عمر نشّابة

نُشرت قواعد الإجراءات والإثبات الخاصّة بالمحكمة الدولية الخاصّة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في 20 آذار 2009، وخضعت لسلسلتين من التعديلات (في 10 حزيران وفي 30 تشرين الأول 2009). غير أن تلك التعديلات لم تصحّح الثُّغر التي تتيح التلاعب بالتحقيقات الجنائية عبر فبركة معلومات واختلاق شهود وتشويه الحقيقة.

وقبل الدخول في مراجعة نقدية لبعض القواعد المثيرة للشكوك، لا بدّ من توضيح أن مراجع «تفسير القواعد» محدّدة في القاعدة الثالثة على النحو الآتي: «تُفسَّر أحكام النظام الحاضر على نحو يتوافق مع روح النظام الأساسي، وعلى نحو يتوافق مع (أ) المبادئ المحددة في القانون العرفي الدولي (...)، و(ب) المعايير الدولية لحقوق الإنسان، و(ج) المبادئ العامة للقانون الجنائي الدولي وقواعد الإجراءات، وعند الاقتضاء (د) قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، على أن تُحترم القواعد المذكورة بحسب أولوية ترتيبها». يعني ذلك أن معايير قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني تأتي في المرتبة الرابعة والأخيرة. رغم ذلك، لا ينفكّ البعض يصف المحكمة بالمختلطة وبأنها تعتمد روحية القانون اللبناني.
ورد في نصّ القاعدة 133 من قواعد الإجراءات والإثبات: احتمال اعتماد «تدابیر خاصة لمنع الكشف للجمهور أو لوسائل الإعلام عن هویة أو مكان وجود متضرر أو شاهد أو أقاربه أو شركائه». وبالتالي تسمح القواعد بشاهد سرّي يعمل لمصلحة جهاز استخباري معاد للبنان (إسرائيلي أو حليف للإسرائيلي) وتسمح القواعد بإخفاء ذلك عن «الجمهور» وعن الأشخاص الذين سيُتّهمون وقد يرفضون المثول أمام المحكمة.
ومن التدابير التي يمكن أن تتخذها المحكمة للحفاظ على سرّية الشاهد: «أ. شطب الأسماء وبیانات تحدید الهویة من السجلات العامة للمحكمة»، ما يعني إخفاء أي أثر لهوية ذلك الشاهد في المستندات العلنية وغير العلنية. «ب. عدم الكشف للجمهور عن أیة سجلات تحدد هویة الشاهد. ج. استعمال وسائل تقنیة لتحویر الصورة أو الصوت. د. الإدلاء بالشهادة عبر نظام تلفزيوني مغلق أو نظام المؤتمرات التلفزيونية. هـ. واستخدام أسماء مستعارة». ولا تحديد في القواعد لمنهجية اختيار الأسماء المستعارة، ما يفتح المجال لاستخدام إيحاءات وتلاعب في تحديد الهوية. وأخيراً، تشير القاعدة 133 إلى إمكان «عقد جلسات سریة».
أما القاعدة 155، فتذكر: «تقرر غرفة الدرجة الأولى، بعد الاستماع إلى الفريقين، ما إذا كان يتعيّن أن تطلب من الشاهد المثول أمامها للاستجواب المضاد. ولها أن تقرر أن مصلحة العدالة ومقتضيات المحاكمة العادلة والسريعة تبرر استثنائياً قبول الإفادة أو النص المدوّن، كلياً أو جزئياً، بدون إجراء استجواب مضاد». وهنا نسأل كيف يمكن أن تحرم غرفة الدرجة الأولى فريق الدفاع الصادق حقّه في الاستجواب المضاد للشهود، وتكون الإجراءات عادلة؟
لا بدّ من التنويه بأن القاعدتين 133 و155 تنطبقان على الشهود الذين يمثلون أمام غرفة الدرجة الأولى (هيئة المحكمة) أي بعد صدور القرارات الاتهامية وبعد إحالتها من مكتب المدعي العام إلى قاضي الإجراءات التمهيدية، ومنه إلى غرفة الدرجة الأولى. غير أن القاعدة 159 تتناول «الشاهد» من دون تحديد مرحلة الإجراءات القضائية. فالمادة تشير إلى أن الإدانة لا يمكن أن تستند إلى إفادة أدلى بها شاهد سرّي، بينما لا إشارة إلى مرحلة الاتهام، ما يعني أن القرار الاتهامي يمكن أن يستند إلى تلك الإفادة.
لكن أبرز الثُّغَر في قواعد الإجراءات والإثبات تظهر بوضوح في نصّ القواعد 74 و115 و116 و117 و118 و137.
فالقاعدة 74 تجيز «لقاضي الإجراءات التمهيدية، وفقاً لما تقتضيه مصلحة العدالة، أن يأمر بعدم إعلان قرار الاتهام للعموم أو أية مستندات أو معلومات مرتبطة به» بينما «يجوز للمدعي العام إعلان قرار الاتهام أو جزء منه لسلطات دولة معيّنة إذا رأى في ذلك ضرورة لغرض التحقیق أو الملاحقة». ويمكن أن تكون تلك الدولة معادية للبنان (أو دولة حليفة لدولة معادية للبنان) فالقواعد لا تستثني أياً من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
كذلك فإن القاعدة 74 لا تحدّد «ما تقتضيه مصلحة العدالة»، بل قد يخضع ذلك لاقتناع قاضي الإجراءات التمهيدية البلجيكي دانيال فرانسين والمدّعي العام الكندي دانيال بلمار ورئيس مكتب الدفاع الفرنسي فرانسوا رو.
القاعدة 115 تجيز «للمدعي العام، في ظروف استثنائية، الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية أو من غرفة الدرجة الأولى إصدار أمر بعدم الكشف مؤقتاً عن هوية المتضرر أو الشاهد الذي قد يكون مهدّداً أو معرضاً للخطر». لا تحدّد القاعدة «الظروف الاستثنائية»، ما يفتح الباب واسعاً لاعتبارات لا علاقة لها بمعايير العدالة. فكيف يُحدَّد كونُ الشاهد مهدّداً أو معرّضاً للخطر؟ هل يُفتح تحقيق بذلك أم يُعتمد على إفادة الشاهد؟ هنا أيضاً يفتح الباب واسعاً أمام اعتبارات لا علاقة لها بتحقيق العدالة.
وإذا كان الإبلاغ عن هوية شاهد «قد يؤدّي إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية، يجوز للمدعي العام الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية في غرفة المذاكرة، بصورة غير وجاهية، إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب الإبلاغ الملحوظ في القواعد» (القادة 117). من هي الجهة التي تحدد ما إذا كان هناك احتمال «مساس بالمصالح الأمنية»؟ وماذا تشمل «المصالح الأمنية»؟ الكشف عن معلومات استخبارية؟ ألا يمكن أن تكون إحدى هذه الدول (الأعضاء في الأمم المتحدة) إسرائيل؟ فتكون بذلك المحكمة الخاصة بلبنان حريصة على مصالح إسرائيل الأمنية؟
وتتابع المادة 118 «عندما تكون بحوزة المدعي العام معلومات قدّمت له بصفة سرية وتمس بالمصالح الأمنية لدولة ما أو هيئة دولية أو ممثل عنها، لا يعمد المدعي العام إلى إبلاغ تلك المعلومات ومصدرها إلا بموافقة الشخص أو الهيئة التي قدّمتها».
ويمكن المدعي العام «اقتراح تدابير موازية (للإبلاغ عن هوية الشاهد السرّي) تتضمّن خصوصاً معلومات جديدة ذات طبيعة مشابهة أو إبلاغ هذه المعلومات بشكل مختصر أو مموّه أو عرض الوقائع المهمة». يفتح ذلك المجال واسعاً أمام التلاعب بالشهادة السرية أو المعلومات المقدمة، ويمكن التأثير على القضاة من خلال ذلك «التمويه».


