اليوم، بعد انتشار صورة الطفل الغريق إيلان، أي في مرحلة جردة الحساب «Aftermath»، يبدو الساسة الأوروبيون أنفسهم خائفين من هذه «الطفرة الشعبية» التي باتت تضغط عليهم أكثر فأكثر، لقبول المزيد من اللاجئين، بعدما كانوا يقولون بملء أشداقهم إنهم «لن يتقبلوا المزيد»، وإنَّ «أوضاع بلادهم الاقتصادية لا تتحمل أكثر».


كل ذلك لم يمنع ظهور نار تحت «رماد القبول»، فمررت وسائل الإعلام جميعها رسائل «متناقضة» بعض الشيء، وإن ظلت تميل إلى كفة القبول باللاجئين والتعاطف معهم.
رئيس المجر، فيكتور أوروبان، وهو حامل لواء «الكراهية» ضد اللاجئين، قال في مقال رأي نشره في صحيفة «أليمين زايتونج» الألمانية، إنَّ «مشكلة اللاجئين هي مع ألمانيا تحديداً، فالجميع يرغبون في الوصول إلى هناك».
وأكمل الرجل بعدما وصف أوروبا بـ«المرتعدة»، ناصحاً اللاجئين بعدم المخاطرة والقدوم إليها، ومؤكداً أن موجات الهجرة هذه تملأ أوروبا «بالمسلمين».
«السؤال المهم بالنظر إلى الموقف: هل يمكن الحفاظ على الجذور المسيحية لأوروبا، أم أنها لم تعد كذلك، وهذا لحد ذاته يدق ناقوس الإنذار، فالحضارة الأوروبية ليست في موقف يتيح لها الاحتفاظ بقيمها المسيحية؟»، يتساءل أوروبان.
في السياق، تناولت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية جانباً آخر من المسألة، فأشارت في مقالها البارحة إلى أنَّ مشكلة اللاجئين تقصم «ظهر» وحدة أوروبا، لأنها تظهر «بوضوح» غياب الانسجام بين معظم أطرافها.
هذا الأمر كان دافعاً أيضاً لصحيفة «الغارديان» البريطانية لتخصيص سلسلة من المقالات حول الموضوع نفسه، فبدأت بنقاش حول «المقدار العددي» الذي اقترحه رئيس الاتحاد الأوروبي، جان كلود يانكر، لكل دولةٍ من عدد اللاجئين. هذا دفع المستشارة الألمانية، انجيلا ميركل، القابلة على مضض بكل ما يحدث، إلى الاعتراض على «الحصة العددية» (تقسيم 160 ألف لاجئ موجودين حالياً على كل أوروبا)، في إشارة إلى أنّها لن تكون كافية.
الفكرة نفسها أشارت إليها «قناة DW» الألمانية الشهيرة بتركيزها على مقترح «العدد» الذي سيقدمه يانكر، مشيرةً إلى أن اقتراح يانكر «يتحدث عن أنه يود نقل 120 ألف لاجئ موجودين اليوم في دول الهجرة الأولى أي إيطاليا، اليونان والمجر» إلى كل أوروبا. ويبدو،
وفق المقال، أن ألمانيا وفرنسا ستأخذان ما حصته 60%، بينما لن تشارك الدانمارك، وبريطانيا، وأيرلندا في هذه الحصة، وفق الاتفاقية المشتركة.
برغم ذلك، كان رئيس الوزراء البريطاني، دايفيد كاميرون، قد أشار إلى أنَّ بلاده مستعدة لاستقبال عشرين ألفاً من اللاجئين (فضلاً عن استعدادها لصرف أكثر من مليون باوند إنكليزي على قضية اللاجئين) خلال الأعوام الخمسة المقبلة. كذلك طالب عدد كبير من وزراء ونواب المعارضة البريطانية بتحرك أشمل وأنجع تجاه تلك القضية، وفق صحيفة «الإكسبرس» البريطانية.
هذه الصحيفة تناولت في مقال مفصل «كيف أن متطوعين ألماناً يخشون من عدم جدية رد الفعل الحكومي تجاه قضية اللاجئين»، فيما أشارت «الغارديان» إلى استعداد أوستراليا لاستقبال 12 ألف لاجئ سوري جديد (إضافة إلى قرابة 14 ألف موجودين أصلاً هناك)».
عموماً، لم تبتعد الصحف الأوروبية كثيراً عن مزاج شعوبها، فنشرت «إل باييس» الإسبانية على موقعها فيديو عن لافتة الترحيب الموجودة في قلب العاصمة مدريد باللاجئين الأجانب، لكن الصحيفة لم يفتها أن تنشر مقالين كاملين عن استعداد إسبانيا لقبول مزيد من اللاجئين، برغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد.
وذهبت الصحيفة أبعد من ذلك وهي تتحدث عن «الكرم» الإسباني، فأشارت إلى أنَّ ولاية فالنسيا طلبت من البنوك السماح للاجئين بالسكن في الشقق المحجوز عليها، حتى إيجاد أماكن يسكنونها.
واستكمالاً للغة «التعاطف» مع اللاجئين، نشر موقع «التليغراف» البريطاني الفيديو الشهير للمصورة المجرية، بيترا لازلو، من قناة (N1TV)، وهي «تعرقل» أباً سورياً يحمل ابنه هارباً من «معسكر» للاجئين في المجر قبل أيام.
الأمر نفسه فعلته وسائل إعلام غربية تحدّثت كثيراً عن الحادثة وعن انتماء المصّورة التي بات معروفاً أنها تأتي من خلفية «عنصرية» تعادي «الأجانب»، ومن حزب «جوبيك» الذي يأخذ جانب العدائية المفرطة ضد الأجانب.

