كان ديتليف ميليس يحيط عبد الباسط بني عودة بسرية مطلقة. لم يكشف لأحد مضمون إفادته، ومنحه تعهداً بحمايته ومساعدته للحصول على جنسية جديدة، وبتغيير ملامح وجهه! بكلام آخر، كان ميليس مقتنعاً برواية عميل الموساد الذي قال إن إقناعه بالإعداد لاغتيال الحريري بدأ منذ عام 2001، عندما أوقفته مديرية استخبارات الجيش بعد تسلله من فلسطين المحتلة


حسن عليق
هي الرواية نفسها التي انطلقت في اللحظة التالية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. سوريا هي الفاعلة، ولنبحث عن الدليل. ثم أتى من «يتبرّع» لتقديم الأدلة. شهود الزور لم يستفيدوا حصراً من المناخ السياسي والإعلامي الذي أعقب الجريمة، بل إن أكثر ما ساعدهم هو فريق تحقيق «يتبنى نظرية وحيدة، يريد أن يثبتها بشتى الطرق»، بحسب ما يصف أحد العاملين السابقين في لجنة التحقيق الدولية أداء رئيسها الأول، ديتليف ميليس.

تنوّعت «مصادر» هؤلاء الشهود. إلا أن هدفهم واحد. إثبات التورّط السوري باغتيال الرئيس رفيق الحريري. بعضهم أشرك «مجرمين» آخرين، كالجبهة الشعبية ـــــ القيادة العامة، أو الحزب السوري القومي الاجتماعي. وبعضهم الآخر لمّح إلى تورط حزب الله، أو أفراد منه. وحده «الشاهد» الإسرائيلي عبد الباسط بني عودة وضع رابطاً «واضحاً» بين الرئيس السوري بشار الأسد و«النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري المشترك» من جهة، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، من جهة أخرى.

من أين أتى بني عودة؟

يوم 6/7/2001، دخل عبد الباسط بني عودة الأراضي اللبنانية آتياً من فلسطين المحتلة. تجاوز الحدود البرية ليصل إلى منزلٍ في بلدة جنوبية يقطن فيه أقارب عميل فار منذ عام 2000. هناك، أوقفته مديرية استخبارات الجيش اللبناني. فبني عودة، الحامل للجنسية الإسرائيلية، يرتبط بصلة وثيقة بالاستخبارات الإسرائيلية. يقول إنه كان يعمل مع جهاز الموساد، وإنه كان متزوجاً لبنانية تعيش في فلسطين المحتلة، تتهمها السلطات اللبنانية بالتعامل مع إسرائيل. كذلك فإنه كان يتمتع بصلات قوية بين العملاء الذين فروا إلى فلسطين المحتلة عام 2000.
يدّعي عبد الباسط أنه فرّ من فلسطين المحتلة بعدما كشفت الاستخبارات الإسرائيلية ارتباطه بجهاز استخبارات السلطة الفلسطينية. هو إذاً، باعترافه أمام المحققين اللبنانيين عام 2001، ولاحقاً أمام لجنة التحقيق الدولية، عميل مزدوج. في لبنان، أحيل على المحكمة العسكرية التي أصدرت حكماً بسجنه مدة 18 شهراً، بجرم التعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية ودخول البلاد خلسة. وبما أنه أجنبي، أحيل على المديرية العامة للأمن العام بعد تنفيذه العقوبة، فاتصلت المديرية بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين غير الفلسطينيين (UNHCR) لضمان استقباله في دولة ثالثة (غير لبنان والأراضي الفلسطينية)، وخاصة أن الحكم القضائي الصادر بحقه ينص على إبعاده من لبنان.
في نيسان 2003، حصلت له مفوّضية اللاجئين على قبول إعادة توطين في السويد. وبعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية، غادر الأراضي اللبنانية يوم 22 تموز 2003، وصدر قرار بمنع دخوله إلى لبنان مجدداً.
في السويد، حصل الرجل على جواز سفر سويدي باسم أنطونيوس بني عودة، من دون الحصول على الجنسية. لم يكلّ من المغامرات؛ فسريعاً، انتحل صفة سفير عربي في ألمانيا، متدخلاً، من خلال اتصالاته الهاتفية، في قضية مرفوعة أمام القضاء اللبناني نهاية عام 2004، ما أدى إلى صدور قرار جديد يمنع دخوله إلى لبنان بجواز سفره الجديد.

