من المستحيل الجزم بالجهة التي كان أحمد مرعي يعمل لحسابها. من الاستخبارات الأميركية إلى نظيرتها الدنماركية فالبريطانية، قبل السورية وتنظيم القاعدة وفتح الإسلام. ومستنداً إلى هذه الخلفية، صار أحمد مرعي شاهداً في جريمة اغتيال الحريري. وما لم يدقق المحققون فيه إلى النهاية هو تحركاته يوم اغتيال الحريري، قبل الجريمة وبعدها


حسن عليق
ما نشرته «الأخبار» أمس عن ملابسات اعتراف فيصل أكبر باغتيال الرئيس رفيق الحريري ثم تراجعه، ليس سوى عيّنة من الأداء الأمني الذي حكم عمل أجهزة التحقيق اللبنانية والدولية في واحدة من أخطر القضايا الأمنية التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية. ذلك الأداء مثّل الحاضنة التحقيقية للاتهام السياسي الذي رُفع يوم اغتيال الحريري، ثم وُجد له سند في إفادات شهود جاؤوا، أو جيء بهم، لإثبات التهمة المسبقة

، التي أسهمت جهات سياسية وإعلامية وأمنية وقضائية في تحويلها إلى ما يشبه الحقيقة التي تنتظر بعض الأدلة لإثباتها.
بعض هؤلاء الشهود سرعان ما ظهر إلى العلن، قبل أن يسلّم الرئيس الثاني للجنة التحقيق الدولية، سيرج براميرتس، القضاءَ اللبناني رأيه فيهم، يوم 8/12/2006. أضف إلى ذلك أن جهازاً أمنياً أوروبياً سلّم السلطات اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية «دراسة صدقية» لهؤلاء الشهود، بيّنت أن أعلى معدل للصدقية حصل عليه أحدهم لم يتجاوز نسبة 2 من 10.
أسماء عدد من هؤلاء باتت معروفة. من زهير الصديق إلى هسام هسام وعبد الباسط بني عودة وإبراهيم جرجورة وأكرم شكيب مراد. ورغم ثبوت عدم أهلية هؤلاء لتقديم شهادات يعتد بها، حظي معظمهم بما يشبه الحصانة التي تمنع مساءلتهم وكشف من يقف خلفهم. إلا أن سلسلة الشهود لم تقف عند هذا الحد. فبعد انكشاف من سبق ذكرهم، ظهر عدد من الشهود الجدد، كشف أمر أبرزهم، أحمد مرعي، الذي تورد «الأخبار» قصته اليوم.
كما في تلك الروايات التي يصعب فيها فصل التأريخ عن الخيال، كذلك هي قصة أحمد مرعي. هو موقوف في لبنان منذ 29 أيار 2007 بتهمة الانتماء إلى تنظيم «فتح الإسلام»، قبل أن يبرز اسمه في العام التالي واحداً من «الشهود» في التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ابن منطقة وادي خالد اللبنانية في أقاصي الشمال الفقير، اعتقل للمرة الأولى ولم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره. لكنه من الأهمية بمكان إلى حد أن قرار توقيفه صدر بعد اجتماع ضمّ اثنين من أرفع الضباط الأمنيين اللبنانيين إلى مسؤول استخباري أميركي وآخر دنماركي، بمواكبة من ضابط استخبارات بريطاني.