كذلك فعلت «الدايلي ميل»، التي أفردت متسعاً لأزمة اللاجئين، وتناولت بدايةً الصحافية الهنغارية وما فعلته، مع الإشارة إلى تعرض عدد كبير من اللاجئين للسرقة من الشرطة اليونانية في مقالٍ منفصل حول القضية.
في هذا الوقت، تشاغلت صحيفة «الإكسبرس» البريطانية بلعبة «لماذا تحتاج ألمانيا إلى قبول مزيد من اللاجئين»، في مقارنةٍ بين ما ستستضيفه بريطانيا (معدله 20000 لاجئ خلال العام الواحد) مقارنةً مع 800 ألف لاجئ سيصلون إلى ألمانيا خلال العام الجاري، وفق المقال، معللة الأمر بـ«الزيادة السكانية» المرتقبة في عدد سكان بريطانيا.
لكن، بعيداً عن لغة التعاطف المعتادة، وبعقلانيته وحدته المعروفة، تناول ماثيو باريس من «التايمز البريطانية» في مقالته أنه «يجب إيجاد حلول منطقية لأزمة اللاجئين بعيداً عن التسرع والخطوات غير المدروسة»، في إشارة إلى تأثير صورة الطفل الكردي، وسرعة قيام «دول أوروبا» بحلول قد يبدو بعضها «غير منطقي» بالنسبة إلى سكان أوروبا أنفسهم بعد حين.
هذا تقريباً ما أشارت إليه «التايمز» في مقال سلط الضوء على ما قاله النائب المحافظ آدم هولوي، الذي أشار إلى أنّ بعض هؤلاء المهاجرين هم «مهاجرون اقتصاديون»، وليسوا «خائفين» البتة، وإن كثيرين يدّعون أنهم «سوريون» كي يستطيعوا القدوم إلى أوروبا.
تناولت الأمر عينه صحيفة «بودابست تايمز» المجرية في مقالٍ عنونته بـ«اللعنة عليك إن فعلت، واللعنة عليك إن لم تفعل»، في إشارة إلى أنه في اللحظة التي أعلنت فيها ميركل موافقة الاتحاد الأوروبي على قبول اللاجئين السوريين، فإن عدداً كبيراً من لاجئين آخرين باتوا «يدّعون» أنهم سوريون، ولكن لا يمكن إثبات صدقهم من عداه، لأن كثيراً منهم أصلاً لا يحملون أوراقاً ثبوتية من أي نوع.
لكن، مع هذا، فإن كثيراً من الساسة الأوروبيين والألمان تحديداً، وفق هذا المقال، يريدون «معاقبة المجر» على سماحها لهؤلاء اللاجئين بعبور أراضيها نحو ألمانيا، لأن في ذلك مخالفة لاتفاقية «دبلن» الأوروبية للحدود.
من جانب آخر، تناولت «الاكسبرس» مخاوف الساسة الأوروبيين من «استقدام إرهابيين ومفجرين» محتملين من «داعش» وسواها إلى أوروبا تحت غطاء «اللاجئين».


روابط المقالات التي نقل عنها:
http://www.independent.co.uk/news/world/europe/refugee-crisis-how-europes-alarming-lack-of-unity-over-the-issue-could-bring-about-the-break-up-of-the-eu-10492151.html

http://www.theguardian.com/world/live/2015/sep/09/refugee-crisis-junker-unveils-eu-quota-plan-live-updates

http://elpais.com/elpais/inenglish.html

http://www.dw.com/en/eu-executive-to-unveil-new-plan-to-share-refugee-responsibility/a-18702456

http://elpais.com/elpais/2015/09/04/inenglish/1441357906_077075.html

http://www.express.co.uk/news/uk/603870/Migrant-crisis-graphs-Germany-needs-more-migrants-than-Britain

http://www.thetimes.co.uk/tto/opinion/columnists/article4548062.ece

http://www.dailymail.co.uk/home/index.html

http://www.express.co.uk/news/uk/603870/Migrant-crisis-graphs-Germany-needs-more-migrants-than-Britain

http://www.dw.com/en/munich-volunteers-concerned-over-german-governments-refugee-response/a-18702463