الجزائر | اتخذ السوريون من الجزائر معبراً للوصول إلى أوروبا منذ بدء الحرب في بلادهم، فكانوا يتدفقون بأعداد غفيرة ويملأون الساحات العمومية ثم يختفون عن الأنظار بعد أن يجمعوا الأموال اللازمة للهجرة. ويمر أغلب هؤلاء من الجزائر إلى جارتها الشرقية ليبيا التي نشطت فيها شبكات الهجرة السرية، قصد تهريبهم إلى الشواطئ الأوروبية.


وتذكر إحصائيات لمصالح الأمن الجزائرية أن عام 2014 شهد وحده ضبط 328 مهاجرا سوريا حاولوا التسلل إلى الأراضي الليبية عبر معابر برية، اشتدت فيها دوريات المراقبة الجزائرية منذ انفلات الأوضاع الأمنية في ليبيا؛ لكن ذلك لم يمنع مئات السوريين من دخول الأراضي الليبية نظراً لشساعة الحدود التي يستحيل مراقبتها على نحو كامل.
وكانت عدة تحقيقات إعلامية في الجزائر قد سلطت الضوء على ظاهرة المهاجرين السريين، ومنهم السوريون تحديداً الذين كانوا يفضلون دخول الأراضي الليبية من جنوب الجزائر، وخاصة محافظتي إليزي والوادي، ومنها يدفعون مقابل إيصالهم إلى شمال ليبيا وتأمين الرحلة المحفوفة بالمخاطر على امتداد 1600 كلم. وهي مبالغ تقدّر بحوالي 500 يورو، قبل أن تتسلمهم شبكات الهجرة السرية لإيصالهم إلى الشواطئ الإيطالية.
لكن الملاحظ في الفترة الأخيرة، هو تراجع الوافدين السوريين إلى الجزائر بسبب تشديد السلطات الجزائرية الحصول على رخصة لدخول أراضيها. أما السوريون الذين وصلوا إلى الجزائر فقد جرى إيواؤهم في مراكز بمدينة سيدي فرج الواقعة ضمن حدود العاصمة الجزائرية.

شكوى من عدم الحصول على تصاريح عمل

وليس السوريون وحدهم من يقصد الجزائر، فقد أدى اشتداد الأزمة في دول مجاورة نتيجة اضطراب الأوضاع الأمنية في المنطقة، إلى نزوح الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين الآتين من مالي والنيجر في حدودها الجنوبية أو من ليبيا على الحدود الشرقية.
لكن الكثير من هؤلاء اللاجئين لم يجدوا في الجزائر إمكانية للاستقرار بالنظر إلى عدم تمكنهم من الحصول على تصاريح عمل وصعوبة إيجاد أماكن تؤويهم، مما اضطرهم إلى تحويل الجزائر إلى منطقة للعبور بحثا عن الوصول إلى الفردوس المفقود في أوروبا. لذلك تجد أغلبهم يمتهنون التسول في الطرقات والقطارات من أجل جمع الأموال الكافية للمهربين.
وقد شهدت الأشهر الأخيرة، حوادث مأساوية حين قررت الحكومة الجزائرية ترحيل اللاجئين الأفارقة إلى بلدانهم والإبقاء فقط على السوريين، إذ توفي العشرات منهم وهم في طريقهم إلى الحدود الجنوبية للبلاد (أواخر 2014)، في حوادث هزت الرأي العام ودفعت المنظمات الحقوقية في الجزائر إلى الاحتجاج بقوة لدى السلطات. ومن بين الأحزاب ظهرت أصوات تطالب بتسوية وضعية المهاجرين، كان أبرزها زعيمة «حزب العمال» اليساري، لويزة حنون.

«الحراقة»... مأساة إنسانية لا تتوقف في الجزائر

ولم يعرف الجزائريون «المهاجرين السريين» مع مجيء السوريين والأفارقة، فكلمة «الحراقة» التي تطلق على هؤلاء وتعني «المسافرين دون تذاكر قانونية»، قد شاع تداولها بشدة خلال عقد التسعينيات حتى صارت تستعمل في الصحف، وتردد على ألسن المسؤولين، بعدما قويت ظاهرة «الهجرة السرية» فراراً من الإرهاب ومن الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وبعد عودة الجزائر إلى الاستقرار الأمني وحدوث الطفرة المالية إثر ارتفاع أسعار البترول مع بداية عام 2001، لوحظ تقلص في أعداد المهاجرين السريين دون أن يتوقف هؤلاء عن البحث عن طرق الشواطئ الأوروبية. وقد لا يكون عامل تحسن ظروف المعيشة نسبيا سبباً وحيداً، بل إنّ تكرار التجارب الأليمة التي انتهت بجزائريين غرقى في عرض البحر، وإلقاء الضوء إعلامياً على قصص مروعة لراكبي البحر المنتحرين، ساهما نوعا ما بالحد من حس المغامرة لدى الشباب وأصبحوا ربما أكثر وعيا وتريثا.
ويستذكر الجزائريون بألم بالغ قصة الشاب، درقواني لخضر، التي وقعت بداية عام 2007 عندما لفظ البحر رسالة له كتبها على علبة سجائر قبل لحظات من غرق قاربه. قال فيها، بأسى، بعد البسملة «أما بعد؛ نقول لكم إننا حاولنا الهروب من البلدة، ولكن للأسف الشديد فالبحر هاج علينا بقوة صعبة، تبقون على خير... أنا السيد درقواني لخضر.. أبي الحبيب، أمي الحبيبة... تهلاي في روحك (اعتني بنفسك) وأبي كذلك وإخواني وأخواتي، اللهم إغفر لنا وارحمنا يا ربّ العالمين...».

