حتى بعد أربعين عاماً على رحيله، لا يزال سان جون بيرس مرتبطاً بمترجمه الأشهر، أدونيس، وعلى نحو أقل بالبوتقة التي صدّرت شعر بيرس إلى القارئ العربيّ، أي مجلة «شعر». لم تتوقّع المجلة، أو حتى أدونيس ربما، أنّ تأثير بيرس سيمتدّ عربياً على نحو كبير يفوق أقصى أحلامهم. كان اسم بيرس حاضراً في الدوائر العربية، والشرقية، أكثر من حضوره في المشهد الأنغلوساكسوني لاعتبرات كثيرة.


ما يهمّنا هنا أنّ بيرس كان إحدى الأوراق الرابحة (إلى جانب توماس ترانسترومر، وعلى نحو أقل إيف بونفوا) التي راهن عليها أدونيس وحده، حتى بمعزل عن مجلة «شعر». لذا كانت النتيجة المنطقيّة تلازم اسم بيرس مع اسم أدونيس، أو على نحو أدق، تلازم شعر بيرس كما قدّمه أدونيس مع مترجمه، ومريدي مترجمه. أي مَنْ تأثّر ببيرس عربياً كان متأثراً فعلياً بالترجمة الأدونيسيّة التي كانت – بمعنى من المعاني – إعادة كتابة أحياناً لقصيدة سان جون بيرس العصيّة على الترجمة معظم الأحيان.
ليس الأمر هنا «خيانة للنص»، كما درجت العادة العربيّة المقيتة في توصيف الترجمة، بل كان الأمر أقرب إلى تأويل آخر للملحميّة البيرسيّة، ومحاولة تطويعها ضمن قالب أدونيسي لا يشبه أحداً غير أدونيس. لذا كانت نتيجة التأثر الأعمى ببيرس عربياً محاولةً مشوّهة لتقليد أدونيس بذاته قبل أن تكون تماهياً مع الخالق الأول للقصيدة. وحتى بعد صدور ترجمة أخرى ادّعت التزامها الأمين بالنص عام 1985 على يد التونسيّ علي اللواتي (ثم أصدرها بطبعة أخرى عام 2012)، بقي بيرس مرتبطاً بمترجمه الأول أدونيس الذي ترجم أعمال بيرس الكاملة عام 1976، ثم أعاد تنقيحها وإصدارها عام 1999.


لدى إليوت، سنجد أنّ تأثير بيرس يكاد يصل مرحلة التماهي المطلق

«الشعراء الهواة يقلّدون؛ الشعراء الناضجون يسرقون؛ الشعراء السيّئون يشوّهون ما يأخذون، والشعراء المُجيدون يجعلونه أفضل، أو مختلفاً على الأقل». تلك كانت العبارة التمهيديّة لإحدى أهم الدراسات التي تناولت تأثير سان جون بيرس على مترجمه الآخر ت. س. إليوت. تصحّ المقارنة هنا مع أدونيس، مع فارق أنّ أدونيس كان أشدّ مهارةً وأكثر صراحةً في «اقتباس» عالم بيرس الشعري في قصائده. أما إليوت فقد راهن على حضوره المُبهر ليُعمي قارئه عن أصداء بيرس الواضحة في شعره، بخاصة في «رحلة المجوس»، و»أربعاء الرماد»، والكورس في مسرحيّتَيْ «الصخرة» و»جريمة قتل في الكاتدرائيّة»، بحسب المؤرّخ الثقافي الأميركي رتشارد آبِلْ الذي كان أهم (وربما أول) من بحث في تأثيرات بيرس على إليوت.
لدى إليوت، سنجد أنّ التأثير يكاد يصل مرحلة التماهي المطلق، سواء كان هذا على مستوى الراوي، أو التخييل، أو البنية، أو الإيقاع. أما تأثير بيرس لدى أدونيس، فيمكن اختصاره في عبارة الأكاديميّة السويديّة التي برّرت فيها منح جائزة «نوبل» لسان جون بيرس عام 1960: «بسبب السموّ العالي والتخييل المصقول لشعره». هذا بالتحديد ما استهوى أدونيس في شعر بيرس الملحميّ. لم تكن ملحميّة «أناباز» تحديداً، كما كانت عليه الحال مع إليوت، بل «الغنائية الكونية [التي] ينصهر فيها الحِسُّ والذهن، الواقع والمخيلة، المرئي واللامرئي، الشعور والفكر، المجرد والمحسوس، على نحو مُدهش»، بكلمات أدونيس نفسه.
يشترك بيرس وأدونيس في الإيمان التام أنّ «كل إبداع للفكر هو «شعريٌّ» أولاً بالمعنى الأصليّ للكلمة»، ولذا سنجد بأنّ هذا الفهم ساهم على نحو كبير في جعل القصيدة «الأدونيسيّة-البيرسيّة» أكثر صفاء من القصيدة «العربيّة-الإليوتيّة» التي بدت صورةً باهتةً عن الأصل البيرسيّ، بخاصة بعد مروره في لغتين متباينتين (الفرنسيّة والإنكليزيّة) بعوالمهما، ومشهديّتهما، وتوجّهاتهما. وبالرغم من أنّ كثيرين يتفقون على «كونيّة» شعر سان جون بيرس، بخاصة في انتشار ترجماته إلى لغات عديدة ومشارب متباينة من المحافظين والكاثوليكيّين إلى الماركسيّين وصولاً إلى المحتفين بـ «الزنوجة» كليوبولد سيدار سنغور، برغم أجداد بيرس البيض مُلّاك العبيد، كما لاحظ رينيه غالار، إلا أنّ الحضور العربيّ (الأدونيسيّ تحديداً) كان ذا سمات محددة تشبه مترجمها العربيّ، وتكاد لا تلامس أصلها الفرنسيّ. وهذه سمة يمكن تعميمها على معظم مريدي القصيدة الأدونيسيّة عربياً.
بعد أربعين عاماً على رحيل سان جون بيرس، ومثلها من السنوات التي تفصلنا عن الترجمة العربيّة الأولى لشعر بيرس، لا بد من طرح السؤال المهم: «ما مستقبل القصيدة الملحميّة عربياً؟» ما يمكن ملاحظته بوضوح خلال العقدين الأخيرين على الأقل، هو انتشار «القصيدة اليوميّة» أو «الشفهيّة» على نحو أكبر من مثيلتها «الملحميّة».
هل للأمر علاقة بتلاشي الحالة الثوريّة بعد حرب الخليج، أم انتفاء دور الطبيعة في القصيدة العربيّة، أم هيمنة الرتابة اليوميّة على اللغة والشعر، وانتصار «التيار الماغوطيّ»؟ عبر دراسة أسباب انتشار القصيدة اليوميّة يمكننا إدراك سبب تراجع القصيدة الملحميّة، بل وتراجع الترجمات الشعريّة. قد تبدو هذه الجملة غريبة بقدر كبير، لكن لا بد من طرحها كي تثير شيئاً من الجدال: لا معنى للملحميّة في الشعر في زمن طغيان اليوميّ، وربما لن يعود للقصيدة الملحميّة ألقها قبل أن تنتهي هذه المرحلة المضطربة عربياً. وربما لن يكون لترجمة سان جون بيرس أيّ معنى الآن؛ زمن عام 1976 لا يشبه هذا الزمن على الإطلاق، وبذا سيبدو الاحتفاء بسان جون بيرس باهتاً بصرف النظر عن أهميّة بيرس وأدونيس.