تجتمع لجنة البيئة النيابية اليوم لدراسة الخطة المقترحة للنفايات من لجنة الخبراء، التي تواجه انتقادات واسعة من الجمعيات البيئية، ولا تزال مرفوضة في المناطق المرشحة لانشاء مطامر صحية في الشمال والبقاع، فيما تعكف اللجنة على عقد مروحة واسعة من الاجتماعات التشاورية للاستماع الى الانتقادات وتعديل ما امكن من البنود التي تضمنتها الخطة.


وجهت مجموعات الحراك الشعبي مروحة واسعة من الانتقادات الى القرار الصادر عن مجلس الوزراء في 9 أيلول 2015 المستند الى الخطة التي وضعتها لجنة الخبراء التي كلفها الرئيس تمام سلام رئاسة وزارة الزراعة اكرم شهيب النظر في ملف النفايات واقتراح مخارج وحلول فورية للازمة. يؤكد بيان مجموعات الحراك الشعبي ان « ايجابيات الخطة لم تكن الا خدعة وقناعاً أبيض لتضليل الرأي العام تمهيداً للتراجع عن الايجابيات ونسفها بشكل شبه كامل». يستند الحراك في هذه المقاربة السلبية للخطة الى ان مجلس الوزراء لم يكرس الخطة ولم يتبنّها إلا في الشق المتعلق بالمرحلة الانتقالية ، وان عدم تضمين الخطة كملحق في قرار مجلس الوزراء والاكتفاء بالموافقة على عناوين وتوجهات الخطة لا يمثّلان الضمانات الكافية بان مجلس الوزراء بصدد تبني الخطة بكامل تفاصيلها.
يقتضي الاعتراف بان الدور الذي تقوم به مجموعات الحراك الشعبي أسهم بشكل كبير في قبول مختلف القوى السياسية مقررات إصلاحية وجذرية لملف إدارة النفايات المنزلية الصلبة وعلى رأسها إستعادة حق البلديات في إدارة شؤونها. وفيما كان مطلب لجنة الخبراء ان تُضم الخطة كاملة الى قرار مجلس الوزراء ، فان صدور القرار بهذا الشكل بالتأكيد لن يكون كافياً لتبديد الهواجس، لذلك تعكف اللجنة خلال الايام المقبلة على ضمان صدور سلسلة من القرارات عن مجلس الوزراء واولها في الجلسة المقبلة التي يفترض أن تستكمل التنفيذ العملي لجميع البنود التي نصّت عليها الخطة، كما أن الوزارات المعنية ولاسيما وزارات الداخلية والبلديات والمال والتنمية الإدارية والبيئة تعد رزمة من القرارات والمراسيم التي ستوزع أموال البلديات وتكفل إنطلاق عجلة التدريب والتأهيل والإتفاق على المناطق الخدماتية ودفاتر الشروط تمهيداً لبدء أعمال التلزيم والتنفيذ، إضافة إلى الإجراءات الضريبية والجمركية لضمان تخفيف النفايات وإعادة تصدير النفايات غير القابلة للتدوير، التي يعوّل عليها للبرهان العملي بأن المرحلة الإنتقالية لن تتحول إلى مرحلة دائمة.
في المقابل يبدو واضحاً أن تصاعد موجة الرفض الشعبي لأي شكل من أشكال المعالجة تراكم أزمة الثقة المعدومة بين الناس ومؤسسات الدولة. وفيما يبقى التمايز السياسي حقاً مشروعاً لكل طرف، فإن مهمة وطنية إنقاذية كبرى تنتظر تظافر كل الجهود من أجل إنجاحها، فالنفايات التي تجتاح طرقاتنا وأرصفتنا وتقترب من منازلنا ومدارسنا ومستشفياتنا لن تميز بين موال ومعارض وبين منطقة وأخرى. ومع اقتراب موعد هطول الأمطار الخريفية، التي غالباً ما تكون على شكل سيول جارفة فإن الأسوأ يتنظرنا جميعاً، مع الإشارة إلى أن العديد من الحرائق التي تندلع حالياً هي بسبب حرق المكبات العشوائية في الأحراج. وفيما تواجه اقتراحات اللجنة في الشق المسمى «المرحلة الانتقالية» موجة عارمة من الاعتراضات الشعبية والاهلية، فان الواضح للعيان انه بمعزل عن اي تعديلات لبنود هذه المرحلة، يبدو واضحاً ان مؤشر «NIMBY» اي Not In My Back Yard لا يزال يسجل ارتفاعا غير مسبوق في لبنان، وهو مؤشر يعتمد لقياس القدرة على نجاح ادارة النفايات في اي منطقة خدماتية. ويتحمل مسؤولية ارتفاع هذا المؤشر جميع الذين يتماهون مع الاعتراضات الشعبية من دون تقديم بدائل عملية وقابلة للتطبيق في المرحلة القصيرة الامدى، وهو ما يهدد جميع انواع الحلول المقترحة سواء جاءت من اللجنة او من خارجها او من داخل الحراك نفسه.
ابلغ مثال على ذلك، إعتبار بيان الحراك الشعبي أن الواقع الحالي للنفايات يستدعي «إعلان حالة طوارئ بيئية لنقل النفايات المتراكمة في الشوارع فوراً إلى مواقع على مستوى القضاء تفرز فيها النفايات وتعالج قبل موسم الشتاء». الاقتراح كما ورد في البيان الذي تلي على وسائل الاعلام منقوص ومضلل، فمن جهة يعرف البيئيون جيداً أن موقع المعالجة في «الكورال» هو موقع غير مؤهل إلا لمعالجة 300 من أصل 3000 طن وبطريقة سيئة ما استدعى اقتراح إغلاقه تمهيداً لتأهيله وتطويره، وأنه ليس هناك أي مركز معالجة آخر على مستوى محافظتي بيروت وجبل لبنان، وأنه فيما لو جرت الإستفادة القصوى من جميع مراكز المعالجة في بقية المحافظات، فإن ما لا يقل عن 60% من نفايات بيروت وجبل لبنان ستبقى دون معالجة إلى حين بناء مراكز جديدة وبدء العمل فيها وهو أمر يحتاج إلى 18 شهراً، أي ما يعادل المرحلة الإنتقالية التي اقترحتها الخطة. لذلك كان من الأجدر لمن صاغ البيان توخي الدقة في استخدام المصطلحات وعدم تضليل الرأي العام في إمكانية القيام بأجزاء مفصلية من عملية الإدارة السليمة والمتكاملة للنفايات، فيما يفتقد لبنان هذه الإدارة حالياً. أما في ما يتعلق باقتراح نقل النفايات إلى الأقضية لفرزها، فإن الحراك مطالب بأن يقترح موقعا واحدا في قضاء من اصل ٢٦، وفي حال اقناع اهالي المنطقة المختارة به، فمن الممكن إستخدامه كنموذج يعتمد ويطبق خلال المرحلة الإنتقالية في حال نجاحه.


