ترجمة وتقديم: مازن معروف

عندما اضطر كيرت فونيغوت (1922 ــ 2007) للانضمام إلى صفوف المشاة خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن يعلم أنها ستكون التجربة التي ستصوغ مسوّدة روحه الناقمة، فتسم خياراته الأدبية وتصنع كتابه الأكثر شهرة في ما بعد. لم يكن عندما دخل الحرب، قد تجاوز الثالثة والعشرين من عمره، ولم يكن ينقصه من مآس شخصية وعائلية سوى أن يلقي الألمان القبض عليه، ليساق بعدها إلى درسدن، ويسجن في مسلخ ومستودع للحوم على عمق عشرين متراً تحت الأرض.

الأمر الذي سيكون ــ للمفارقة ــ سبباً في نجاته من موت محتوم. ذلك أن القوات الأميركية والبريطانية ستنفذ بُعيد ذلك واحدة من أبرز المذابح المنسية في تاريخ الحرب العالمية الثانية، فتُغير بنحو متواصل على المدينة بكتل هائلة من القذائف الحارقة وغيرها، لتحوّل كل شيء إلى سعير سيودي بحياة ستين ألف مدني. غير أن هذا لن يوفر لفونيغوت الحرية، إذ سيبقى مُحتجزاً كأسير حرب، ليجبره الألمان على أن يجمع بقايا من قضوا في المذبحة وأن يُكلَّف إحراقها. الجثث والبقايا البشرية التي سيعاينها سيكون لها حضور بشكل أو بآخر في كل أعماله الأدبية، إلا أنها ستكون أكثر بروزاً في روايته الأشهر بين كل أعماله: «مسلخ رقم خمسة». لم يتصور فونيغوت أنه انطلاقاً من دائرة تجاربه القاسية مع أبويه، والحرب لاحقاً، ومن ثم عائلته ومجتمعه الصغير، سينهل من تلك الخصوصية في معالجة الواقع سردياً ومجازياً. أسلوب في الكتابة، استعاري، ورشيق، سيشكل ما يمكن تسميته «كتابة المستقبل». يوظف فيه فونيغوت مخيلته، وحدسه الناقم، ليصوغ الإنسانية بلون أسود وبنبرة متهكمة أيضاً. فيجد لنفسه، بسبب عوالمه الأدبية المبتكرة، مربعاً خاصاً به على طاولة الشطرنج الكتابية، ليطل على أسماء بعيدة عنه في اللغة والأسلوب وحتى الموقف الإنساني، كهيمنغواي وفولكنر وسالينجر في الرواية وعصبة الـ beat شعراً. طلاب المدارس والأكاديميات هم أول من سيتعرف إلى كتبه وأعماله، وسيصبح النجم الأدبي الأقرب إليهم. ففونيغوت الذي خسر والدُه المعماري ثروته الهائلة خلال أزمة وول ستريت عام 1929 وفقد كل رغبة في الحياة، وانتحرتْ أمه لاحقاً بجرعة زائدة من المخدرات، وتوفيت أخته شابة بمرض عضال لتترك له أمر إعالة أولادها، هو كاتب مكتظ بالتراجيديات. أما على الصعيد العام، فالولايات المتحدة في الستينيات مهدّدة إلى العمق، الشيوعية تنذر بالتمدد في جلدها، محمولة بجناحي كوبا والسوفيات، ثم هناك العدو الذي يجدر محاربته في فيتنام، وقبلها الكوريتان، أما أطباق المخلوقات الفضائية فتعوم في سمائها، ورئيسها الأكثر جاذبية اغتيل تواً. إنها بلاد يسيل القلق كالماء من تحتها وفوقها. وليس هناك فعلياً من يفرغ هذا القلق من ثقله وجديته إلا بالسخرية المرمزة والمكتنزة بالسخط.
بعد نشره عدداً من القصص القصيرة، ومع النكسة التي تعرضت لها القصة الأميركية في الخمسينيات، عدَّل بوصلته نحو الكتابة الروائية فنشر عدداً من الروايات التي كرست أسلوبه وصوته الساخر. اهتمامه بالخيال العلمي كان إحدى ركائز هذه الكتب. وفي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم سينشط فونيغوت كمدافع بارز عن حقوق الإنسان، وداعٍ قوي لنزع الأسلحة النووية والمحافظة على المحيط الحيوي لكوكب الأرض. سيكون أيضاً أحد الأصوات المستنكرة لتسلح الولايات المتحدة الأميركية وخوضها كل تلك الحروب الهمجية بعد هجمات 11 أيلول. في روايته الأخيرة «هزة زمنية» وكتابه «رجل بلا وطن» الذي هو سلسلة مقالات، يعتبر فونيغوت أنه مدين باعتذار للأجيال القادمة. يقول بنبرة خافتة: «كان بإمكاننا نحن الجيل الأكبر سناً أن ننقذ العالم، غير أننا كنا مجرد كسالى، علينا اللعنة».
في ما يأتي ترجمة لمختارات من رواية كيرت فونيغوت الأشهر «مسلخ رقم خمسة»، التي كتبها بصيغة فصول قصيرة. تجدر الإشارة إلى أن الرواية تتحدث عن جندي هو بيلي بيلغرام، ومغامراته بالسفر عبر الزمن. الرواية تجري أحداثها أثناء الحرب العالمية الثانية. أما «ترالفَمَدور» فهو كوكب من بنات خيال فونيغوت. وفي نظامه، هو أكثر رقياً في سلّم الكواكب، من كوكب الأرض.