بني عودة شاهداً

ادّعى بني عودة أن الضباط اللبنانيين الأربعة طلبوا منه عام 2004 إلصاق عبوات ناسفة بسيارة الحريري
خفت نجم بني عودة حتى ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكنه، بعد أشهر من الجريمة، بدأ اتصالاته بأمنيين وسياسيين وإعلاميين في لبنان، قبل أن يتمكن من التواصل عبر الهاتف مع النائبة بهية الحريري. وبحسب ما يقول بني عودة، فإنه قال للحريري إنه يملك معلومات عن عملية اغتيال شقيقها. يضيف إنها حدثته بلهجة «ناشفة»، وطلبت منه أن يقصد لجنة التحقيق الدولية للإدلاء بما لديه. وعندما شكا إليها عدم قدرته على الوصول إلى اللجنة، زوّدته رقم هاتف المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. والأخير، أخذ رقم هاتف بني عودة، حسب رواية الأخير، وسلّمه إلى لجنة التحقيق الدولية التي اتصلت به. أصرّ بني عودة على التحدث مع رئيس اللجنة، ديتليف ميليس. اهتم الأخير بالشاهد الجديد، وقال له في مكالمة هاتفية بينهما إنه سيرسل إليه أحد المحققين السويديين العاملين في اللجنة.
في السويد، قابل بني عودة المحقق بو أستروم، وأخبره بما لديه من معطيات عن جريمة اغتيال الحريري، طالباً ضمانات للإدلاء بها رسمياً. وبدا الرجل كمن هبط من السماء إلى حضن ديتليف ميليس. فبني عودة أصر على الإدلاء بإفادته قبل أن تستمع لجنة التحقيق الدولية في فيينا، لاثنين من الضباط الأمنيين السوريين، بينهم اللواء رستم غزالي (كانون الأول 2005). وبالفعل، كان له ما أراد، فيوم 21 تشرين الثاني 2005، وقّع رئيس فريق التحقيق في اللجنة الدولية، الألماني غيرهارد ليمان، وثيقة يتعهد فيها لبني عودة بتلبية ثلاثة شروط، لقاء الإدلاء بإفادة رسمية. وهذه الشروط هي:
1ـــــ أن تساعده لجنة التحقيق الدولية المستقلة في الحصول على جنسية ثانية، وأن تكون الأولوية للجنسية السويدية.
2ـــــ أن تساعده اللجنة، هو وأفراد عائلته، على الدخول ضمن برنامج حماية الشهود.
3ـــــ أن تساعده اللجنة على تغيير ملامحه، بالحد المناسب، للحد من القدرة على التعرف إليه.
لاحقاً، دوّنت الإفادة الكاملة للرجل الذي صار اسمه «مازم». وهي تكاد تكون الأغرب بين إفادات الشهود باغتيال الحريري.