حَصْرُ تهمة مرعي بالانتماء إلى «فتح الإسلام» فيه شيء من الظلم. فعلاقاته أوسع من أن تحصر في محضر تحقيق. من الاستخبارات الأميركية إلى السورية وبعض الأجهزة اللبنانية، وصولاً إلى الاستخبارات الدنماركية. وبين هذه وتلك، صلات وثيقة برجال أقوياء في تنظيم القاعدة. ومن أبرز ما يخطف اهتمام من يدقق في رواية مرعي، هو حركته يوم 14 شباط 2005، قبل اغتيال الحريري وبعده.
المعلومات التي أدلى بها في العدد الكبير من المحاضر التي نظّمت معه لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية، تبدأ من أعمال التهريب على الحدود اللبنانية السورية وسرقة السيارات، ولا تنتهي عند التواصل مع مقربين من القيادي السابق في القاعدة أبو مصعب الزرقاوي وآخرين على صلة بخلية هامبورغ المتهمة بتنفيذ عمليات 11 أيلول.
له «في كل عرس قرص». ولا مبالغة في القول إن التدقيق في إفاداته التي أدلى بها لدى فرع المعلومات بحاجة إلى تخصيصه بجهاز أمني يحصر عمله في هذه المهمة. وما يصعّب فصل غثّ أقواله عن سمينها، هو تعرضه للتعذيب خلال التحقيق معه (بحسب ما يؤكد أمنيون وقضاة لبنانيون كانوا على صلة بالتحقيق، مع العلم بأن معنيين بالقضية يؤكدون أنه تعرض لضرب مبرّح لا يرقى إلى مستوى التعذيب!).
تبدأ رواية أحمد مرعي من عام 2002، عندما بدأ يعمل لحساب جهاز استخبارات أميركي، من خلال السفارة الأميركية في بيروت. يقول إنه كان يزوّد الأميركيين معلومات تفصيلية عن نشاطات الإسلاميين والسلفيين والجهاديين في لبنان، وخاصة في الشمال. وقد افتتح، بأموال مشغليه الأميركيين، محلاً لبيع أجهزة الكمبيوتر وصيانتها، ليكون المحل واجهة تجارية لعمله الاستخباري.
ويؤكد أن الأميركيين حافظوا على صلتهم به مخبراً مدفوع الأجر حتى يوم 7 تموز 2005 (قال إنه يذكر التاريخ لأنه يصادف عيد ميلاد ابنته). وأبرز ما زوّد الأميركيين به، هو معلومات عن شاب «برازيلي ـــــ ألماني من أصل لبناني يدعى سامر م.، يعمل في تجارة السيارات بين ألمانيا ولبنان والبرازيل». وقال مرعي للأميركيين إن سامر ناشط في تنظيم القاعدة، وإنه «كان على معرفة بمحمد عطا (المتهم بأنه الرأس التنفيذي لهجمات 11 أيلول)». ونقل مرعي عن سامر قوله إن «خالد المصري هو من وفّر منازل في هامبورغ لرمزي بن الشيبة (أوقف في باكستان في أيلول 2002، واتُّهِم بأنه صلة الوصل بين أسامة بن لادن ومجموعة 11 أيلول) بالاشتراك مع محمد عطا». (يذكر أن الاستخبارات الأميركية اختطفت في كانون الأول 2003 من مقدونيا مواطناً ألمانياً من أصل لبناني، يدعى خالد المصري، ونقلته إلى سجن سري في أفغانستان، قبل أن تعيد إطلاقه بعد نحو خمسة أشهر لعدم ثبوت أي صلات له بالمنظمات «الإرهابية». وتردد أن غيرهارد ليمان، مساعد ديتليف ميليس في لجنة التحقيق الدولية، كان بين المحققين الذين استجوبوه في أفغانستان، وهو ما نفاه ليمان).