-1-


سافر بيلي في الوقت المحدد إلى حديقة الحيوان على كوكب ترالفَمَدور. كان في الرابعة والأربعين من عمره. وجرى عرضُه تحت قبة جيوديسية*. كان يستريح في الردهة على كرسي كان مهده طوال الرحلة الفضائية. كان بيلي عارياً تماماً. سكان ترالفَمَدور أبدوا اهتماماً بتشكيل جسمه، كل جسمه. الآلاف منهم احتشدوا في الخارج، شابكين أيديهم ببعضها، بحيث إن عيونهم تصبح قادرة على رؤيته. كان قد مضى على وجود بيلي على كوكب ترالفَمَدور ستة أشهر دنيوية، وبات الآن معتاداً رؤية الحشود.
الفرار كان مسألة غير واردة إطلاقاً. ذلك أن مناخ قبة الكوكب كان من السيانايد. أما الأرض فكانت تبعد عنه مسافة 446,120,000,000,000,000 ميلاً.

-2-


في حديقة الحيوان، عُرِضَ بيلي في مسكن عُدّل ليكون مماثلاً للظروف الأرضية. القسط الأكبر من قطع الأثاث كان مسروقاً من مستودع سيرز روباك في مدينة آيوا. تضمن ذلك جهاز تلفزيون ملون وكنبة يمكن فردها لتصير سريراً. كان هناك أيضاً طربيزات ومصابيح ومنافض وضعت فوق كل منها بالقرب من الكنبة. كان هناك بار منزلي وكرسيان، إضافة إلى طاولة بلياردو صغيرة. أما الأرضية ففرشت من الجدار إلى الجدار بسجادة منشاة بذهب مصدَّق عليه رسمياً، غير أن ذلك لم يشمل المطبخ والحمام وغطاء البالوعة في منتصف الأرضية. كان هناك مجلات مرتبة على شكل مروحة فوق طاولة القهوة مقابل الكنبة.
كان هناك فونوغراف بمزايا استريوفونية. الفونوغراف اشتغل. أما التلفزيون فلا. كانت هناك صورة لكاوبوي يقتل رجلاً كاوبوي آخر ملصقة على شاشة التلفزيون. والعهدة على الراوي.
لم يكن ثمة حوائط في القبة. أي أن لا مكان لبيلي كي يتمكن من الاختباء. أما الحمامات التي اكتستْ بلون النعناع الأخضر فكانت إنشاءاتها في الخلاء. نهض بيلي عن كرسي الصالون الفخمة التي له الآن، اتجه إلى الحمامات كي يسترق نظرة. فاستعرت الحشود.