ماذا قال بني عودة للجنة التحقيق؟

يقول بني عودة في إفادته إنه عندما هرب من فلسطين المحتلة إلى لبنان، وأوقفته الاستخبارات اللبنانية، نقل إلى وزارة الدفاع. هناك، أدخل إلى قاعة فيها نحو 50 ضابطاً من الجيش اللبناني، بحضور رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان، اللواء غازي كنعان، ومدير استخبارات الجيش اللبناني العميد ريمون عازار. وكان هذا اللقاء، على حد زعمه، بداية مسيرة الضغوط النفسية التي تعرض لها على أيدي الاستخبارات اللبنانية والسورية، والهادفة إلى تجنيده للعمل معها، من دون تحديد مهمة واضحة.
يقول بني عودة إنه كان مصراً على رفض العرض الأمني اللبناني ـــــ السوري، لكن إصرار الطرف الثاني كان أشد قوة. استمر تعذيبه النفسي، بحسب ادعائه، حتى عام 2003، عندما دخلت على خط الضغوط شخصيات جديدة: اللواءان جميل السيد وعلي الحاج، والعميدان مصطفى حمدان ورستم غزالي. وبحسب زعمه، كان ينقل إلى فيلا فخمة ليقابل الضباط المذكورين، الذين استمروا بعرض العمل الأمني عليه لحسابهم، من دون أن يوافق على ذلك.
يفاجئ بني عودة من يستمعون إليه بإدخال عنصر جديد إلى روايته. يقول إن الضباط المذكورين سابقاً زوّدوه هواتف خلوية لتبقى في حوزته داخل مركز توقيفه في المديرية العامة للأمن العام. وبعدما مَنَح أحد هذه الهواتف لرتيب من الأمن العام، زوّده الأخير رقم هاتف خلوي لشخص «يظهر دائماً إلى جانب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله».
محاولات تجنيده لم تقتصر على عامل الترهيب، بل تعدّتها إلى الترغيب، بحسب قوله. وعلى هذا الأساس، كان قادة الأمن في لبنان وسوريا يوفّرون له مكاناً ليتمكن من ممارسة الجنس فيه بحرية، مع فتيات كن يأتين إليه من خارج السجن.
في الشهر الثالث من عام 2003، وصلت الأمور إلى ذروتها. عُقد اجتماع ضم الضباط اللبنانيين الأربعة، والعميد رستم غزالي، قيل فيه لعبد الباسط بني عودة إن المهمة التي سيكلَّف إياها هي مراقبة الرئيس رفيق الحريري. ويقول إن أركان النظام الأمني أوهموه بأنهم يريدون حماية الحريري، وأن تكون لهم «عيون عليه». رتبوا له خطة العمل، وزودوه معلومات عن ثلاث فتيات، طالبين منه التقرب من إحداهن. و«شاء القدر أن تقع في الفخ فتاة يعمل والدها حارساً عند شفيق الحريري، شقيق الرئيس الحريري». ولكي يتمكن من أداء الدور كاملاً، وضعوا تحت تصرفه سيارة دبلوماسية ومرافقين، على أساس أنه دبلوماسي في السفارة الأردنية.
لاحقاً، يضيف الشاهد، طلب الأمنيون منه إحضار أجهزة للتشويش، تلغي عمل أجهزة الإنذار. أما سبب لجوئهم إليه في هذه الناحية، فيعود إلى أنّ أشقاءه يملكون في ألمانيا شركة مختصة بالتجهيز الأمني للسيارات.
وفي الموعد المحدد لرحيله من لبنان (تموز 2003)، غادر عبد الباسط إلى السويد. وما هي إلا أشهر معدودة حتى اتصل به شخص «من طرف المعلم في لبنان»، طلب منه ملاقاته في مدينة أوميو السويدية. وعلى حد قوله، زوّده رسول «المعلم» أموالاً قبل أن يطلب منه في الشهر الأخير من عام 2003 السفر إلى اليونان. وفي أثينا، التقى شخصاً سورياً لم يكن يعرف هويته، تبيّن له لاحقاً أنه العماد آصف شوكت. عقد شوكت وبني عودة 8 اجتماعات طوال شهر كامل، قبل أن يطلب الضابط السوري من «الشاهد» السفر إلى الأردن، ومنه إلى سوريا.
