أكثر من سبع ساعات امضاها وزراء حكومة الرئيس تمام سلام في تفنيد ورقة عمل اعدتها لجنة من الخبراء بتكليف من سلام وبرئاسة وزير الزراعة اكرم شهيب. خلصت جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت اول من امس، الى صدور قرار حمل الرقم (1) تبنى فيه ورقة العمل التي حملت عنوان «اقتراحات حلول للإنتقال من الأزمة إلى إدارة مستدامة للنفايات» مع ادخال بعض التعديلات عليها ابرزها تاهيل مكب راس العين في صور.


الردود الاولية على الخطة تنقسم الى جزءين، رد فعل سلبي ومتوقع على ما يعرف بالمرحلة الانتقالية التي يفترض ان تستمر لغاية ١٨ شهراً وتقترح التخلص من نفايات بيروت وجبل لبنان المقدرة بحوالي ٣٠٠٠ طن يومياً على الشكل التالي:
- استحداث مطمر صحّي في منطقة المصنع الحدودية في البقاع، والبدء بإنشاء الخليّة الصحيّة الأولى لإستيعاب 1,600 طنّ يومياً لمدة أقصاها 6 أشهر، و1,100 طنّ يومياً في الفترة اللاحقة لحين انتهاء المرحلة الإنتقالية.
- تحويل المكبّ العشوائي في سرار – عكّار إلى مطمر صحّي لإستيعاب 1,600 طنّ يومياً لمدّة أقصاها 6 أشهر، و1,100 طن يومياً في الفترة اللاحقة لحين انتهاء المرحلة الإنتقالية.
- إعادة تأهيل مكبّ برج حمّود عبر إنشاء حاجز بحري وتحويل المكبّ إلى رقعة خضراء والإستفادة من الخليّة الصحيّة التي ستنتج على الجهة الجنوبيّة منه لإستيعاب 1,000 طنّ يومياً لمدّة سنة.