-3-


على متن كوكب ترالفَمَدور فرك بيلي أسنانه. أقحم في فمه معجون الأسنان وسلك نحو المطبخ. الفرن الذي يعمل بالغاز كما البراد وغسالة الصحون كانت كلها بلون النعناع الأخضر. كانت هناك صورة مرسومة على باب البراد. هكذا كان البراد عندما أحضروه. صورة لرجلين مثليين من التسعينيات على متن دراجة هوائية صممت لشخصين.
بيلي نظر إلى الصورة محاولاً أن يفكر بشيء ما متعلق بهذا الزوج. لا شيء خطر بباله. لم يكن هناك ما يمكن أن يفكر فيه حول هذين الشخصين.

-4-


تناول بيلي فطور الصباح من معلبات. غسل فنجانه وصحنه وشوكته وملعقته والمقلاة، ثم وضعها جانباً. بعد ذلك مارس تمارين تعلمها في المعسكر ــ القفز المتوسط، انثناءات الفخذين كاملة، الاستقامات، تمارين الرفع بالساعدين. الترالفَمَدوريون، معظمهم، لم يكونوا مدركين أن وجه بيلي وجسده ليسا بذلك الجمال. اعتبروه عيّنة بشرية بديعة. وهو ما ترك أثراً طيباً في بيلي، الذي بدأ، لأول مرة، يستمتع بجسمه.
استحم بعد التمارين ثم قص أظفار رجليه. حلق ذقنه ورش عطراً تحت إبطيه، فيما راح مرشد حديقة الحيوان من على منصة يشرح ما يقوم به بيلي ــ ولم. المرشد كان يحاضر بشكل تخاطري، كان يقف ببساطة، مرسلاً موجات فكرية إلى الحشود. وإلى جانبه على المنصة كانت هناك لوحة مفاتيح صغيرة عبرها كان يوصل الأسئلة من الجمهور إلى بيلي.
السؤال الأول خرج الآن من مكبر الصوت الذي فوق جهاز التلفزيون قائلاً: «هل أنت سعيد هنا؟»
«بقدر ما كنت سعيداً على كوكب الأرض»، قال بيلي بيلغرام، الأمر الذي كان صحيحاً.

-5-


كان هناك خمسة أجناس** على كوكب ترالفَمَدور، كل منهم كان منوطاً بالقيام بمهمة ما في سياق ولادة كائن جديد. بالنسبة إلى بيلي، كانوا جميعاً متشابهين، ذلك أن الاختلافات بين الاجناس كانت جميعها تقع في البُعد الهندسي الرابع.
واحدة من القنابل الأخلاقية المذهلة التي أودعها الترالفَمَدوريين بين يديَّ بيلي، كانت لها علاقة بصورة عرضية، بالأجناس على الأرض. فقد قالوا لبيلي إن طاقم الأطباق الطائرة عندهم رصد ليس أقل من سبعة أجناس على الأرض، وكلها كان أساسياً للتكاثر. مجدداً: الأرجح أن بيلي عجز عن تصوّر الدور الذي لعبته تلك الأصناف الخمسة من السبعة من أجل إنجاب طفل، بما أن هؤلاء كانوا ناشطين جنسياً في البعد الهندسي الرابع.
الترالفَمَدوريون حاولوا إعطاء بيلي مؤشرات تساعده على تخيُّل الجنس في ذلك البعد غير المرئي. قالوا له لا يمكن أن يكون هناك أطفال دنيويون دون وجود لرجال مثليي الجنس. لكن، يمكن أن يكون هناك أطفال أرضيون بدون وجود لنساء مثليات جنسياً. ولا يمكن أن يكون هناك أطفال دون وجود لنساء أعمارهن فوق الخامسة والستين. ويمكن أن يكون هناك أطفال دون وجود لرجال فوق الخامسة والستين. ولا يمكن أن يكون هناك أطفال بدون وجود لأولئك الأطفال الذين لم يعيشوا سوى ساعة أو أقل بعيد ولادتهم. وهكذا.
كان كل ذلك مجرد رطانة بالنسبة إلى بيلي.