يضيف عبد الباسط أنه، بعد عودته إلى السويد، سافر إلى الأردن، حيث سهلت له الاستخبارات السورية الدخول إلى عمّان قبل نقله من دون المرور بالمعابر الرسمية إلى دمشق. وفي الشام، عقدت عدة اجتماعات بين بني عودة والضباط اللبنانيين الأربعة والعماد آصف شوكت، قبل أن تنتقل الاجتماعات إلى عنجر.
قال إنه رأى الأمين العام لحزب الله خارجاً من أحد الأمكنة التي استخدمت للتخطيط للجريمة
تنقل بين بيروت ودمشق، وأبرز ما قام به هو التجول برفقة مساعدي بعض الأمنيين في ساحة النجمة ومنطقة قريطم في العاصمة اللبنانية، لمراقبة موكب الحريري. في أحد الاجتماعات، قال العميد مصطفى حمدان إن الرئيس رفيق «الحريري هو عميل أميركي ويريد أن يقيم قاعدة أميركية في لبنان، وقد وقّع على اتفاق سري يعرفه المقربون منه مثل وزير المال السنيورة».
تتكثف رواية بني عودة عندما يتحدث عن أن الضباط اللبنانيين والسوريين طلبوا منه اغتيال البطريرك الماروني نصر الله صفير، وأنهم زوّدوه كمية من المتفجرات لزرعها في بكركي، حيث كان عليه أن يوهم صفير بأنه متموّل كبير يريد أن يعترف له (الاعتراف الكنسي).
تزداد روايته تشعباً. يقول إنه أثناء وجوده في دمشق، في مكتب ملاصق لمكتب الرئيس بشار الأسد، كان يتحادث مع الضباط اللبنانيين الأربعة والعماد آصف شوكت، فدخل إلى المكتب العميد ماهر الأسد غاضباً. وقف الأسد مع الضباط خلف حاجز خشبي مزخرف. كان بني عودة يستمع إليهم. قال لهم الأسد: «الرئيس يبلغكم بأن تنتهوا من الحريري،لأن راسو كبر. أنزلوا سقف بيروت على رأسه». يضيف بني عودة: رحل الأسد ولحق به آصف شوكت، فيما عاد الآخرون بوجوه شاحبة. وعندما رجع شوكت، قال حمدان لبني عودة إن عليه أن يذهب إلى باريس وأن يلصق عبوات مغناطيسية بسيارات الحريري، لتفجيرها به.
لا تنتهي القصة عند هذا الحد؛ إذ يروي «حادثة جرت معه عام 2004» عندما اصطحبه الأمنيون السوريون إلى مكتب شاهده لاحقاً على التلفزيون، وبالتحديد في مقابلة أجرتها محطة تركية مع الرئيس السوري بشار الأسد نهاية عام 2005. يورد في إفادته تفاصيل عن ديكور المكتب وأثاثه. ويحاول إعطاء المحققين الدوليين تأكيداً لدخوله هذا المكان من خلال القول إن إصبعه كانت مجروحة عندما جلس على الكرسي في المكتب المذكور، وإنه مسح الدم بخشب الكرسي.
لا تكمن فحوى القصة هنا. بل هي في أنه عندما كان داخلاً إلى المبنى المذكور، شاهد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله خارجاً منه. وبرفقة السيد شخص يجهله بني عودة، كان يحضر الاجتماعات التي تحصل في بيروت بين بني عودة واللواء جميل السيد والعميد ريمون عازار.
كان بني عودة يعطي أدلة على ما يدلي به للمحققين الدوليين، بهدف تمكينهم من تثبيت صحة أقواله. يقول إنه عندما عاد من دمشق إلى الأردن في شباط 2004، أوقفته الاستخبارات الأردنية وحققت معه لتحديد هويته، وخاصة أن جواز سفره يحدّد مكان ولادته في إسرائيل.
في نهاية إفادته، يقول بني عودة إنه قطع صلته بالأمنيين اللبنانيين والسوريين منذ منتصف عام 2004، عندما خرجت من لبنان الشابة اللبنانية التي تزوج بها. وبرأيه، فإن من حاولوا تجنيده كانوا يريدون اغتيال الحريري عام 2004، إلا أنهم أرجأوا التنفيذ لأنه رفض المشاركة في الجريمة.