أساليب جديدة في الهجرة السرية

ومع ذلك ما زالت المسالك التقليدية للحراقة تشتغل دون توقف، وخاصة في فترة الصيف التي تكون فيها الأحوال الجوية مساعدة للإبحار، وينطلق هؤلاء غالبا من السواحل الشرقية في ولايتي الطارف وعنابة باتجاه الشواطئ الإيطالية وخاصة جزيرة سردينيا، بينما يتخذ «الحراقة» من شواطئ مدينة مستغانم منطلقا إلى السواحل الإسبانية.
وبرغم بعد المسافة التي تفصل شواطئ المحافظات الجزائرية الوسطى عن السواحل الغربية، إلا أن المهاجرين السريين صاروا ينطلقون منها أيضا في الفترة الأخيرة، وغالبا ما يكون ذلك عبر بواخر صيد قادرة على تحمل المسافة. وقد تمكنت قوات حرس الشواطئ قبل أيام من تفكيك شبكة تنشط على مستوى ولاية تيبازة (40 كلم غربي الجزائر العاصمة).
والواقع أن كثيراً من الشباب صاروا يبتكرون، حالياً، طرقا تقل فيها نسبة المخاطرة بكثير، لكنها تصنف في باب الهجرة السرية نظراً لعدم قانونيتها. يقول «مروان. ر.»، وهو أحد الشباب الجزائريين الذين استقروا في فرنسا منذ ست سنوات، إن وصوله إلى الضفة الأخرى من المتوسط كان عبر باخرة لنقل المسافرين. ويعترف مروان لـ «الأخبار»، بعد إلحاح عليه، بأنه دفع لشبكة زوّرت بطاقة تحمل اسمه على أساس أنه عامل في السفينة، ودفع لها لقاء ذلك مبلغ 30 مليون سنتيم في ذلك الوقت (ما يوازي 3000 يورو).


ليس السوريون وحدهم من يقصد الجزائر، هناك أيضاً الآلاف من مالي والنيجر

وتتعدد الأساليب التي صار يلجأ إليها الشباب الجزائري للهروب إلى أوروبا دون أنّ يغامروا بحياتهم كثيراً. ومن ذلك، تقول مصادر أمنية إن شبكات منظمة أصبحت تقدم خدماتها للشباب، عبر تزوير شهادات عمل لمهن لا يجد أصحابها صعوبة في الحصول على التأشيرة (كالمحامين والأطباء والصحافيين)، وبعد ذلك يتقدم الشاب للحصول على التأشيرة بطريقة قانونية. وزاد من فرص نجاح هذه الطريقة أن السفارات الأجنبية ضاعفت من نسبة منحها التأشيرات، وعلى رأسها فرنسا، المقصد الأول للجزائريين لأسباب تاريخية ولغوية.

جدل حول انخفاض أعداد «الحراقة»


يقدّر رئيس «اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان»، فاروق قسنطيني، تراجع عدد «الحراڤة» الجزائريين بنحو 30 إلى 35 بالمئة خلال العام الحالي، مقارنة بالعام الماضي. وتشير الأرقام الرسمية التي حصلت عليها «الأخبار» إلى أن وحدات الدرك الوطني والقوات البحرية قدمت الإغاثة والمساعدة، خلال تدخلاتها البرية والبحرية، لثمانمئة وخمسة وخمسين (855) شخصا كانوا يسعون إلى الهجرة السرية، من بينهم ثلاثمئة وثلاثة وخمسون (353) من الأجانب، خلال عام 2014.
وتعود الأسباب وفق الحقوقي، المقرّب من رئاسة الجمهورية في الجزائر، إلى «تحسن الوضع المعيشي في الجزائر وتفاقم الأزمة الاقتصادية في أوروبا، فضلاً عن المعاملة العنصرية التي بات يلقاها المهاجرون لدى وصولهم إلى مراكز الإيواء الأوروبية، وعدا ذلك يقول قسنطيني إن السهولة النسبية في الحصول على تأشيرة قانونية للسفر إلى أوروبا قد خفضت من الظاهرة».
أما المنظمات الحقوقية المستقلة، فترى أن ظاهرة الهجرة السرية لم تتقلص بقدر ما غيّرت من أساليبها وطرقها. ويرى نور الدين بن يسعد، وهو رئيس «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان»، أن ما يترك الانطباع عن انخفاض العدد، هو ضعف أعداد الجزائريين «الحراقة» مقارنة مع الارتفاع الضخم لبقية الجنسيات المهاجرة، وخاصة من ليبيا.