لا شيء أجمل من التنزه في وسط بيروت هذه الأيام. كل المحلات التي نهبت من أصحابها ليتملكها فرد ويعيد تأجيرها مقفلة. من لم يهرب من الوسط المقفر على وشك الهروب. كل المصارف تدفع الإيجارات وأجور الموظفين وكل مصاريف فروعها هناك دون أن تطأها قدم. ويصعب تحديد أيهما أجمل: السياج الشائك الذي يقطع الطريق إلى نصب الرئيس رفيق الحريري والسرايا وكل البوابات التي تكشف ذعر السلطة أم آلاف الشعارات والمطالب التي تغطي كل الجدران؟


ثمة وسط في غاية الجمال، تسمع فيه صوت جوليا بطرس وشيخ إمام، وترى مواطنين لبنانيين يفترشون الأرصفة وباعة كعك وسياحاً يصورون «الشعب اللبناني» وباعة مياه وعصير. المدينة التي طال البحث عنها تولد الآن؛ تلك التي يحمل أهل الأقضية البعيدة همومهم ومطالبهم إليها بدل أن يقصدوها للاحتفال فقط. المدينة التي يخاف رجال الأمن من سكانها بدل أن يخاف المواطنون من أمنييها تولد الآن. تشتمّ رائحة عرق أخيراً في وسطها، ترى شباباً يهتفون ثم يحولون قارورة المياه إلى كرة ومكعبات الباطون إلى مرمى والطريق ملعب كرة قدم. وبمعزل عن مصير الاحتجاجات لا بدّ أن تبادر الحكومة إلى إبقاء هذا الشارع كما هو اليوم: حديقة عامة. غالبية التجار والمصارف والشركات والمطاعم وزبائنهم جميعاً انتقلوا أساساً إلى «أسواق بيروت»، ولن يتضرر أحد بالتالي من إبقاء شارع واحد في المدينة المسروقة لأهلها الحقيقيين.
في هذا الوسط كان واضحاً أمس فشل تلفزيوني الجديد والمؤسسة اللبنانية للإرسال ومواقع التواصل الاجتماعي في إقناع المواطنين بمغادرة منازلهم أو أماكن عملهم لنصرة المتظاهرين وتأمين الحشد الشعبيّ المطلوب. بلغت التعبئة الافتراضية ذروتها، مع صور وفيديوات استثنائية هذه المرة، وبذل المراسلون جهداً جباراً خلال اليوم التلفزيونيّ الطويل، لكن لم تتحقق الغاية المرجوة: اقتصر الحضور على الناشطين فقط. ويفترض بالحرصاء على استمرارية التحركات ونجاحها تحديد الأسباب التي حالت أمس دون انتفاض كثيرين ضد الصور المروعة، لا لتجاهل الأسباب أو استفزازها كما فعلوا سابقاً، بل لمعالجتها وإقناع من يعنيهم الأمر بوجهة نظرهم. ثمة رأي عام لا يعجبه العجب ولديه ألف ارتباط وارتباط يفترض مخاطبة هواجسه بتواضع وهدوء. وقد ظهرت أمس الملامح الأولية لما ستكون عليه المواجهات المقبلة مع نظام قتل زعماؤه مئة ألف لبنانيّ ليفوزوا بمكتسباتهم به. ويفيد هنا لفت نظر المنظمين الذين اعتقلت القوى الأمنية عن سابق تصور وتصميم غالبيتهم أمس إلى أنهم كانوا سيخرجون من النظارات ليجدوا أقل من مئتي ناشط في انتظارهم فقط، لو لم يصدف تنظيم الحزب الشيوعي لتظاهرته السنوية في ذكرى «جمول» فتوجه جمهوره إلى ساحة رياض الصلح في الموعد المحدد لخروج الموقوفين. آن أوان إنهاء الاستعلاء وتوحيد الجهود على نحو حقيقيّ، لأن المستعدين لخوض المواجهة حتى النهاية هم أقلية يحتاج بعضها بعضاً ولا يسعها الاستمرار في «التلبيط» و»التخبيص» و»التكبر» و»التخوين» و»التذاكي». نجاح التظاهرات الكبيرة واستقطاب شرائح اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة له شروطه، إلا أن استمرارية الاحتجاجات أهم بكثير. اعتقاد «طلعت ريحتكم» أن اعتداءات القوى الأمنية والتعبئة الإعلامية يكفيان لصناعة ثورة ليس في محله. بدا واضحاً أمس أن السلطة قادرة على دهم خمسين منزلاً في ليلة، وإبرام الصفقات القضائية أو المالية اللازمة مع بعض وسائل الإعلام فينفس كل شيء. المطلوب أكبر نسبة تنسيق وتوسيع لهذا الحراك، بحيث تضرب السلطة في مكان فيردّ المحتجون فوراً في مكان آخر وتبقى الساحات الأساسية نابضة بالحياة.
أمس لم يكن يوماً عادياً في حياة بيروت. توزيع السلطة للموقوفين على ثلاثة سجون، إضافة إلى هجوم أنصار السلطة على المعتصمين قبالة ساحة الشهداء جعل المدينة كلها اعتصاماً رائعاً. وبدا للمرة الأولى أن في هذا البلد أخيراً ما يستحق متابعته. فالذهاب إلى وسط بيروت لغير لقاء أحد السياسيين المملين، وعدم السؤال عمّا صدر عن طاولة الحوار، وتناول كعكة طرابلسية تحت تمثال رياض الصلح، وعدم تكبيد الصحافي نفسه قصاص كتابة التقرير نفسه عن الموضوع والسياسيين أنفسهم للمرة العاشرة أو العشرين كان أمراً شبه مستحيل. تنفس هذه المدينة كان أمراً مفروغاً منه، لكنها تتنفس الآن.