وفي معظم مراحل التحقيق معه، يدّعي الشاهد الإسرائيلي أنه كان دوماً عرضة للتهديد، وأن الاستخبارات السورية كانت تتوعده بأنها قادرة على الوصول إليه أينما كان.
وبحسب مصادر أمنية لبنانية، فإن لجنة التحقيق الدولية، وخاصة في عهد رئيسها الأول ديتليف ميليس، حريصة جداً على عدم كشف ما أدلى به بني عودة، حتى للجهات التي كانت تتعاون معها، كفرع المعلومات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وبحسب الأمنيين ذاتهم، فإن اللجنة طلبت في إحدى مراحل التحقيق من فرع المعلومات متابعة شكوى وردت من بني عودة يقول فيها إن شخصاً لبنانياً هدّده عبر الهاتف.
طلب ديتليف ميليس من فرع المعلومات ملاحقة أحد الذين ادعى الشاهد أنهم هدّدوه
وكانت لجنة التحقيق الدولية تتعامل معه على أساس أن في معلوماته «ما يستحق الوقوف عنده»، بحسب ما أكد ضباط أجانب عملوا في لجنة التحقيق الدولية. وما «يستحق التوقف عنده» أن الفتاة التي قال إن الأمنيين اللبنانيين والسوريين دفعوه للتقرب منها لأنها ابنه أحد حراس شفيق الحريري، صارت زوجته لاحقاً. وهذه النقطة بالتحديد لها تبرير واضح، منذ حزيران 2004. ففي ذلك الحين، أصدرت المحكمة العسكرية حكماً غيابياً بحقه، أدانته فيه بجرم رشوة رجل أمن داخل السجن. وكان هدف الرشوة أن يسمح رجل الأمن لصحافية بمقابلة بني عودة، وهو ما أثبتت التحقيقات مع رجل الأمن أنه حصل فعلاً. ومن خلال الصحافية المذكورة ورجل الأمن، تعرف بني عودة إلى الفتاة التي تزوجها لاحقاً.
في المحصلة، لم يَطعَن في صدقية الشاهد أنه عميل إسرائيلي «سابق». وللأمانة، فإن في حوزته ما يثبت انقطاع صلته بالإسرائيليين. فهو يحمل إفادة صادرة عن السفارة الإسرائيلية في السويد تثبت أن الجنسية الإسرائيلية مسحوبة منه، منذ انكشاف صلته باستخبارات السلطة الفلسطينية!
بعد خروج ديتليف ميليس من رئاسة لجنة التحقيق الدولية، حصل خلاف بين بني عودة والمحقق السويدي الذي كان يتصل به، لا بسبب قلة صدقية «الشاهد»، بل لأنه باح لعدد من رجال الشرطة السويدية بما أدلى به أمام لجنة التحقيق الدولية.
لكن بني عودة بقي مصراً على التواصل مع لجنة التحقيق الدولية، واتصل باللواء أشرف ريفي، طالباً منه تذكير اللجنة بضرورة حمايته لأنه تعرض للتهديد. فرد عليه ريفي بأن ينتبه لأمنه الشخصي. وفي تلك الفترة، لم يكن ريفي يعرف مضمون إفادة الشاهد «مازم» ولا هويته الحقيقية.
لاحقاً، ثبت للمحققين اللبنانيين والدوليين أن ما أدلى به غير صحيح. لكنه، كغيره من الشهود الزور، لم يُلاحق بتهمة تضليل التحقيق. وحده الشاهد إبراهيم ميشال جرجورة لوحق بتلك التهمة. ظهر بداية عام 2006 ليحدد أسماء سياسيين وإعلاميين وأمنيين، مدّعياً أنهم لقنوه الشهادة الكاذبة. تحرك القضاء سريعاً وادّعى عليه بجرم تضليل التحقيق، وسجن أكثر من ثلاث سنوات من دون محاكمة. وطوال مدة توقيفه، لم يخضع لتحقيق جدي يمكن من خلاله تحديد الجهات التي دفعته لتضليل التحقيق، حتى بدت عملية توقيفه عقوبة له على التراجع عن إفادة كاذبة، لا محاولة لكشف من يقف خلفه.


