strong>حسن عليق

تماماً كما فكرة المرجعيّة، حيث لا حدود سياسية أو جغرافية أو لغوية تفصل بين مرجع التقليد ومريديه، كذلك كان مشهد تشييع المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله أمس. مشهد جمع حشداً شعبياً ضخماً إلى حشد سياسي وديني يكاد يكون غير مسبوق. هذا المشهد الجامع يعززه واقع أن حركة الراحل، طوال العقود الأربعة الماضية، لم تكن محصورة في المجال الديني الصرف، بما هو بحث فقهي وأصولي وعقائدي، بل تعدّته إلى مختلف الجوانب الفكرية والسياسية الحركية.
خلال التشييع، بدا حزب الله كصاحب العزاء. نوابه ومسؤولوه لم يتركوا مسجد الإمامين الحسنين الذي جمع أمس أكثر من نصف أعضاء مجلس شورى الحزب. وفي شوارع الضاحية الجنوبية، انتشر أفراد الانضباط لتنظيم مسيرة التشييع والحفاظ على أمنها. وكصاحب العزاء، جرى التعامل مع حزب الله. ففي خطوة بالغة الدلالة، تلقى الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، اتصالاً هاتفياً من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، للتعزية بوفاة فضل الله، «معبّراً عن مواساته ومشاعره، وراغباً في إبلاغ تعازيه الى عائلة الراحل الكبير وأبناء الشعب اللبناني قاطبة». بدوره شكر نصر الله لأردوغان، بحسب بيان للحزب، اتصاله وتعزيته، كما شكر له على «ومواقف الشعب التركي تجاه القضية الفلسطينية، تلك المواقف التي أحيت الكثير من الآمال في العالمين العربي والإسلامي».
مسيرة تشييع فضل الله أمس كانت واحدة من المناسبات النادرة التي تضم أفراداً من كشافة المهدي (التابعة لحزب الله) وكشافة الرسالة (حركة أمل)، جنباً إلى جنب، رافعين رايات سوداً وصوَر السيد. الرئيس نبيه بري، الذي تقدم المشيعين، (مثّل أيضاً رئيس الجمهورية ميشال سليمان) بدا بدوره كأهل بيت الراحل حزناً، قبل أن يتقبّل التعازي في مقر إقامته بعين التينة من وفود وشخصيات لبنانية وعربية وإيرانية. بدوره، رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، الموجود خارج لبنان، أرسل موفداً عنه، وكذلك فعل نائبه وزير الدفاع الياس المر وقائد الجيش العماد جان قهوجي.
وكعادته، يتحوّل النائب وليد جنبلاط إلى نجم أينما حل. وجد في التشييع مناسبة ليمشي في شوارع الضاحية الجنوبية على قدميه، من طريق المطار إلى مسجد الحسنين. وقف لتقبل التعازي بمن رأى فيه «الرجل الذي أراد إخراج السيرة النبوية من فكر التقوقع». حضر معه نجله تيمور، المواظب على المناسبات في الضاحية، والوزراء: غازي العريضي، وائل أبو فاعور وأكرم شهيب، وعدد من نواب اللقاء الديموقراطي، بينهم النائب مروان حمادة الذي يمكن أن يُعدّ واحداً من أقل السياسيين شعبية في الضاحية الجنوبية لبيروت. وضم الوفد الذي ترأسه جنبلاط، نائبه دريد ياغي وعدداً كبيراً من رجال الدين الدروز. ببساطة، الخطوة جزء من الوجهة السياسية التي اتبعها جنبلاط منذ عامين.
التمثيل الأرفع من خارج لبنان كان من إيران، التي لطالما أعلن الراحل وقوفه إلى جانبها، حيث «لا مكان للاختلاف في وجهات النظر، طالما هي في دائرة الاستهداف». ويوم أمس، أرسل مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي ممثلاً له، هو آية الله أحمد جنتي، أمين مجلس صيانة الدستور وخطيب جمعة طهران. وإلى جانبه معاون للرئيس محمود أحمدي نجاد. ومن سوريا أرسل الرئيس بشار الأسد وفداً برئاسة السفير علي عبد الكريم علي.
في تشييع المرجع الراحل، اجتمع عرب الممانعة والاعتدال. أمير دولة قطر أرسل ولده جوعان بن حمد آل ثاني، فيما بعث رئيس دولة الإمارات ممثلاً عنه، وكذلك فعل كل من الرئيس العراقي جلال الطالباني والملك الأردني عبد الله الثاني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إضافة إلى وفد من مجلس النواب العراقي، والسفيرين السوداني والكوبي في لبنان.


اتصل أردوغان بنصر الله معزياً بوفاة فضل الله، راغباً في نقل تعازيه إلى عائلة الراحل

وحده البطريرك نصر الله صفير قاطع التشييع ولم يصدر أي بيان نعي أو تعزية
الحشد الرسمي ضاقت به باحة مسجد الحسنين، وأدى إلى احتكاكات عديدة بين «الكتائب» المختلفة لـ«جيش» مرافقي الشخصيات السياسية. وفي إحدى المرات، اضطر رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إلى التدخل لإبعاد المتعاركين إفساحاً في المجال أمام دخول أحد السياسيين القاعة التي أقيمت فيها صلاة الميت على جثمان السيد فضل الله.
وعلى المستوى الشعبي والحزبي، حضر ممثلون عن معظم الأحزاب والحركات السياسية اللبنانية، العلمانية والدينية، من مختلف الطوائف والاتجاهات. كذلك لفت حضور الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح من مصر، ممثلاً المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد بديع. وأبعد من حضوره، كان لافتاً تصريح أبو الفتوح الذي قال إنه «إذا كان في الساحة الإسلامية الشيعية مرشد للإخوان المسلمين، فهو السيد محمد حسين فضل الله، لأنه كان داعية إلى الوحدة ونبذ الطائفية، ومجدداً مستنيراً، وكان لآرائه وأفكاره دور كبير في إحداث تقارب بين أهل السنّة والشيعة». كذلك شارك في تشييع الراحل وفود من مقلّديه ومن رجال الدين في معظم دول الخليج العربي، وخاصة من الكويت والبحرين والسعودية والإمارات.
وحده البطريرك الماروني نصر الله صفير قاطع التعزية بفضل الله وتشييعه. لم يرسل موفداً عنه، ولا أصدر بيان نعي أو تعزية. وحده صفير من المرجعيات الدينية اللبنانية الذي لا يزال يتجاهل الحدث. أداء صفير تستغربه أوساط عديدة. ويشير بعض السياسيين والمراقبين إلى أن صفير لا يزال ناقماً على السيد، منذ آب 2009، عندما ردّ فضل الله على كلام للبطريرك عن حكم الأكثرية في لبنان ومعارضة الأقلية، إضافة إلى تشكيكه في وطنية جزء من اللبنانيين وأهدافهم و«تشكيلهم خطراً على الهوية اللبنانية». حينذاك، انتقد فضل الله «الجهات الدينية» التي يقال إن «مجد لبنان أعطي لها»، ليعلن رأيه بأن «مجد لبنان لم يعطَ إلا لشعب لبنان المجاهد والمقاوم».
واستغربت بعض الأوساط صمت البطريرك في حدث إنساني بالدرجة الأولى، ووطني بالدرجة الثانية. وسأل أحد السياسيين عما إذا كان صفير يريد تثبيت «قطيعة مع الطائفة الشيعية»، أو أنه يريد القول «إنه لا يسامح من يجرؤ على أن يناقشه في السياسة»!