باتت مشاهد المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى برّ الأمان الأوروبي بعد رحلة خطرة، أو مشاهد وأخبار العائلات الكاملة التي تموت غرقاً على الطريق، جزءاً من مشهدية الحرب السورية خارج الحدود، تضاف إليها موجات الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من سواحل أفريقيا الشمالية، خاصة من ليبيا، في رحلات العبور عبر المتوسط للوصول إلى أرض تحت سموات قد تكون أرحب.


قد يظن البعض أنّ الهجرة، الشرعية وغير الشرعية، هي حصراً باتجاه واحد، أي من دول الجنوب باتجاه دول الشمال الصناعية الغنية، وبالذات من منطقتنا إلى الأميركيتين، وأوروبا، خاصة بالنسبة إلى الهجرة غير الشرعية أخيراً. وتدعم هذا التصور المنقوص الحالة الراهنة التي تعيشها بعض الدول والجماعات على حوض المتوسط، لكن التاريخ يقول غير ذلك.
لا بد من التذكير أولاً بأن حركة الهجرة التي نراها حالياً، خاصة تلك الأكثر استعراضية بمأساويتها، أي الهجرة غير الشرعية، هي جزء من ديناميكيات ديموغرافية أكبر وأعمق، تتأثر بعوامل عديدة، مناخية وتقنية واقتصادية وغيرها، إضافة طبعاً إلى العوامل المباشرة والقاهرة كالحروب والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية التنموية والسياسية الخ، والتي تدفع الناس إلى الهجرة. في هذا السياق لا بد من التذكير بأن الهجرة والاستيطان ــ العنيف جداً في أحيان كثيرة ــ يكادان يكونان خاصية أوروبية، بالمعنى الجغرافي، منذ حوالى خمسة قرون لا أقل من ذلك. من بدايات الرحلات الاستكشافية التي قادت الاسبان والبرتغاليين أولاً إلى الوصول إلى الأميركيتين، قبل انتقال القطب الأوروبي إلى الشمال، في انكلترا وفرنسا لاحقاً، ومن ثم انتشار الثورة الصناعية الى المانيا والدول الاسكندينافية شرقاً وشمالاً، إضافة الى روسيا واليابان لاحقاً في القرن التاسع عشر.


الهجرة غير الشرعية إلى
أوروبا عبر المتوسط ليست أمراً حديثاً ولا تطوراً طارئاً

يشار إلى أنّ السلطنة العثمانية لم تكن أبداً في معزل عن التصنيع والتحديث، وإن كانت نتائج اكتشاف الاميركيتين وما رافقه من اكتشاف للفضة والذي أدى الى حالة من التضخم في اقتصاد الامبراطورية، بعكس حالة الازدهار التي ساهم فيها في شبه الجزيرة الايبيرية وأجزاء من أوروبا الغربية عبر التبادل التجاري، وذلك من خلال زيادة حجم الكتلة النقدية، أو النمط التجاري الاستعماري الذي فرضته موازين القوى لغير مصلحة العثمانيين، خاصة اعتباراً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر. كلها عوامل خلقت مراكز جذب اقتصادية.
لكنّ الثابتة الديموغرافية بقيت، وإن بوتيرة متفاوتة، وهي أن ديموغرافية القارة كانت أكبر من أن يتحملها اقتصادها، فكانت أوروبا خزاناً ديموغرافياً رفد كل أنحاء الأرض، مدعوماً بتقنيات جديدة، خاصة عسكرية، وتفوق اقتصادي وتقني أوضح منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سمح لها بتصدير الفائض الديموغرافي بصورة استيطانية عنيفة في كثير من الأحيان، وهو ما اصطدم بمواجهة الكثير من مجموعات السكان الأصليين، انتهى بها الأمر بالهزيمة أو الإبادة. لا تزال معالم هذا الاستيطان واضحة في التركيبة العرقية التي تطغى في بلدان مثل أستراليا وأميركا الشمالية، وفئات كبيرة في أميركا اللاتينية. لاحقاً، شهدت الدول الأوروبية الأكثر ازدهاراً موجات هجرة من داخل القارة الاوروبية من بلدان أقل ديناميكية اقتصادياً. شكلت فرنسا نموذجاً لهذه الهجرات منذ الامبراطورية الثانية (أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر) مع موجات الهجرة الإيطالية، البرتغالية، الإسبانية والبولونية.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خرجت أوروبا مثخنة اقتصادياً وديموغرافياً، وتبع انتهاء الحرب عسكرياً بضع سنوات من الطرد القسري للسكان، في أوروبا الوسطى والشرقية، حيث قامت عدة دول بالتخلص من المجموعات القومية والعرقية أو اللغوية غير المرغوب فيها، باتجاه «الدولة المرجع» لكل من هذه المجموعات.
بعد بدء مرحلة إعادة إعمار أوروبا في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وبالتزامن مع انتهاء الاستعمار الأوروبي في أكثر من مكان في العالم، بدأت مجموعات بشرية جديدة بالهجرة المقوننة إلى أوروبا، أغلبها من المستعمرات السابقة. وهي الهجرة الاقتصادية أو هجرة لمّ الشمل أو غيره، التي تتحدث عنها الأغلبية اصطلاحاً بوصفها الهجرة كما لو كانت الشكل الوحيد لانتقال السكان تاريخياً. يشار إلى أن هذه الهجرة، عكس سابقاتها، عدا الهجرات الأوروبية الداخلية، تتميز عن سابقاتها بأن ميزان القوة يميل بشكل مفرط لمصلحة صاحب الأرض الأوروبي. إلى جانب الهجرة الشرعية، تطورت ظاهرة الهجرة غير الشرعية منذ الثمانينيات إلى اليوم بشكل كبير، خاصة مع تحوّل أوروبا إلى شبه قلعة مقفلة عصيّة على الدخول. وكيف لا وهي مساحة جيوسياسية كبيرة مزدهرة نسبياً ومستقرة سياسياً وأمنياً، وتتمتع بمستوى ونوعية حياة جيدة، محاطة بأكثر من بلد أو منطقة ملتهبة أو تتخبط بواقع اقتصادي اجتماعي إنمائي مزر؟
لذا، فالهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عبر المتوسط ليست أمراً حديثاً، ولا تطوراً طارئاً مرتبطاً جذرياً بما حصل في ليبيا أو بالحرب السورية.