بهية الحريري

يقول عبد الباسط بني عودة إن النائبة بهية الحريري تحدثت معه في المكالمة الهاتفية الأولى بينهما، بـ«لغة ناشفة». لكن هذه اللغة سرعان ما تحولت إلى وُد في اتصال لاحق، بعد إدلائه بإفادته للجنة التحقيق الدولية. وفي مكالمة مسجلة بين الطرفين، يظهر أن النائبة الصيداوية لم تكن تعرف الاسم الحقيقي لبني عودة، أو «الشاهد مازم»، وقد دار بينهما الحوار الآتي:
....



محادثة عبد الباسط وبهية الحريري







الحريري: مين معي؟
بني عودة: مازم
الحريري: كيفك؟
ب. ع: والله الحمد لله، نشكر رب العالمين. كيف صحتك؟
الحريري: أنا بس بدي قلك.. بدي أشكرك.
ب. ع: الشكر لرب العالمين...
الحريري: وأي شي الأهل بدن هون مني شي يدقولي.
(...) ب. ع: وكله يعني مدون، يعني أنا بالاجتماعات مع لجنة التحقيق...
الحريري: لا لا لا بالعكس، الهيئة إنو كتير مرتاحين.
ب. ع: ما هو الإنسان بيزعل لما بيشوف... يعني أنا مرة اتصلت على... آخر شي اتصلت على مكتب الجريدة، ردت عليّ وحدة قلتلها حرام عليكم إنتو عم تاكلو قاعدين، بتطعمو ولادكم من دمو للشهيد رفيق. أنا بدي توصلوني بس لأي حد. كنت أترجاهم. والله دفعت سبعة آلاف دولار بس اتصالات. (...)


محادثة عبد الباسط وريفي

... بني عودة: كيفك سيدي الكريم.
ريفي: يا أهلاً مازم. إيه مازم؟
ب. ع: أنا مبارح حكيت مع الجماعة. أنا خيي اتصل فيي أول مبارح وما قبل يقلي شو الموضوع. مبارح حكيت معو، وعملت ريكورد للمكالمة. متوجهين إلو جماعة من الجبهة الشعبية من المنطقة من عنا من هونيك. ومفهمينو رسالة إنو أنا ممنوع أتدخل بشي، وإذا بضل أنا ماشي مضبوط وبضل ما جبش سيرة حدا، لأنو أنا كنت مكلف شخصياً بالاغتيال. شايف؟ (...)



محادثة عبد الباسط وريفي







ريفي: مازم، في جزء من الفريق راح مع ميليس ما كلن باقيين هون بلبنان هلق. ما بعرف إذا إنت الي لاقيته إذا بعدو بلبنان أو لأ. لأنو مش عارفين نحنا هلق. صار تغييرات كتيرة فيها. بس ما في شك خود بعين الاعتبار أمانك وأمان عيلتك بالدرجة الأولى.
ب. ع: مضبوط. أنا بقدم في خدمة، والي أملاه علي ضميري. وأنا إنسان اشتغلت بضمير، لا اشتغلت لا أعطوني مصاري ولا أعطوني شي. أنا زلمة بضمير قدمت خدمة.
ريفي: صحيح صحيح...
ب. ع: مع العلم لقلك شغلة، لا يوجد لحد اليوم إنسان قدم شهادة زي الي قدمتها أنا. لأنو أنا الإنسان الوحيد الي كنت مكلف بهالشغلة وأنا اللي من الـ2004 اتأجلت للـ2005 كرمالي، لأنو أنا هربت.
ريفي: والله ليك ما عندي فكرة إنت شو عطيت معطيات إنت مبدئياً، بس فيي قلك شغلة إنو الأمن إنت فيك تقيمو أكثر من أي واحد تاني. (...)
ريفي: هني عندن تغييرات قوية عندن برأيي بدك تنتظر شي أسبوع عالأقل حتى تستقر الأمور عندن شوي. بتعرف ساعة الي تغير ميليس صار في عندن تغييرات عندن بالداخل. بقا أنا برأيي طول بالك هدي اللعب شي أسبوع شوف، بعدين عاود الاتصال فيهم.


محادثة عبد الباسط وميليس

ميليس: مرحباً سيّد مازم، أنا المحقق ميليس من بيروت، كيف حالك؟
ب. ع: جيد، يسعدني سماع صوتك، نحن نشدّ على يدك.
ميليس: أوكي، شكراً. لقد أعلمت أن لديك معلومات تريد أن تطلعنا عليها؟
ب. ع: نعم، لقد قلت له من قبل إنه لم يكن لدي أي اتصال بعائلة الحريري، لكن كانت لي صلات بجميل السيد وريمون عازار وبأشخاص من سوريا بشأن الحريري والكاردينال صفير.
ميليس: آها آها... تابع.