مرعي الدنماركي

من إفادة أحمد مرعي، يبدو أنه كان يعطي كل جهاز أمني ما يهوى سماعه. ففي نيسان 2006، سافر إلى روسيا، وانتقل منها إلى أرمينيا. ومن هناك، تواصل عبر الإنترنت مع الاستخبارات الدنماركية عارضاً خدماته لتزويدها بمعلومات عن المنظمات الأصولية التي تريد مهاجمة المصالح الدنماركية، انتقاماً منها لنشر الرسوم المسيئة إلى الرسول.


تعامل مع استخبارات أميركا وبريطانيا والدنمارك والأمن اللبناني والقاعدة

روى كيفية اغتيال بيار الجميّل، ثم تحوّل شاهداً ضد الضباط الأربعة

مباشرة، استجابت الاستخبارات الدنماركية للعرض، وطلبت من مرعي الانتقال إلى دبي. وهناك، سهّلت له أمر الدخول ليلتقي ضابطاً دنماركياً. كانت ذاكرة الدنماركيين مثقلة بصور الهجوم الذي تعرّضت له قنصليتهم في بيروت في شباط 2006. طلبوا معلومات عن إسلاميي لبنان، وبالتحديد في الشمال. لم يبخل عليهم مرعي، فأعطاهم معلومات تفصيلية، ونفّذ لهم خدمات جعلتهم يطالبون لاحقاً الأجهزة الأمنية اللبنانية بإطلاق سراحه، بحسب ما يؤكد مسؤولون أمنيون لبنانيون.
وبين من زوّد مرعي الدنماركيين بمعلومات عنهم، معظم الأسماء الرنانة، بدءاً من داعي الإسلام الشهال وكنعان ناجي وزكريا المصري، وصولاً إلى الشيخ رائد حليحل في الدنمارك، ومعظم البارزين من الذين أوقفتهم السلطات اللبنانية أو لاحقتهم ابتداءً من عام 2006، كالشيخ نبيل رحيم. وفي الأردن، تقرّب مرعي من ناشط مقرّب من أبي مصعب الزرقاوي، قبل أن يزوّد الدنماركيين، بحسب إفادته، معلومات عن أشخاص كانوا من الصف الأول في المقاومة العراقية، كأحد أعضاء مجلس شورى المجاهدين الذي تعرّف إليه في سوريا.