الدور الذي تقوم به
مجموعات الحراك الشعبي أسهم في اعتماد قرارات إصلاحية


تضمنت المرحلة الانتقالية التي نصت عليها الخطة تأهيل عدة مواقع واستخدامها مطامر صحية (سرار، المصنع، برج حمود)، لكنّ أياً من المواقع المقترحة لن يبدأ العمل بها قبل الخوض في مسار تشاركي مع البلديات والجمعيات في المنطقة المعنية، كما أن الدراسات العلمية المتعلقة بتأهيل هذه المواقع التي تعاني تلوّثا بيئيا غير مسبوق قد بدأ الإعداد لها ولاسيما في سرار وبرج حمود. ومن المقرر ان تشارك اللجنة في عدة اجتماعات لهذه الغاية، بينها اجتماع سيعقد في البيال لفعاليات اهلية وبلدية من عكار لتقديم شروح إضافية مفصّلة حول الإجراءات الإحترازية الهندسية والبيئية لكي تكون المطامر الصحية المزمع إنشاؤها في هذه المواقع تراعي المعايير والمواصفات القياسية المعتمدة، كما اقترحت اللجنة تشكيل لجان محلية منتخبة للإشراف على جميع الأعمال التي ستتضمنها المرحلة الإنتقالية، وضمان ألا ينتج عن المطامر المقترحة أي تلويث للمياه الجوفية أو إنبعاثات ملوّثة للهواء. علماً أن لا صحة على الإطلاق لطمر النفايات الجديدة، التي ستنتج بعد أول يوم من بدء تطبيق الخطة، دون فرزها ومعالجتها، بل على العكس ستُفرز فرزا أولياً في مركزي الكرتنينا والعمروسية قبل نقلها إلى الموقع وفرزها فرزاً ثانياً، كما أن اللجنة بصدد الإستفادة من جميع مراكز المعالجة المنشأة في مختلف المناطق للتخفيف من كميات النفايات التي ستطمر والإستفادة من المواد المسبّخة في هذه المراكز لتأهيل المواقع المشوهة.
وفي ما يتعلق بمطمر الناعمة فإن القرار واضح بإغلاق هذا المطمر نهائياً وبدء أعمال التغطية والتتريب في جميع الخلايا، إضافة إلى أعمال إنشاء معمل توليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها على القرى المجاورة مجانأ، علماً أن مرسوم حجز الإعتماد المالي قد وقّع وأحيل إلى مجلس الإنماء والإعمار للتنفيذ، مع الإشارة إلى أن اقتراح اللجنة باستخدام مطمر الناعمة لسبعة أيام فقط هو جزء من مروحة متكاملة من الخطة، ولن يبدأ تنفيذه قبل تشغيل موقعي سرار والمصنع. وهو ما يمثل الضمانة بأن الأيام السبعة المقترحة ليست تمديداً إضافياً بعد الإغلاق، بل مساهمة في حل أزمة النفايات المتراكمة، التي يجب نقلها فوراً قبل تساقط الأمطار. ومن المقرر ان تجتمع اللجنة بوفد من الحركة البيئية اليوم، يضم ممثلين عن حملة اغلاق مطمر الناعمة، الذي يطالب بضرورة تشكيل لجنة محلية منتخبة للإشراف على جميع مراحل إغلاق وتأهيل مطمر الناعمة عين درافيل، وإشراك هذه اللجنة المحلية في الخيارات المقترحة للإستفادة من المطمر بعد تأهيله، ومن المتوقع ان تجري الموافقة على هذا الاقتراح.
* عضو لجنة الخبراء