محادثة عبد الباسط وميليس







ب. ع: ولدي معلومات مهمة؛ لأن عائلتي تملك شركة في ألمانيا، لتجهيزات السلامة والأمان في سيارات المرسيدس للشرق الأوسط. عائلتي جهّزت كل سيارات الملوك والرؤساء في الشرق الأوسط، وكانوا بحاجة إلى بعض الأمور المتعلقة بسيارات الحريري في ما يخص الريموت كونترول والنظام التابع للريموت ونظام الحماية في السيارة. طلبوا مني الكثير من المعلومات، لا يمكنني الحديث عنها كلها على الهاتف؛ لأن هناك العديد من الأشياء التي يمكن التكلم عليها.
ميليس: جيّد، جيّد سيّد مازم...
ب. ع: وبعد اغتيال الحريري، هددوني بقتلي وقتل عائلتي وزوجتي إذا قلت أي شيء عن الموضوع، هم يعلمون أين أقيم وهم هددوني... وإذا أردت أن أقول أي شيء، يجب علي مغادرة السويد إذا أردت أن أكون شاهداً ويحقق معي في القضية. يجب أن يحصل ذلك خارج السويد. لا أستطيع قول أي شيء هنا، لأني أعتقد أن لديهم الكثير من الأشخاص هنا وهم على اتصال بحزب الله، ويوجد هنا أشخاص كثر على صلة بحزب الله.
منذ شهرين اتصلت ببهية الحريري وتركت الرقم مع الحراس الشخصيين في منزلها وعاودوا الاتصال بي، فأخذت منهم رقم ريفي (أشرف ريفي) واتصلت به، ثم أخذ رقمي وأعطاه لبو وجرى الاتصال معك. لو اتصلتم بي من قبل، لكان من الأسهل أن أعمل لأجلك منذ بداية التحقيق، ولو أنهم اتصلوا بي من قبل لكنت حذّرت الحريري ولكان قد اتخذ الإجراءات لحماية نفسه وإنقاذ حياته.
ميليس: أوكي سيّد مازم، ما سنفعله الآن هو أن نلتقي بك في السويد، سأرسل لك أحد المحققين السويديين ليراك ويأخذ إفادتك، وستلتقي بالسيد بو الذي تكلمت معه سابقاً.
ب. ع: لكن، أريد أن أطلب منك سيّد ميليس، بعض الوثائق من الأمم المتحدة التي تضمن لي سلامتي وحياتي، لأنهم يعلمون أن ما لدي لا يعرفه أحد غيري، لا يهمني التهديد، أريد أن أكون شاهداً، لكن أريد أن أضمن حياتي. وفي المستقبل يمكن الأمم المتحدة أن تضمن لي حياتي لأني لاجئ سياسي هنا في السويد. يمكنني لقاء بو هنا هذا الأسبوع لا مشكلة، لكن في 10 تشرين الثاني يمكنني الانتقال إلى خارج السويد للإدلاء بإفادتي وقول كل ما عندي. لكن المعلومات التي أملكها قد تستغرق أياماً أو أسابيع ولا يمكن أن تنتهي في بضع ساعات.
ميليس: حسناً. لكن اللقاء الأول يجب أن يكون في السويد، وتستطيع أن تناقش كل شيء مع السيد بو. وأعتقد أنّ من المناسب الأفضل أن يكون هناك نقاش البداية. ثم نرى إلى أين نتجه. سأمرر لك السيد بو. ومن الجيد أننا تحادثنا.
المحقق بو: سأحافظ على التواصل معك. وتستطيع أن تحجز يوم العاشر من نوفمبر على جدولك. (...)


