راجانا حمية

وحده البكاء كان مسموعاً على مقربة من مسجد الإمامين الحسنين، حيث سيسجّى جسد السيّد محمد حسين فضل الله. كان النحيب، ولو خافتاً، مؤلماً بقدر الألم الذي يشعر به العابر من أمام صور السيّد الباسم المعلّقة على الجدران. هنا وقفت المتشحات بالسواد منذ الصباح الباكر، في انتظار خروج جثمان السيّد من مستشفى بهمن. لم تثنهنّ شمس تمّوز اللاهبة عن ذلك، فهنّ ينتظرن من كان حتى أيامٍ خلت يعيش تفاصيل حياتهن الخاصة.
علاقتهنّ بالسيّد أقرب إلى الأبوّة والرعاية منها إلى الدين، فهو حاضن الأسرار الصغيرة منها والكبيرة، وقبل كلّ شيء المدافع الأوّل عن حقوقهن. لم يكن الدين وحده من رسم حدود هذه العلاقة الحميمة، وإلا كانت كذلك مع غيره من المراجع الدينية، لكنها شخصية السيّد المحبّبة التي جعلته في آن واحد مرجعاً ومستودعاً لأسرارٍ قد لا يجرؤ صاحبها على الاعتراف بها لأحدٍ سواه.
أمس، أمام مستشفى بهمن، كان صوت البكاء هو الغالب. صغيرات ومسنّات، محجبات وسافرات، اتشحن بالسواد وافترشن أرض المستشفى. واحدة منهنّ حشرت جسدها في إحدى زوايا الدار الواسعة، هرباً من العيون المتطفلة. كان بكاؤها حارقاً. يخفت أحياناً ويعلو مراراً كلما ارتفع صوت السيّد من مئذنة «الحسنين». يعلو صوت بكائها أكثر، كما بكاء غيرها، كلما أُعيدت عبارة السيد «أحبّ أن أبقى معكم لأخدمكم». تلك السيدة تعرف الآن أنها فقدت شيئاً «لا أعرف كيف أصفه». لم يسبق لها أن قابلت السيّد يوماً، لكنها كانت مواظبة على الصلاة بإمامته أيام الجمعة. ما كان يفصلها عنه في تلك الأيام مسافة أمتار. أما الآن، فقد كبُرت المسافة، وكبُر الشعور بالفراغ والفقدان. كان شعورها في تلك اللحظة يشبه شعور الكثيرات الواقفات أمام المستشفى والمسجد القريب منها: رفض فكرة غياب السيّد. لكنه رحل. هذا ما يذكرهن به مؤذّن المسجد الذي حلّ مكان السيد في صلاة الظهر. لم يكن ذاك صوت السيد، بل هو صوت آخر. يعلو صوت البكاء. يطلب المؤذن من النسوة ترك المكان للرجال والتوجّه نحو ساحة الغبيري. مشين، متأبطات صور السيّد. بعضهنّ شاردات وأخريات باكيات. وبعضهن محجّبات وأخريات سافرات. لم يكن الالتزام بالحجاب واجباً في تلك اللحظة، وإن كان ثمة من تحجّبن إكراماً للسيد، كما فعلت منى حيدر. وصلن إلى ساحة الغبيري. مثلما كنّا أمام المستشفى، افترشن الأرصفة، بانتظار وصول الجثمان الذي كان في تلك اللحظات يجوب الشوارع، قبل العودة إلى «الحسنين». لكلّ واحدة من الجالسات


سيأتي رمضان ولن يأتي السيّد، فكيف سيكون طعم هذا الشهر؟

هناك، أو لغالبيتهنّ، قصص مع السيّد الغائب. بعضهنّ رأينه وأخريات لم يرينه، لكنه كان مبثوثاً في يومياتهنّ بكلامه وحضوره ومحاضراته والفتاوى. زينب فقيه، إحدى تلك السيدات، التي تجرأت يوماً على طلب موعد لقاء مع السيّد لمشاركته في مشكلتها العائلية. قالتها للسيّد، ولم تستطع إلى اليوم قولها لآخر غيره. تشعر اليوم بأنها فقدت «الحضن ومخبأ الأسرار»، رغم أنها رأته مرة واحدة.
منى حيدر، الشابة التي لم تر السيّد إلا في الصلاة والمحاضرات، لا تستطيع تقدير خسارتها وخسارة غيرها «فالسيد كان المدافع الأول عن حقوقنا». تستفيض في الشرح قائلة: «كان يعامل المرأة كأنها الندّ للرجل، هو أول من نظر إلى المرأة على أساس أنها فكر وعقل، لا سلعة، ومن علمنا أن نكون كذلك». ثمة أسباب أخرى لمحبّة هذا الرجل والشعور بقساوة فقدانه. تكمل حوراء فقيه ما قالته منى، فهو أول «من أمّ صلاة الجمعة للنساء، قبل السيّد لم نكن ندخل المسجد، وفي رمضان كنا نحيي ليالي القدر معه، ونودع الأسبوع الأخير منه معه».
سيأتي رمضان، ولن يأتي السيد هذا العام «سأشتاق إليه»، تتابع حوراء. الطقوس الدينية «طعمها غير مع السيد»، وهذا ما يشجّع الكثيرات من النساء على تقليده في أمورهن الدينية. بعضهن يعطي وصفاً أدق لهذا «الطعم»، فهو «منفتح في اجتهاداته، فتاويه تشبه الواقع من دون أن تغيّر في النص الديني شيئاً»، تقول نور، الصغيرة التي تربّت في ثانوية الرحمة التابعة لجمعية المبرات الخيرية. أخرى تجد في فتاويه «جرأة ومرونة، لا تعقيداً وجماداً». حتى «عاشوراء يحييها السيد بطريقة حضارية»، تقول فاطمة. القصص لا تنتهي في جعبة النساء المفجوعات بالرحيل. لكن الوقت حان للقاء السيّد. كانت الشمس قد بدأت ترتفع شيئاً فشيئاً، من دون أن تخفّ حدتها. بدأ مطلع مسيرة التشييع يهلّ. اختلطت النساء بالرجال ومشوا معاً إلى «الحسنين». ما بين الغبيري والحسنين، كانت لحظة الوداع قاسية، فالسيد سيوارى في الثرى بعد قليل. اختلطت الدموع بقطرات العرق. ووسط كل هذا الحزن، أطلّت نسوة من شرفات منازلهن ورمين الجسد المحمول على الأكفّ بالأرز والزهور، والوجوه التي أتلفتها شمس تموز بالمياه الباردة وماء الزهر، علها تطفئ القيظ. وصل المشيّعون والجثمان إلى «الحسنين». إنها اللحظة الأخيرة. صدّق الكل أن السيّد رحل، فرحلوا حاملين أسرارهم معه وصدى صوته الخارج من المئذنة... وصوره.