الهجرة والاستيطان ـ العنيف
جداً أحياناً ـ يكادان يكونان
خاصية أوروبية

لا شك في أن سقوط نظام القذافي في ليبيا، ودخول جزء من شمال أفريقيا في مرحلة من التخبّط السياسي والعسكري، قد سهلا موجات العبور الديموغرافية من أفريقيا السوداء إلى شواطئ أفريقيا الشمالية، خاصة الشواطئ الليبية، ومنها إلى أقرب النقاط الجغرافية على البر الأوروبي في إيطاليا. لكن مأساة النزوح بهذا الاتجاه أسبق على انفلات الأمور في ليبيا. ويذكر أن موضوع مكافحة الهجرة غير الشرعية من الطرف الليبي، ومنع إبحار أي سفينة تقل لاجئين محتملين، وضمناً ضبط حركة السكان جنوب ليبيا، كانت جزءاً من التفاهم الاوروبي الليبي قبل سنوات قليلة من إطاحة القذافي. ولا شك أيضاً في أنّ الحرب السورية التي هجرت حوالى أربعة ملايين سوري خارجاً، وعدداً أكبر في الداخل، عامل أكثر من مساعد على تغذية قنوات الهجرة غير الشرعية بوافدين جدد وبكمية غير مسبوقة، وبشروط أقسى. لكن يجب ألا تحجب صور العائلات التي تصل إلى الشواطئ الإيطالية أو اليونانية بعد رحلة خطيرة، وأحياناً كثيرة صور جثث الضحايا التي ماتت غرقاً، يجب ألا تحجب حقيقة أنّ الهجرة غير الشرعية قد كلفت حوالى 23 ألف شخص حياتهم منذ سنة 2000 حتى شهر نيسان 2015. إشارة إلى أن البحر المتوسط شكّل أخطر منطقة عبور للهجرات غير الشرعية في العالم منذ عام 2014 حتى الآن، حيث سجّل خلال العام الماضي حوالى 75% من حالات الوفيات بين المهاجرين حول العالم، ومات حوالى 1300 مهاجر غير شرعي في نيسان 2015 وحده.
ومع التطورات الدراماتيكية في شمال أفريقيا، خاصة في ليبيا، وفي سوريا بعدها، تضخمت أعداد المهاجرين غير الشرعيين بشكل كبير، ما عقّد الأوضاع وصعّب الإدارة والتحكم (الصعب والمعقد أساساً منذ سنوات)، إضافة إلى عدم فعالية كبيرة أظهرتها التشريعات الأوروبية الحالية، أكان على مستوى الاتحاد أو على مستوى قوانين اللجوء والإقامة الوطنية، فضلاً عن تفاوت كبير بين الدول الاوروبية في التعامل القانوني والعملي مع الوافدين الجدد، خاصة بين دول البلقان وأوروبا الوسطى من جهة، ودول أوروبا الغربية من جهة أخرى. وقد ظهر هذا الأمر جلياً في رد الفعل المجري والسجال مع باريس على هذه الخلفية مثلاً، والموقف المشترك لفرنسا وألمانيا وإيطاليا المطالب بتوزيع عادل لأعباء المهاجرين على دول الاتحاد الأوروبي. ولا يعدو كون الانفتاح الألماني النسبي بموضوع المهاجرين رهاناً ديموغرافياً وسياسياً رابحاً بالنسبة لبلد لا يجدد سكانه بطريقة طبيعية، وموقفاً سياسياً كبيراً يسمح لحكومة محافظة، وريثة الديموقراطية المسيحية، بأن تعطي درساً لعدد من الحكومات الاشتراكية، على رأسها تلك التي تحكم ضفة الراين الأخرى.
أخيراً، لا بد من السؤال عن المسؤولية السياسية لدول عديدة لديها دور كبير في عدم الاستقرار السياسي ــ الأمني وغيره في العديد من الدول التي تصدر أعداداً كبيرة من اللاجئين، ترفض استقبالهم في نهاية المطاف، ويلوذون ببلدان ليست أفضل بكثير من بلدانهم، إلا بشيء من الاستقرار الأمني، كحال اللاجئين السوريين في لبنان والأردن والعراق، وشمال أفريقيا، وحتى تركيا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي يعيشها السوريون هناك.
يستطيع الأوروبيون الحديث طويلاً عن الهجرة الشرعية وغير الشرعية، والقوانين والمقاربات القانونية، وأدبيات حقوق اللاجئين التي أنتجتها قارتهم بشكل أساسي، خاصة بعد الحربين العالميتين (للمفارقة، بعد انتهاء مشاكل اللجوء الداخلية، خصوصاً في أوروبا الشرقية والوسطى)، لكن هذا لا يغيّر في مسألتين: هزال أرقام اللاجئين الذين تستقبلهم أوروبا شرعياً، وبالتالي مدى مسؤولية هذه السياسة عن المأساة الحاصلة في المتوسط.
في المحصلة، الفقراء يستقبلون فقراء، وهذا ما تظهره الأرقام بوضوح في كل كوارث اللجوء منذ نصف قرن. من اللافت في هذا السياق أنّ المصطلحات المستعملة لا تأتي على ذكر المنتقلين إلا بوصفهم مهاجرين غير شرعيين، لا بوصفهم لاجئين بمعنى القوانين الدولية ذات الصلة. والمسألة الثانية أن لا حل جدياً بمعزل عن بناء الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلدان التي تصدّر هذا الكم من اللاجئين، في حوض المتوسط بشكل خاص كمنطقة تعنينا.