مراد يتراجع عن إفادته؟

حالة الشاهد أكرم شكيب مراد مثال للتواطؤ بين الشاهد ومن لا يريدون محاسبته. نزيل مبنى المحكومين في سجن رومية يقبع خلف القضبان منذ 6 نيسان 2004، أي قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعشرة أشهر. وصدر بحقه حكمان بجرم الاتجار بالمخدرات، كل واحد منهما قضى بسجنه 5 سنوات، إضافة إلى تغريمه مبلغ مليون ليرة لبنانية.
لم يخرج مراد (سوري الجنسية، مواليد عاليه 1962) من السجن. إلا أن ذلك لم يمنعه من التقدم للإدلاء بشهادة. قال إنه كان في آذار 2004 داخل مكتب العميد رستم غزالي في عنجر، حيث كان المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج. أضاف إن شاحنة الميتسوبيشي أتي بها بمواكبة من العماد آصف شوكت، وإن شاباً ملتحياً يدعى أبو هادي أخذها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. بالتأكيد، ليست الشاحنة سلاحاً جرمياً. إلا أن ما توقف عنده الشاهد هو سماعه حديثاً بين الضباط الحاضرين عن التفخيخ والتفجير والاغتيال. أدلى مراد بإفادته عام 2007 أمام المحقق العدلي الناظر في جريمة اغتيال الحريري، القاضي الياس عيد. وقد أجرى عيد مقابلة بين الشاهد والحاج.



تسجيل منسوب لأكرم شكيب مراد







اقتنع عيد بأن مراد لا يقول الحقيقة. فشاحنة الميتسوبيشي سرقت من اليابان، بحسب تقارير لجنة التحقيق الدولية، يوم 12 تشرين الأول 2004، أي إنها كانت لا تزال في اليابان عندما رآها الشاهد في عنجر.
ورغم أن اللواء الحاج تقدّم بادعاء شخصي ضد مراد أمام القضاء اللبناني، فإن النيابة العامة لم تستجوبه، لأن القوى الأمنية لم تتمكن من العثور عليه! استمر تجاهل الاستماع إليه إلى أن علم اللواء الحاج، أن مراد لا يزال في سجن رومية، وبالتحديد في الغرفة 145 من مبنى المحكومين. أما القضاء السوري الذي تقدم الحاج بادعاء أمامه ضد مراد، فقد طلب استرداد الأخير للتحقيق معه.
قبل ثلاثة أسابيع، استجوبته القوى الأمنية الأمنية في سجن رومية، فأعاد أمامها تأكيد إفادته. وقال مراد إن ثمة من يحاول مفاوضته من أجل التراجع عن إفادته، لقاء مبلغ من المال.
قبل ذلك بأسابيع، قصد عدداً من الإعلاميين ومن المهتمين بقضية اعتقال الضباط الأربعة، أكثر من شخص يحمل كل منهم تسجيلاً مصوّراً منسوباً لأكرم شكيب مراد، يحدّد فيه نائباً في البرلمان اللبناني (وزير سابق) وإعلامياً من قوى 14 آذار، مدّعياً أنهما طلبا منه الإدلاء بالإفادة التي ذكرها أمام القاضي عيد. وقد طلب «الوسطاء» مبلغ 30 ألف دولار أميركي لتسليم الشريط لمن يدفع. ويوماً بعد آخر، بدأ السعر يتراجع، إلى أن استقر بداية الأسبوع الجاري على سبعة آلاف دولار. وفي المرحلة الاولى، طلب أحد الإعلاميين من الوسيط التثبت من الشريط المصوّر. فسلمه أحد الوسطاء نسخة عن جزء من التسجيل المصوّر، جرى التلاعب بالصوت فيه (موجودة على الموقع الاكتروني لـ«الأخبار»). ولاحقاً، سُلم جزء من التسجيل الصوتي من دون صورة (موجود أيضاً على موقع «الأخبار»)، على أساس أنه عيّنة عن تراجع أكرم مراد. وفي هذا الجزء، يقول رجل إن شخصين، أحدهما صحافي والآخر مبعوث من سياسي، ساوماه من أجل أن يقول «بعض الأشياء» عن اللواء علي الحاج، أمام مكتب مكافحة الإرهاب والمعلومات ولجنة التحقيق الدولية. ويقول المتحدث إنه قابل الحاج أكثر من مرة لدى القاضي الياس عيد، مشيراً إلى أن من طلبا منه الإدلاء بإفادته لقاء تحسين وضعه في السجن وإخراجه من السجن إلى خارج لبنان لم ينفذا ما وعداه به. وأكد أن لديه الكثير ليقوله أمام لجنة التحقيق الدولية.