بعيداً عن السجالات المكرورة دوماً بشأن شرعيّة الشعر الحر (قصيدة النثر)، مضت هذه القصيدة لتكرّس نفسها بثقة خصوصاً خلال العقدين الأخيرين. باتت قصيدة النثر هي الشكل الأكثر حضوراً في المشهد الشعري العربي، بل تكاد تكون الشكل الأوحد لولا المسابقات الشعرية المهتمّة بنشر المجموعات الأولى للشباب الذين سيتحوّل معظمهم لاحقاً إلى قصيدة النثر. لم تعد شرعيّة القصيدة إذاً محور جدال إلا ضمن أوساط ضيّقة يشرف عليها شعراء محافظون لا يزال تعريف الشعر لديهم عالقاً عند «الكلام الموزون المقفّى»، ولكن بات الجدل الآن متعلقاً بماهيّة القصيدة والشعر التي اعتبرها البعض مقتصرة على الغموض والبعد الترانسندنتاليّ للمفردات، فيما مضى القسم الأكبر إلى القصيدة اليومية أو الشفهية حيث يصبح الكلام اليومي الاعتياديّ شعراً بعد إخضاعه لعمليّة «كيميائية» محددة ترفع مستوى الكلام المبتذل والعابر إلى مصاف الشعر. تلك الكيمياء بالذات، ومدى إتقان الشاعر لها، باتت هي الفيصل بين ما هو شعر وما هو كلام عادي. لن يكون بالإمكان تحديد «تعريفٍ» جامع للشعر، لذا أصبح من الأفضل الركون إلى الحل الآخر، أي تمييز ما هو ليس شعراً، بحسب العبارة الدقيقة لمحمود درويش: أي تمييز الشعر بما هو نقيضه.


لكن ماذا عن النصوص «المفتوحة» الجديدة التي انتشرت مع تعاظم هيمنة وسائل التواصل الاجتماعيّ؟ ثمة سؤال متكرر آخر: هل ما نقرؤه شعر أم لا؟ وثمة سؤال أكثر دقة: هل يهم الأمر إن كان النص شعراً أم لا؟ وسؤال آخر: هل حلّ زمن «نص الفيسبوك»؟ هل تنبغي إعادة تعريف الشعر ليتواءم مع تطورات النصوص، أم أنّ من الأسلم الركون إلى سكّ (أو إحياء) مصطلح أو تصنيف جديد هو النص الفايسبوكيّ؟ لا نعني بهذا التصنيف النصوص التي نُشرت على الفايسبوك فقط، بل نعني الروح الجديدة للنصوص التي أخذت من تطوّر الحياة سرعتها وتقشّف لغتها ورموزها، لتعيد كتابة الكلمات (أو الشعر؟) بناء على ما استجد.
تنطلق مجموعة أحمد بزّون «للقهوة وقتٌ نركنه في الزاوية» (مؤسسة الانتشار العربي ـ بيروت) من حقل الكلام اليوميّ لتحاول بناء قصيدة. بعيداً عن مدى نجاح بزّون في هذه الرحلة، سيلاحظ القارئ بأنّ الغلاف خلا من تصنيف «شعر»، وبذا أصبحت القراءة (والتقييم) أكثر تحرراً حين نسير في حقل «النص المفتوح». ولكن تصنيف «شعر» يباغتنا في الصفحة الرابعة (صفحة الغلاف الداخلي)، بحيث يعيد القارئ حساباته ويهيّئ نفسه لدخول عالم شعريّ مفترَض. ربما كان من الأفضل لبزّون ترك النصوص من دون تصنيف محدد، بحيث يترك للقارئ حريّة التخيّل والتصنيف والقراءة من دون تدخّل من الكاتب.


«صدى» إيروتيكيّ خافت أقرب إلى البوح الشخصي

سيجد القارئ بأنّ عوالم الكتاب تكاد تقتصر على الإيروتيك ما عدا نصوص معدودة؛ والإيروتيك بات الوسيلة الأفضل لجذب القارئ بعيداً من عالم النصوص الفعليّ وتركه في تهويماته الشخصية التي يحرّضها النص. ولكن حتى «الصدى» الإيروتيكيّ هنا بدا خافتاً وأقرب إلى البوح الشخصيّ الذي لا يعني أحداً غير كاتبه والمرأة المقصودة، بصرف النظر عن كونها حقيقيّة أم لا. يستخدم بزّون الحياة اليوميّة كخلفيّة لنصوصه ولكن بعد أن يجرّدها من كل ما هو عام، بحيث لا تبدو النتيجة أكثر من عالم شخصيّ ضيق تخنقه التحديدات. الجسد هنا لا يعني سوى جسد الكاتب (أو الراوي)، واللذة شخصيّة، والتوصيفات مقيّدة بشخص أوحد، بحيث لا يدع الكاتب لقرائه فُسحة للتخيّل أو التماهي مع النص. عالم أحمد بزّون «غرفة تخصّه وحده»، استعار من الشعر مظهره الفرديّ، بحيث أصبحت النتيجة بالضرورة سجينة بوحٍ خاص لا يتصل بالقارئ إلا عبر العينين اللتين تقرآن، من دون التوغّل في الحواسّ الأخرى التي يُفترّض بالشعر الحقيقيّ إيقادها إلى حدّها الأقصى.
ثمة نصوص بذاتها «شذّت» عن القواعد الصارمة التي فرضها بزّون على نصوصه (وقرّائه)، بحيث بدت متمرّدة عن عالم الكتاب ذي الشكل الموحّد خارجياً وداخلياً، وامتدت كخيوط واهية لتربط ما تبقّى مع الشعر. نصّا «ألزهايمر»، و«بصمة» هما الأقرب إلى الشعر، بشرط تشذيبهما على نحو معقول. أما باقي النصوص فستفتح سجالاً بشأن ماهيّة «الشعر الجديد» وعلاقته بمواقع التواصل، بخاصة أنّ النصوص كانت سرديّة في معظمها، من دون أن نرى ألق الشعر «القديم» فيها.
هل ثمة تطور آخر لقصيدة النثر سيترافق مع التطورات المتلاحقة لمواقع التواصل؟ أم أنّ القاعدة هي القاعدة ولا مجال لكسرها، فالشعر شعر بصرف النظر عن التطورات؟ سيبقى السؤال معلقاً بانتظار ما سيحمله الغد من تطورات ونصوص موازية.