لا نوايا بتحمّل جزء من العبء


بحسب الهيئة الأوروبية لإنقاذ المهاجرين في المتوسط، فقد وصل إلى دول الاتحاد حوالى 340 ألف مهاجر غير شرعي منذ بداية العام الحالي، ما يحتّم على دول الاتحاد آلية للتعاون في الحد الأدنى، كذلك تغيير التشريعات الوطنية المختلفة باتجاه ملاءمتها أكثر لمعاهدة جنيف لعام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، وبروتوكول نيويورك لعام 1967 المكمّل لها.
فإذا كان لكل دولة قوانينها الخاصة لإعطاء صفة اللاجئ، وهي تستوحي بدرجات متفاوتة جداً معاهدة اللاجئين، فإنّ العوائق القانونية في كل دولة تحول ليس فقط دون استقبال "المهاجرين" كلاجئين، بل خاصة تحول دون دمجهم في دول الاستقبال، خاصة في مجال سوق العمل، علماً بأن المعاهدة المذكورة، وهي الأداة الدولية الأهم، والتي تكاد تكون الوحيدة في هذا المجال، تعرّف اللاجئ على أنه "كل شخص يخشى من الاضطهاد بسبب عرقه أو ديانته أو انتمائه لمجموعة معينة أو بسبب آرائه السياسية، ويوجد خارج البلد الذي يحمل جنسيته، والذي لا يستطيع أو لا يريد بسبب هذا الخوف أن يستظل حماية هذا البلد...".
لا شيء يؤشر إطلاقاً في المدى المنظور على نية دولية ــ أوروبية خاصة بحكم الجغرافيا ــ لتحمّل جزء من عبء اللاجئين، أقله في منطقتنا، والذي يقع على عاتق دول صغيرة أو تعاني من مشاكل، كلبنان أو الأردن أو العراق. وفي غياب تسهيل لحل ما، يكمن في جعل الحدود الاوروبية أكثر انفتاحاً بالطرق القانونية، كما وفي غياب إقفال تام للحدود ــ شبه مستحيل بالأدوات القانونية الحالية ــ من شأنه ردع الهجرة غير الشرعية جذرياً، سيبقى الوضع المأساوي على حاله، ولن تكون صورة الطفل الغريق على الشواطئ التركية الأخيرة من نوعها.