من الدنماركيين إلى فتح الإسلام

اعترف مرعي خلال التحقيق معه بأنه بايع أمير «فتح الإسلام» شاكر العبسي بداية عام 2007، بحضور عدد كبير من قادة التنظيم. وعقب المبايعة، تركز عمله على تهريب عدد كبير من الذين التحقوا بتنظيم العبسي، وبينهم أبرز اثنين من رجال القاعدة الذين اتصلوا بفتح الإسلام، السعودي عبد الرحمن بن عبد العزيز اليحيى (طلحة السعودي، الذي ورد في إفادة الموقوف محمد صالح الزواوي أنه رسول أيمن الظواهري إلى شاكر العبسي، وأنه دفع مبلغاً من المال للأخير وأنفق مبلغاً آخر على غير مجموعة مرتبطة بالقاعدة في لبنان) والأردني أبو الأفغان (لقبه أيضاً أبو عبد الرحمن الأفغاني). الأول، يصفه مرعي بأنه من المجاهدين الذين انتقلوا إلى أفغانستان منذ صغره، وأنه ممن بايعوا الشيخ أسامة بن لادن من دون وسيط. وبحسب مرعي، فإن طلحة هو المسؤول الأول عن جمع التبرعات في السعودية لمصلحة فتح الإسلام والقاعدة، وكان يرسل الأموال إلى أوروبا واليمن وإيران وتونس والجزائر. وقد نقله مرعي إلى سوريا في نيسان 2007، بعدما أوقف الجيش اللبناني شاباً يعرف مكان وجود السعودي. أما أبو الأفغان، فكان أميراً للقاعدة في محافظة الأنبار العراقية، قبل إصابته بجروح بالغة في معركة مع قوات الاحتلال الأميركي. وهو الذي وضع خطة لتنفيذ 30 عملية استشهادية، على حدّ قول مرعي، داخل الأراضي اللبنانية بهدف «إقامة إمارة إسلامية في الشمال، بالاشتراك بين فتح الإسلام والقاعدة وجماعة الشيخ نبيل رحيم». كذلك اقترح أبو الأفغان على بعض قيادات فتح الإسلام استقدام «قناص ماهر» من العراق، لقتل عدد من المعتصمين في وسط بيروت، بهدف خلق فتنة سُنّية ـــــ شيعية.
ومن الشقة التي استأجرها أحمد مرعي في شارع المئتين في طرابلس، اندلعت شرارة المعارك بين الجيش وفتح الإسلام في مخيم نهر البارد ليل 19ـــــ20 أيار 2007. وقبل 5 أسابيع على ذلك، أراد الجيش اللبناني دهم الشقة بحثاً عن أحمد مرعي الذي كان يستخدم أكثر من اسم مستعار: طوني، عباس خليل، رامي الحسن، علي ديوب، عياش والطويل. كان أبو الأفغان موجوداً في الشقة. لكن أحمد مرعي، بحسب إفادته، اتصل بمشغله الدنماركي طالباً التوسط لدى المؤسسة العسكرية لوقف عملية الدهم. يضيف مرعي أن الدنماركيين اتصلوا بمسؤول أمني لبناني كبير، ووعدوه بأن يصبح مرعي عين الأجهزة اللبنانية داخل تنظيم «فتح الإسلام». وبناءً على ذلك، فُكَّ الطوق الأمني عن الشقة التي عادت لتشهد موت مجموعة بدأت معها معارك نهر البارد. أما أبو الأفغان، فغادر لبنان «الذي لا يشبه بلاد الرافدينوفيما يؤكد مرعي أنه كان يفضّل القاعدة على الدنماركيين، فإنه يقرّ في مكان آخر من إفادته بأنه زوّد مشغّله الدنماركي صورتين شمسيتين لكل من طلحة وأبو الأفغان. إضافة إلى ذلك، كان مرعي قد أسهم في نقل كمية كبيرة من المتفجرات الشديدة العصف من سوريا إلى لبنان، قبل أن يبلغ الدنماركيين بمكان وجودها.
