ليست فرق مكافحة الشغب وحدها استحوذت أمس على مشهد القمع الوحشي لمتظاهرين ومتظاهرات ينادون بالسلمية، بل قوى الأمن الداخلي كلّها بذكورها وإناثها، وبعناصرها في لباسهم الرسمي أو في لباسهم المدني، وكذلك «البلطجية» الذين استُقدموا تحت نظر القوى الأمنية الرسمية كتمرين لما ردده بعض الزعماء عن «الدمار الشامل» الذي ستحدثه «الحركة المدنية». لم يقتصر المشهد على عنف الدولة، بل تخطاه إلى عنف من نوع: «يلي بجيب سيرة الرئيس نبيه بري بدنا ندعسوا».


يبدو أن المتحاورين داخل المجلس النيابي اتخذوا قرار قمع الاحتجاجات بالإجماع، لم يخرج أي منهم ليستنكر ما جرى، بل إن بعضهم زعم أنه لم يعلم بما يجري. إلا أنه في المقلب الآخر، أي لدى المحتجين والمحتجات، كانت القناعة تامة: «قرروا ضرب الحراك الشعبي بأي شكل».
ما جرى أمس كان مقصوداً. لم يكن هناك أي مبرر لدى القوى الأمنية لاستخدام العنف المفرط. لم تحدث مناوشات كما في السابق، بدأ الضرب بالهراوات والركل والسحل والاعتداء على الصحافيين وتنفيذ حملة اعتقالات ممنهجة ومنظمة بحق ناشطين في الحراك... هكذا من دون أي مقدمات.
يشير بعض المنظمين إلى واقعتين حصلتا أمس كانتا الأبلغ تعبيراً عن نية السلطة المسبقة بضرب الحراك بأسرع ما يمكن وبأي طريقة ممكنة. الواقعة الأولى عندما مُنع المتظاهرون بالقوة من قطع الطريق العام بالقرب من خيم المضربين عن الطعام أمام مقر وزارة البيئة في مبنى العازارية. ضُربوا بقسوة ووحشية حتى أُبعدوا إلى تحت جسر فؤاد شهاب، ومن جلس منهم أرضاً دُعس ولُبط. أما الواقعة الثانية، فحصلت في المكان نفسه، مع فارق زمني بين الواقعتين، إذ قاد الملازم الأول في قوى الأمن الداخلي يُدعى ح. د. مجموعة من الشبان المحسوبين على حركة أمل، وعمد إلى تكسير خيم المضربين عن الطعام وضربهم مع جميع الموجودين في المكان، ونُقل أحد المضربين إلى المستشفى للمعالجة من رضوض جسيمة. وحصل كل ذلك في وقت تراجع فيه عدد كبير من عناصر مكافحة الشغب إلى داخل مبنى العازارية، ومن بقي منهم اكتفى بمشاهدة ما يحصل، علماً أن أحد الضباط الموجودين في المكان أمرهم بالتدخل لحماية المتظاهرين والصحافيين، إلا أنهم ترددوا خوفاً من المهاجمين وقائدهم.


