصادرة عنه. كذلك أدانت اللجنة أيضاً استخدام مفهوم «الاندساس في مظاهرات سلمية» في الادعاء على المتظاهرين، لعدم وروده في أي من القوانين اللبنانية. وتعتبر الادّعاء بحقهم بجرائم شتم الإدارات العامة يمس بحرية بالتعبير.
(الاخبار)