ترجمة وتقديم: محمد الحموي


باقتضابٍ ساحرٍ هو أشبه بالتكريم غير المقصود ربما، بتكثيف وتركيز عاليين بكل تأكيد، يقدم موقع أكاديمية الشعر العالمية الشاعر الأميركي دنِس نيركس المعروف بـ دي نيركس (1949) على أنه «شاعرٌ من بروكلن» نقطة انتهى.
معمارية إنما غير متبجحة في البنيان، بل منسابة وحمّالة تفاسير، هي مجموعاته الشعرية التي وصل عددها إلى العشر حتى الآن. لعل أهمها بحسب النقاد هي «قصائد الخريف» (2002)، «جزيرة محروقة، ثلاثة أجنحة» (2006)، «الخريف» (2009)، و«ليليةٌ في بروكلن» (2012).

نال العديد من الجوائز الأدبية المرموقة في أميركا لكن أقربها إلى قلبه بحسب تعبيره هو تنصيبه «أمير شعراء» بروكلن من عام 1996 حتى عام 2001.
هنا خمس قصائد لنيركس، حيث الشعر محشو باللوعة غير المتكلفة أو المتحاذقة على القارئ، هي بسيطة من دون أن تكون عابرة، وهي متأملة أيضاً وتنقلك إلى حيث يتقلب التفسير في فراشه لساعات وحيدة مضنية:

ليلةٌ في بروكلن

فككنا زراً
أطفأنا ضوءاً
وفي ذلك السريرِ الضيقِ
بنينا المدينةَ العظيمةَ-
أبراجَ ماءٍ، أحواضاً،
أسقفاً إسفلتية حارة، منتزهات
شوارعَ متشعبة كالشرايين،
حي «كانارسي» الشعبي، أخاديد متشابكة،
الشاطئ، الجبالَ التي تحتَ الماءِ،
أجرافاً، جُزُراً، القارةَ الثانيةُ،
مستخدمين فقط راحات أيادينا
وأطرافَ لسانينا، بعد ذلكَ
صنعنا العتمةَ، وعندها
حلَّ الفجرُ وأغمضنا عينينا
وعددنا الأرقامَ لبعضنا البعض
حتى بزغتْ الشمسُ
وكان علينا أن نفك المدينة إلى قطعٍ من جديدٍ
لأنه لا وجود سوى لبروكلن واحدة.


زفافٌ في سلسلة جبال دولِمتس

تبادلنا الكلامَ عبرَ قطع الجبنةِ،
فككنا أغلفتها بحذرٍ بالغٍ،
مبعدينَ القشرة باستخدام شوكةِ الطعامِ،
متذوقين القسم الطري، القسم المتعفن، الملح،
رافعينَ حاجباً،
أو سمحنا للتشيانتي أن تتكلم بالنيابةِ عنا،
مدورين إياها في كأس،
محدقين- الدنيا مظلمة ولامعة
مثل الحدقة، التي حدقت بدورها فينا-
أو قمنا بتعريةِ أحدنا الآخر؛
سرنا في نزهاتٍ طويلةٍ يداً بيدٍ
في الكرومِ، في المراعي،
ناقمينَ بشدةٍ على بعضنا البعضِ
بسبب سعادتنا التي عزلتنا
تماماً كما فعل بنا العالمُ،
جبلاً بعدَ جبلٍ.