يتلازم نجاح المرحلة المستدامة مع نجاح المرحلة الانتقالية

- الموافقة على استخدام معمل المعالجة في صيدا لاستيعاب 250 طنّ يومياً طيلة الفترة الانتقالية.
- نقل النفايات المتراكمة في الطرقات والمقدرة بحوالي 80 الف طن إلى مطمر الناعمة – عين درافيل، خلال فترة سبعة ايام، واغلاق الخلية الاخيرة والبدء فوراً بأعمال التغليف والتتريب والتخضير.
في المقابل، رحبت مختلف الاطراف التي جرى التشاور معها بما تضمنته ورقة العمل من اقتراحات للانتقال من المرحلة المستدامة لادارة النفايات من خلال تبني مبدأ استراتيجي يقول بان ادارة النفايات المنزلية هي مسؤولية السلطات المحلية اي البلديات واتحادات البلديات باشراف الوزارات المعنية. وبناء عليه فان مسؤولية الكنس والجمع والنقل والفرز من المصدر هي للبلديات سواء مستقلة او عبر اتحادات البلديات، وان المعالجة النهائية هي مسؤولية المناطق الخدماتية التي تحدد بالاستناد الى كمية النفايات الناتجة عن هذه المنطقة الخدماتية والتي يفترض الا تقل عن 200 طن يومياً.
والاهم ان المستوى الفني لادارة النفايات كرس مجموعة من الاجراءات البيئية، ابرزها التخفيف من النفايات من خلال اقرار مراسيم على السلع التي تزيد من انتاجات النفايات وترفع نسبة سمّيتها، واعتماد الفرز من المصدر، لا كخيار ثانوي وشكلي بل كخيار مركزي مكرس في دفتر الشروط ويستتبع مجموعة من الاجراءات بدءاً باعمال الجمع وصولاً الى الفرز الاستكمالي في مراكز المعالجة واعتمادات خيارات معالجة بيئية وعلمية ترفع من نسبة استرداد النفايات بما لا يقل عن 75 بالمئة، ما يعني الانتقال على نحو تدريجي من سياسة طمر النفايات الى سياسة معالجة النفايات قائمة على التدوير واعادة الاستعمال واسترداد الطاقة. وهي مبادئ يجمع عليها جميع البيئيين الذين قدموا عشرات الاقتراحات والخطط والحلول على امتداد الاسابيع والاشهر الماضية.
البند الاصلاحي الاكثر جدية في المرحلة المستدامة المقترحة، نقل صلاحية اعتماد المنطقة الخدماتية من السلطة المركزية الى البلديات نفسها. وهو بند احتاج اقراره الى ساعات من النقاش داخل اجتماعات لجنة الخبراء، وفي جلسة مجلس الوزراء قبل ان يقتنع الجميع بجدواه، واعتباره معبراً الزامياً لنجاح البلديات بتولي ادارة الملف. والسؤال لماذا؟ يبدو واضحاً ان مؤشر «NIMBY» اي Not In My Back Yard ارتفع في لبنان الى درجة غير مسبوقة بنسبة ١٠٠ ٪ ، وهو مؤشر يعتمد لقياس القدرة على نجاح ادارة النفايات في اي منطقة خدماتية. الجميع يرفض ان يكون هناك مطمر او مركز معالجة في منطقته، حتى لو كان هذا الاجراء مدخلاً لتاهيل مكبات عشوائية تلحق اضراراً فادحة في البيئة. هذه الظاهرة الموجودة عالمياً ارتفعت في لبنان بسبب استمرار مطمر الناعمة – عين درافيل في خدمة ٢٩٦ قرية ومدينة لبنانية طيلة ١٨ عاماً، وبذلك بات من المفهوم رد الفعل الذي يقول لن نقبل مطمرا او مركز معالجة في منطقتنا. لذلك رأت ورقة العمل التي قدمها الخبراء ان التشاور حول المنطقة الخدماتية داخل المجالس البلدية نفسها سيدفعها حكماً الى التوصل لحل يضمن ادارتها للنفايات المنزلية الصلبة الناتجة عنها بطريقة تسمح بتراجع مؤشر «NIMBY» الى مستويات ادنى من تلك المسجلة حالياً ، لانه لن يكون امام صناع القرار داخل المنطقة الخدماتية، اي البلديات، الا خيار الاتفاق على انشاء مركز معالجة للنفايات في مكان ما، يتفق عليه فيما بينهم ويضمن حجمه وقدرته الاستيعابية وكلفته، اضافة الى السعي لضمان الوصول الى طمر اقل كمية ممكنة من النفايات في نهاية المطاف، اولاً لتخفيف الكلفة وثانياً لضمان قبول السكان المحليين، علماً انه في جميع الاحوال فان عدم اقرار حوافز للسكان الذين سيقع عليهم خيار استقبال مراكز المعالجة او المطامر، سيدفعهم الى المزيد من السلبية وبالتالي بقاء «نفاياتهم» مكدسة في الطرقات.
يتلازم نجاح المرحلة المستدامة المقترحة، مع نجاح المرحلة الانتقالية بما تضمنته من مواقع مقترحة. وفيما انجز ما نسبته ٤٠ بالمئة من الاجراءات التشاورية مع بلديات نواب محافظة عكار لقبول اقتراح اعتماد موقع سرار، الذي ترافق مع اقرار ١٠٠ مليون دولار لتنفيذ مشاريع انمائية في المنطقة، فان المشوار التشاوري نفسه يفترض ان يبدأ مع بلديات ونواب منطقة البقاع، وهو ما تعهدت جميع القوى السياسية في مجلس الوزراء القيام به، ومؤشرات نجاحه او فشله ستظهر في الايام المقبل. اما اقتراح الاستفادة من مطمر ثالث في موقع برج حمود، بالتزامن مع اعمال اعادة تاهيله، فلا تزال المشاورات حوله تراوح بين السلبية والايجابية، علماً ان هذا الاقتراح، الذي ربط باقرار تمويل اعادة تاهيل المكب، والمقدرة بحوالي ٧٠ مليون دولار من اموال الخزينة، سوف يكون الفرصة الاخيرة للتخلص من جبل النفايات في هذه المنطقة، وسيكون رفضه بمثابة «انتحار سياسي»، وخصوصاً من قبل النواب والوزراء الارمن، الذين لم يحسموا موقفهم بعد. علماً ان القوى السياسية المسيحية داخل الحكومة وخارجها وافقت على المساهمة في انجاح هذا الاقتراح بشرط ربطه بمشروع «لينور» لطمر اجزاء واسعة من الساحل المتني من برج حمود الى الضبية، وهو مشروع طرح قبل سنوات، ولا يزال الخلاف حول تنفيذه واسعاً جداً بين البلديات نفسها، وبين القوى السياسية المتخاصمة والمتحالفة على حد سواء.
ماذا اذا فشلت جميع خيارات المرحلة الانتقالية؟ سؤال طرح بقوة داخل اجتماعات لجنة الخبراء، وتقرر ان يجري ابقاء ثلاثة خيارات بديلة تركت في عهدة الوزير شهيب لطرحها في الوقت المناسب، وهي خيارات اكثر كلفة وتواجه بدورها عقبات تقنية، لكن الحكومة ستكون مرغمة على السير بها قبل بداية تساقط الامطار، التي ستفضح بشكل غير مسبوق حجم الكارثة البيئية التي مني بها لبنان، منذ ١٧ تموز الماضي الى اليوم.
تبقى الاشارة الى ان الاجراءات المتعلقة بادارة المرحلة الانتقالية نجحت للمرة الاولى بالغاء عقدي المعالجة والطمر الموقعين مع مجموعة افيردا (سوكلين وسوكومي) وهو اجراء إذا جرى تثبيته فسيكون اول مسمار في نعش احتكار ملف ادارة النفايات من قبل القطاع الخاص. في المقابل، وفي حال اصرار الجمعيات البيئية على رفض المرحلة الانتقالية، بذريعة التماهي مع اعتراضات السكان المحليين والتمسك بحلول بيئية سيكون تنفيذها مستحيلاً في المرحلة الانتقالية، فان ذلك سيعيد بقوة طرح خيارات اكثر كلفة واكثر ضرراً على المستوى الطويل، وابرزها تمسك جميع القوى السياسية بخيار انشاء المحارق، ولقد نجحت لجنة الخبراء حتى اللحظة في مواجهته ومنع السير به.
*عضو لجنة الخبراء