حسن خليل

كلا، لن أدّعي أنّكَ كنتَ بمثابة والدي ولذلك تيتّمتُ مرّة أخرى، بل لأنكَ كنتَ مرجعاً دينياً وفكرياً وإنسانياً يمثّل الإسلام الذي أنتمي إليه. كنتَ وبدون اتفاق سرّي أو علني بيننا تتحدث بالنيابة عني وعن الملايين من المسلمين الذين رفضوا الانزواء أو الانغلاق، والذين لم ولن يقبلوا «التناقض» بين التديُّن والإنسانية. هذه كانت رسالة أمير المؤمنين علي. وكنتَ يا سماحة السيّد خير مَن حملها ودرَّسها.
تغيب عنّا في زمنٍ بتنا أغراباً في محيطنا العربي الغارق تخلّفاً، تارةً يطالبنا بإثبات إيماننا على «طريقته» وإلا فنحن كفّار، وتارةً يطعن في عروبتنا حتى درجة «المجوسية». ولكن أنتَ ومن قبلِك الإمام محمد مهدي شمس الدين والإمام موسى الصدر كنتم المدرسة التي علّمتنا: «ادفع بالتي هي أحسن»، وبأن سعةَ الصدر والصبر والتفكُّر والعزم والحزم والقوة والإيمان والانفتاح وعدم مواجهة التعصّب بالتعصّب هي سمات الإنسان الزاهد كما زهدتَ أنت وزهد قبلك عيسى بن مريم.
لم تكن تعنيني علاقتي الشخصية بك وسؤال خاطرك دوماً كما عنتني نظرتك إلى الجانب الإنساني في علاقاتك مع الآخرين. اليوم وقد غيَّبَكَ الموت أصبح بإمكاني أن أقول للجميع ما كنتُ أخفيه لنفسي عن مواقفك في محطات محددة اطّلعتُ عليها منك وكلّفتي دوماً أن أنقل محبّتكَ وعدم حقدك واستعدادك للمعانقة.
لقد علَّمتنا يا سماحة السيّد أن الحسابَ بسيط ولا مساومةَ فيه. فالحسنةُ حسنة والسيئةُ سيئة، وإن التكعيب والتربيع للحسنات هي عملية حسابية يقوم بها الخالق وحده، ومحو السيئات كذلك، لا عبدٌ من عبيده التافهين الذين يظهرون على الشاشات فيتبرّعون من هنا وهناك بحسنات مضاعفة ويمحون سيئات.
يا سيدي ويا مولاي... وأنتَ خيرُ مَن استحقّ تلك الألقاب، لا مَن اشتروها بالمال والجاه، كنتَ وستبقى بيننا رمزَ التواصل والقيم والأخلاق وزهد «النبعة وبئر العبد والضاحية».
لم تكن صدفة أن أكثر كلمتين استعمَلتَهُما في خطبك، كما لفت أحد محبيك، كانتا: الحركة والواقع، وأنك كنتَ المحارب الأول ضد التكفير والدعوة إلى قبول الإنسان في الجانب الإنساني منه ولو لم يكن مسلماً. أعطيتَ الإنسان قيمته بالعقل والفكر المنهجي.
لا يا سيدي: غيابكَ ليس سهلاً. لمَن أشكو تزمّت بعض أهل بيتي وتخلّف بعض جوانب مجتمعي؟ لمَن سأذهب ليقول لي «معليش»، علينا ألّا نيأس، وأن على كلٍّ منّا بنفسه وعمله، لا بمعاكسة أهل الحقد والحسد؟
لا خيار لنا بعد رحيلك إلّا أن نتمسّك بتعاليم فكرك وتسامح مدرستك، وإلّا لا شعاع نور أو بريق أمل...
دعوتَ لنا وشددتَ على أيدينا في حياتك، ورجاءً أن تدعو لنا في دار البقاء أن لا ينثني عزمنا وأن نبقى على دربك... درب الإنسان للإنسان ومع الإنسان...