أصرّ المهاجمون على إظهار هوياتهم بوصفهم من حركة أمل


نفت حركة أمل في بيان أي علاقة لها بما حصل، إلا أن هجوماً ثانياً حصل بعد صدور هذا البيان، رشقوا المعتصمين في الساحة بالحجارة والكراسي، وأصرّ المهاجمون على الظهور أمام كاميرات التلفزيون وإعلان هوياتهم بصفتهم من «أمل» يريدون الذود عن شرف الرئيس بري.
منذ التاسعة من قبل ظهر أمس، بدأت مجموعات صغيرة من الشابات والشباب بالتوافد إلى نقطة التجمّع المحددة تحت مبنى النهار بالقرب من ساحة الشهداء. توقع الواصلون باكراً أن تكون التعزيزات الأمنية مشددة على المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة، وتحديداً المدخل المحاذي لمبنى النهار، على غرار ما كان عليه الوضع الأسبوع الفائت. إلا أنهم فوجئوا بغياب أي عنصر من مكافحة الشغب، ووجود عوائق حديدية مربوط بعضها ببعض بطريقة بدائية جداً تسدّ الطريق. ظنّوا أن وجود قلة من عناصر الدرك في المكان (لا يتخطى عددهم عشرين عنصراً)، هو فرصة ذهبية لتخطي العوائق الحديدية والوصول إلى مكان قريب من ساحة النجمة من طريق المدخل المواجه لمبنى بلدية بيروت.
ما جرى بعد قليل، بيّن أن الأمر لم يكن إلا فخاً، إذ استُدرج المتظاهرون للتجمّع عند مدخل واحد، وهو ما جنّب المتحاورين الرشق بالبيض والنفايات عند دخولهم إلى ساحة النجمة من مداخل أخرى مختلفة. سحب المتظاهرون هذه العوائق. أبعدهم عناصر الدرك من دون استخدام العنف وحصروهم في مساحة ضيقة. ما هي إلاّ دقائق قليلة حتى ظهر أكثر من 100 عنصر من عناصر مكافحة الشعب، يرافقهم قائد شرطة بيروت العميد محمد الأيوبي. وفي لحظة وصولهم انهالوا بالضرب على المتظاهرين. الحصيلة الأولى كانت اعتقال 3 متظاهرين وسقوط عدد منهم جرحى. بعد ذلك حوصر المتظاهرون، وقف عناصر مكافحة الشغب بشكل دائري حولهم، مع ترك ثغرة صغيرة جداً لخروج من يريد من المتظاهرين بعيداً عن مكان الاعتصام. في هذا الوقت، كان الأيوبي يعطي أوامر واضحة لأحد الضباط: «خليكن مطوقينن، حتى تفرفطوهن وتعتقلوهن». توارى الأيوبي عن المكان، تاركاً عناصر مكافحة الشغب على احتكاك مباشر بين الطرفين، من دون أي ضابط. تصاعد التوتر بعدما بدا تضييق دائرة الحصار أكثر، لتبدأ بعدها الهجمة الأخيرة على المتظاهرين، هراوات هؤلاء العناصر لم تكن تميّز أحداً، حتى الصحافيين والمصورين. لحقوا بالمتظاهرين في الشوارع، ضربوهم وسحلوا بعضهم، أحدهم تلقّى ضربة مباشرة على رأسه، فوقع أرضاً وبدأت القوى الأمنية بركله.
في ظل هذا المشهد الأسود، كان عناصر بلباس مدني ينتقون متظاهرين محددين ويعتقلونهم بما يشبه عمليات الخطف الميليشياوية. حتى إنهم سحبوا أحد المتظاهرين من داخل سيارة الإسعاف. لاحقاً، تبين أن الذين اعتُقلوا بهذه الطريقة هم من الناشطين والناشطات في مجال تنظيم الاحتجاجات والتعبئة، ما دفع إلى الاعتقاد أن الهدف هو القضاء على قدرة هؤلاء على إدارة الساحة والحشد فيها. وصل الأمر إلى المضربين عن الطعام، إذ اعتُقل اثنان منهم هما وارف سليمان ويوسف الجردي.
لوحظ انتشار لعناصر فرع المعلومات واستقصاء بيروت ومخابرات الجيش والمخبرين الأمنيين بين المتظاهرين، وكان هؤلاء العناصر يشاركون في ممارسة العنف. المسؤولية الأمنية ضاعت في الساحة، ففيما كان أحد الضباط يُعطي أوامر بملاحقة المتظاهرين في الشوارع وضربهم، طلب ضابط آخر منهم التراجع، وضابط ثالث نادى عبر جهازه اللاسلكي طالباً حضور عدد إضافي من الضباط لأن «ما في عدد كافي بالساحة».
شبّه أحد المتظاهرين ما قامت به القوى الأمنية بما يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي، عندما يريد قمع تظاهرة سلمية يقوم بها الفلسطينيون، قال: «هذا الحقد غير مفهوم تجاه متظاهرين يطالبون بمطالب بديهية لجميع اللبنانيين: لا تطمرونا بالنفايات. هذا كل ما نطالب، هل هذا كثير؟».




لم يسلم الصحافيون من استهداف عناصر الأمن لهم، مصور وكالة (أ ف ب) أنور عمرو، ضُرب بهراوات مكافحة الشغب على كتفه ورأسه، وكُسرت نظارته الطبية. ولحق أحد عناصر فرع المعلومات بمصور «دايلي ستار» حسن شعبان، محاولاً سرقة كاميرته منه. كذلك كسر عناصر مكافحة الشغب إحدى كاميرات النقل المباشر التابعة لإحدى المحطات العربية. أثناء تخريب مناصري حركة أمل خيم المضربين عن الطعام، تعرض مصور «العربي الجديد» حسين بيضون لرشق حجر أصاب رأسه، فنقل إثر ذلك إلى المستشفى للمعالجة.
أثناء حملة الاعتقالات، اعتُقل عدد من الصحافيين، من بينهم نضال أيوب ويارا الحركة وخلدون جابر.