الاتصالات الأمنيّة لمرعي نشطت يوم اندلاع معارك نهر البارد. فحينذاك، أجرى سلسلة من الاتصالات بالدنماركيين، وبالعميد في الاستخبارات السورية جودت الحسن. ولعلاقة مرعي بالعميد جودت الحسن قصة طويلة. يقول أحد الأمنيين إن مرعي زار العميد الحسن خلال حرب تموز 2006، معرّفاً نفسه باسم عباس خليل، وبأنه رجل أعمال من جنوب لبنان. استقبله الحسن، قبل أن تتوطد العلاقة بين مرعي وابنة الحسن، مبدياً رغبته في الزواج بها. وعندما اندلعت الاشتباكات بين الجيش اللبناني وفتح الإسلام، كان مرعي داخل الأراضي السورية. وقد حاولت الاستخبارات السورية استدراجه عبر جودت الحسن، إلا أنه تمكّن من الفرار بعدما استشعر الخطر، بحسب ما يقول في إفادته. لم يقتصر تواصله على مشغّله الدنماركي والعميد السوري، إذ عرضت قناة الجديد قبل أكثر من عام تسجيلات لعدد من المكالمات الهاتفية التي جرت بين مرعي والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، خلال الساعات الأولى لعملية الدهم في شارع المئتين. وكان مرعي يطلب من ريفي تخفيف الطوق عن مجموعة «فتح الإسلام» المحاصرة في شارع المئتين، إلا أن ريفي لم يستجب.
لكنّ دور أحمد مرعي لم ينته عند هذا الحد. ففي الأيام الأولى لمعارك نهر البارد، اتصل بضباط من الاستخبارات الأميركية والدنماركية والبريطانية (وهذا ما يؤكد مسؤولون أمنيون لبنانيون صحته). وقد زوّده الأميركي والدنماركي بطاقات هاتف خلوي من أجل تسليمها إلى أمير فتح الإسلام في مخيم عين الحلوة، عبد الرحمن عوض، بهدف التنصّت على الأخير. وحاول هؤلاء الضباط استغلال مرعي لتمكين القوى الأمنية اللبنانية من القبض على المجموعة التابعة لعوض، التي تتهم بأنها نفذت تفجيرات في الأشرفية وفردان وعاليه. وقد استأجر الدنماركيون له غرفة في فندق بارك تاور في الأشرفيةوفي اجتماع ضمّ ضباطاً لبنانيين ودنماركيين وأميركيين وبريطانيين، كان الضباط الأجانب ينصحون بترك أحمد مرعي طليقاً، لاستثمار معلوماته في المعركة ضد فتح الإسلام. لكنّ الجانب اللبناني أصرّ على توقيفه. وبعدما كانت مجموعة أمنية لبنانية قد رصدت اتصالاته في الفندق المذكور، حدد لهم الضابط الدنماركي رقم الغرفة التي ينزل فيها مرعي (307)، فأوقفته دورية من فرع المعلومات بمؤازرة دورية من فرع المكافحة في استخبارات الجيش اللبناني.
وبعد توقيفه، أدلى مرعي بإفادة عن عملية اغتيال الوزير بيار الجميل، قال فيها إن مجموعة مؤلفة من ناشطين انضموا لاحقاً إلى تنظيم «فتح الإسلام» نفذوا عملية الاغتيال. روى مرعي تفاصيل دقيقة، أوحت لعدد من الأمنيين المشرفين على التحقيق بأنه كانأحد المشاركين في العملية. لكن اللافت في رواية مرعي أنها منقولة عن أبو ريتاج، الذي قتل في معارك نهر البارد. وجميع الذين قال مرعي إن أبو ريتاج أخبره بتفاصيل مشاركتهم في اغتيال الجميّل، قتلوا في المعارك أيضاً، وخاصة في اشتباكات اليوم الأول. ويقول مسؤولون أمنيون لبنانيون إن أي دليل حسي لم يؤكد رواية مرعي، رغم وجود بعض الأدلة الظرفية التي توجب التوقف عندها (قوله إن واحدة من سيارتَي مجموعة الاغتيال اصطدمت بسيارة في منطقة الحازمية بعد أقل من نصف ساعة على حصول الجريمة، وهو ما تطابق مع محضر لقوى الأمن الداخلي كان قد ادّعى فيه أحد المواطنين أن سيارة رباعية الدفع صدمت سيارته في المنطقة ذاتها وبالتاريخ ذاته، وفي توقيت مطابق تقريباً لما ذكره مرعي!).
إفادات مرعي متنوّعة ولا تقف عند حدود الاغتيالات. ففي إحدى جلسات التحقيق، قال إن القناصين الذين كانوا يطلقون النار يوم أحداث الجامعة العربية (25 كانون الثاني 2007) ينتمون إلى فتح الإسلام، مسمّياً عدداً منهم، أبرزهم أبو يزن وأبو الشهيد. قبل ذلك، تحدّث مرعي عن اثنين من أفراد فتح الإسلام كانوا يتحركون في محيط مطار بيروت يوم وصول الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى بيروت خلال حرب تموز 2006. وبحسب مرعي، فإنهما أرادا استهداف طائرة موسى بصاروخ!