من هي الجهة التي تحدد ما إذا كان هناك احتمال «مساس بالمصالح الأمنية»؟ وماذا تشمل «المصالح الأمنية»؟
و«إذا طلب المدّعي العام شاهداً ليقدم كوسيلة إثبات أية معلومات معطاة بموجب هذه المادة (118)، فلا يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية ولا لغرفة الدرجة الأولى إلزام هذا الشاهد بالإجابة عن أي سؤال يتعلق بالمعلومات أو مصدرها إذا امتنع الشاهد عن الإجابة بداعي السرية». القاعدة 137 تتناول كذلك «الجلسات السرية» فتنصّ: «لأسباب تتعلق بالمصالح الأمنية الوطنية لدولة معينة» يجوز لغرفة الدرجة الأولى أن تأمر «بإخراج الصحافة والجمهور من قاعة المحكمة خلال جميع الجلسات أو بعضها».
القاعدة 116 تشير إلى أنه إذا كان الإبلاغ عن مصادر بعض المعلومات التي جمعها المدعي العام «لسبب أو لآخر هو مخالف للمصلحة العامة، يجوز للمدعي العام الطلب من غرفة الدرجة الأولى (...) إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب إبلاغ المعلومات المنصوص عليه في القواعد الحاضرة. على المدعي العام، عند تقديمه هذا الطلب، أن يطلع غرفة الدرجة الأولى على المعلومات التي يطلب بقاءها سرية وترفق ببيان يقترح فيه تدابير موازية تشمل خصوصاً تحديد معلومات جديدة وذات طبيعة مماثلة، وتقديم هذه المعلومات مختصرة أو مموّهة، أو عرض الشق الأهم من الوقائع». وبالتالي، يمكن التلاعب عبر التمويه وعبر «اختيار» الشقّ الأهم من «الوقائع». واللافت هنا استخدام مصطلح «الوقائع»، بينما لم تثبت حقيقتها إلا بعد عرضها على المحكمة واتخاذ القرار المناسب بخصوص صدقيتها. لكن قبل كلّ ذلك نسأل: من يحدّد «المصلحة العامة»؟ هل هي مصلحة مجلس الأمن الدولي الذي أنشأ المحكمة؟ وماذا لو تناقضت «المصلحة العامة» مع المصالح اللبنانية؟
(غداً: مراجعة نقديّة لنظام المحكمة المرفق بالقرار 1757)