-6-


توقع بيلي أن يكون الترالفَمَدوريون حائرين وفزعين بسبب الحروب وكل أشكال القتل الأخرى على كوكب الأرض. توقع أن يكونوا خائفين من أن ذلك المزيج الدنيوي بين البربرية والاستعراضات المسلحة يمكنه في نهاية الأمر أن يلحق الدمار جزئياً بالكون البريء أو حتى كلياً. الخيال العلمي هو ما دفعه إلى أن يتوقع ذلك.
غير أن سيرة الحرب لم تفتح إلا عندما تطرق لها بيلي بنفسه. شخص من بين الحشود في حديقة الحيوان سأله عبر المحاضر عن الشيء الأكثر قيمة الذي تعلمه بيلي على كوكب ترالفَمَدور حتى تلك اللحظة، وأجاب بيلي: «كيف أن سكان كوكب بأسره يمكن أن يتعايشوا بسلام! فكما تعلم، أنا آتٍ من كوكب انغمس منذ بدء الخليقة في مذابح عقيمة لا معنى لها. لقد رأيت بنفسي أجساد فتيات مدرسة تسلق حية في برج مائي وقد فعل ذلك أشخاص من بلادي ممن اعتبروا أنفسهم فخورين بمحاربة الشر المطلق في ذلك الوقت». كان ذلك صحيحاً. فبيلي شاهد الأجساد المسلوقة بالماء المغلي في درسدن. «وكان عليّ أن أضيء زنزانتي في السجن باستخدام شمع صنع من شحوم بشرية لأشخاص قضوا على يد آباء وأشقاء لتلك الفتيات اللواتي سُلقن. الممارسات الدنيوية لا شك أنها الرعب بحد ذاته بالنسبة إلى الكون. إن لم تكن الكواكب الأخرى في خطر من الأرض الآن، فستصبح على هذا المنوال عاجلاً. أطلِعني إذن على السر، فأنقله إلى الأرض وننجو جميعاً: كيف يمكن كوكباً بأسره أن يعيش بسلام؟».
شعر بيلي بأنه حلّق في كلامه. لكنه دُهِش وهو يرى الترالفَمَدوريين يغلقون أيديهم أمام أعينهم. وأدرك بحكم التجربة ما الذي عناه ذلك: لقد تصرف بغباء.

-7-


«هل ــ هل تسمح بأن تخبرني ــ أين مكمن الغباء في ذلك؟»، قال للمرشد، شاعراً بأنه خاوٍ.
«نحن جميعاً نعلم كيف سينتهي الكون»، قال المرشد «وليس للأرض أي دخل في المسألة عدا أنها ستُمسح عن الوجود هي أيضاً».
«وكيف ــ كيف ينتهي الكون؟»، قال بيلي.
«إننا نفجره، كلما جربنا صنفاً جديداً من الوقود لأطباقنا الطائرة. ما إن يضغط الترالفَمَدوري قبطان طبق الاختبار، زرَ التشغيل، حتى يتلاشى كل أثر للكون». والعهدة على الراوي.

* القبة الجيوديسية هيكل قشري خفيف ذو شكل كروي أو شبه كروي مبني بشبكة من الدوائر العظمى على سطح كرة.
** من جنس (ذكر، أنثى..)