مرعي واغتيال الحريري

في المحصلة، يصعب أن تجد أمنياً لبنانياً يجزم بالجهة التي كان مرعي مخلصاً لها. وفي ظل الصداع الذي تخلفه قراءة إفادته، خرج أحمد مرعي ليقول إنه يملك معلومات عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري. حصل ذلك في منتصف عام 2008. تحدّث مرعي أمام المحقق العدلي القاضي صقر صقر عن معلومات يملكها تثبت تورّط اللواءين جميل السيّد وعلي الحاج في اغتيال الحريري. حاولت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي استغلال الأمر لنقل السيّد والحاج من سجن

قدم معلومات عن 11 أيلول وخلية هامبورغ وقصد الزرقاوي ثم اخترق رجاله في صيدا

أبرز ما يخطف الاهتمام هو حركة مرعي يوم 14 شباط 2005 قبل اغتيال الحريري وبعده
رومية إلى قصر العدل في بيروت وهما مقيّدا الأيدي. لكنهما رفضا أن يكبّل رجال الأمن أيديهما، ولم يواجها أحمد مرعي أمام القاضي صقر، لأن من واجب قاضي التحقيق «التحقق من صدقية ما زوّده به الشاهد قبل الانتقال إلى إجراء مقابلة بينه وبين الموقوف». إفادة مرعي عن اغتيال الحريري كانت مبنية على علاقته بضباط من الاستخبارات السورية، إذ ذكر فيها أن اجتماعاً بين العماد آصف شوكت واللواءين جميل السيّد وعلي الحاج خُطِّط فيه لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأنه اطّلع على جزء من هذه الرواية من خلال صلاته بضباط من الاستخبارات السورية. وقال مرعي إن أحد هؤلاء الضباط كلّفه مراقبة منطقة السان جورج صبيحة اغتيال الحريري، يوم 14 شباط 2005.
تلك الإفادة لم تكن بنت ساعتها. فبعد توقيفه (عام 2007، وقبل عام من تحوله إلى شاهد في قضية الحريري)، تبيّن لمحققي فرع المعلومات أن بيانات الهاتف الخلوي تشير إلى أن أحمد مرعي كان موجوداً في منطقة السان جورج صباح 14 شباط 2005، قبل ارتكاب الجريمة. كذلك سُجّل حضوره في المكان بعد ظهر اليوم ذاته. وعندما سئل مرعي عن هذا الأمر روى روايتين. في الأولى، قال إنه كان قد افتتح في بداية عام 2005 محلاً لبيع «السبحات» والأحجار الكريمة في منطقة الحمرا، وإنه كان يوم الجريمة آتياً من منطقة الشمال إلى المحل، فمرّ في منطقة عين المريسة. أما وجوده في مكان الجريمة بعد الاغتيال، فأعاده إلى أنه أحضر سيدتين من أفراد عائلته إلى مسرح الجريمة بهدف «الفرجة».
أما الرواية الثانية التي أدلى بها، فيقول فيها إن ضابطاً من الاستخبارات السورية، يدعى فارس عصورة، كلفه بالذهاب إلى منطقة السان جورج صباح 14 شباط 2005 ورصد المنطقة. في المرحلة الأولى من التحقيق، لم يُدقَّق في أي من روايتيه.
لكن المفاجأة الثانية في قصة أحمد مرعي، أتت من جواز سفره اللبناني (يحمل الرقم RL0030035، صادر يوم 6 آذار 2003). في الصفحة 44 منه، خَتْم للأمن العام اللبناني، أسود اللون. إنه ختم مغادرة مطار رفيق الحريري الدولي، ويحمل تاريخ 14 شباط 2005! أما العودة، فيوم 18 شباط 2005. وكانت وجهته مطار دبي الدولي. ليست الصدفة في تاريخ الرحلة وحسب، بل تتعداه إلى الرحلة نفسها. فقد غادر مرعي بيروت على متن الطائرة ذاتها التي استقلّها «الحجاج الأوستراليون». ولمن لا يذكر هؤلاء، فهم الذين غادروا بيروت من دون أمتعة بعد اغتيال الحريري، متوجهين إلى دبي، ومنها إلى أوستراليا. وحينذاك، وردت رسالة من الشرطة الأوسترالية تقول إن مقعد أحدهم (في الطائرة التي استقلوها من الإمارات إلى أوستراليا) يحمل آثار متفجرات. وبعدما طلبت السلطات اللبنانية التوسع في التحقيق، وردتها رسالة مناقضة من الشرطة الأوسترالية، فأُقفِل التحقيق في هذا المسار. أما أحمد مرعي، فعندما سأله محقّقو فرع المعلومات عن سبب سفره يوم الجريمة إلى الإمارات، أجاب بأن ثمة رجلاً إماراتياً أراد شراء «سبحة» ماسية بمئات آلاف الدولارات، فقصد الإمارات لإتمام عملية البيع. وبالنسبة إلى الحجاج الأوستراليين، فقد «كان اللقاء بهم على الطائرة ذاتها محض صدفة».
غداً: الشاهد الملك


رعاية خاصة داخل مركز توقيف

يؤكد أحد المعنيين بالتحقيقات مع شهود الزور أن أحمد مرعي سجّل في مكان توقيفه داخل سجن رومية رسالةً صوتيةً يقول فيها إن اثنين من ضباط المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أقنعاه بالإدلاء بشهادة زور لدى سلطات التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ويقول المصدر إن مرعي، دون غيره من اللبنانيين الموقوفين بتهمة الانتماء إلى فتح الإسلام والقاعدة، كان موقوفاً داخل المبنى الخاضع لسلطة فرع المعلومات في سجن رومية. وفي المبنى ذاته، كانت السلطات اللبنانية قد اعتقلت الضباط الأربعة (اللواءين جميل السيّد وعلي الحاج، والعميدين ريمون عازار ومصطفى حمدان) والأخوين أحمد ومحمود عبد العال ومصطفى مستو وأيمن طربيه. والستة الأخيرون هم الذين أبقوا رهن التحقيق في قضية اغتيال الحريري، من دون تقديم أي دليل قانوني لاتهامهم، علماً بأن مستو وطربيه كانا قد باعا خطوطاً خلوية قبل أسابيع من وقوع الجريمة، وبالطريقة التي كان يتّبعها جزء كبير من تجار الهاتف الخلوي، أي من دون وثائق ثبوتية رسمية، وهي الطريقة التي لا يزال بعض التجار يعتمدونها حتى اليوم.
تضيف مصادر متعددة أن أحمد مرعي كان يحظى بـ«رعاية خاصة داخل مركز توقيفه، إذ كان بإمكانه الخروج من زنزانته ساعة يشاء، وإجراء اتصالات هاتفية بعلم سجّانيه».