الغرام الأول

(إلى لوِس روبنسن)
أنا طفلٌ يقومُ بدورِ روميو
مُغْرَمٌ بجوليت بلا هوادة
لكني لا أستطيعُ البوحَ بذلك.
أستطيعُ فقط تكرارَ الأسطرِ
في ثياب التمثيلِ القاسيةِ
التي تفوح منها رائحةُ النَشاءِ، صماغُ الأشجارِ،
وريشُ الطاووس الخارجِ تواً من محلِّ التنظيفِ.
عينا أمي الوسيعتان تتحديانني
من بينِ الجمهورِ، وكذلك عينا جوليت
من مكانها المُعَّلمِ بالطباشيرِ
على بعدِ خطوطتينِ اثنتينِ جنوباً فوقَ المنصةِ الشمعيةِ.
أستطيعُ فقط التلفظ بهمساتٍ صوتيةٍ
مع بعضِ الإيماءاتِ المبالغِ بها،
ضربةٌ من سيفي الكرتوني المعقوف-
إن جعلتُ النص عبثياً
فستعرفُ أني قصدتُ هذا-
عندما أقاتلُ تايبُلت
فهذا لمصلحتها
لكنه يبدأُ بلكمي
ولا أستطيع ردَّ لكماتهِ بالمثلِ
لأنها مسرحيةٌ،
ضربةٌ سيفٍ أرضية، ضربةُ سيفٍ خاطفةٍ هجوميةٍ- أطعنهُ،
تنطفئُ الأضواء،
يفصلُ بيننا السيد بيرفِس
بنَفَسهِ المتوحش الذي يشبه رائحة السمك
وبلعناته التي تفحُّ
لكني لا أستطيعُ أن أفحَّ في وجههِ
لأنه ثمة نصٌ عليَّ اتباعهُ
وهكذا سيكونُ الحالُ دائماً،
حتى في هدأةِ السيارةِ
مسرعاً نحو البيتِ عبر حقولٍ مستأجرةٍ.

أتعلَّم أن أقرأ

1.
هنا العالمُ، تماماً بالقربِ مني،
حديقةٌ صغيرةٌ فيها أرجوحةٌ،
قليلٌ من الأوساخ ومِجْرَفةٌ،
لكن ليس لدي أي فكرة كيفَ سأصلُ إليها.
أخي هناكَ، يلعبُ بكرة من طرازِ سبالدين،
هناكَ أبي يأخذ قيلولة في الظلِّ،
أمي تنظف الكلب القذر،
تتوقف أحياناً لتنفض الفرشاة.
عليكَ أن تصنعَ كل تلكَ الأشياء من الخربشات
مثل مِجَسَّات النملِ الميت.
2.
في الليلِ أتخيلُ سريري المخصص للبكاءِ.
إن تبولتُ في منامي
سأبقى طفلاً إلى الأبد.
أمي تعطفُ بي، أبي
يسامحني بصوته الناعمِ الخارجِ من أنفهِ.
مستيقظاً، أتلمسُ طريقي إلى مكانٍ رطبٍ
لكن لا: تلكَ الملاءةُ جافةُ كيدي.
حلمتُ فقط بالساعةِ التي تدقُ،
الحنفيةِ التي تنقطُ ماءً في الغرفةِ المجاورةِ.
سأجدُ السرَّ
سيبتلعني كاملاً.
3.
اِدْفع البوابةِ وادْخل مسرعاً
لكنه «أبٌ» يتمطى بتراخٍ،
فاركاً عينيه الحمراوين، «أخٌ»
ذهبَ إلى المتجرِ ليشتري وايفرز من طراز نِكو،
«أمٌ» تقطفُ زهرةً متورمةً
لا اسم لها في أي لغة.

الكلاسيكيات الأستونية

التهمتْ ألسنةُ اللهبِ المنزلَ. هذه كليشة، فكرتُ، احترقَ المنزلُ. هذا لأني كنتُ أقرأ طيلةَ النهارِ والليلِ. ربما تركتُ المَوْقِد يعملُ بعد أن طهوتُ عُجَّة بيضٍ. أو تركتُ لفطيرة النُسالةِ (يقصد قطته المنزلية- م) أن تدخل النَّشافة. هكذا كانت روعة الكتاب، بالرغم من أن النقادَ الذين دَرَسوه كل حياتهم، حياتهم التي تمضي بِنَفَسٍ، يدّعون أن الكتاب لا يقدم أي أجوبة. أمسكتُ نسختي ووضعتها جانبَ صدري، بينما كانت الغرفةَ تغصُّ براوئح جمرات ثاقبة، وقمتُ بتقديرِ المسافةِ إلى المخْرَجِ. الممرُ الذي دخلتهُ كانَ دخاناً، لكن المقبض على جانبِ البابِ أومضَ حيثُ وضعهُ عقلي. كوى أصابعي.
كانَ اليومُ صاخباً وصامتاً في آنٍ معاً، لأن ما حدثَ يجب أن يكون قد حدثَ داخلَ الدماغِ أو في الرحمِ أو في أغوار المحيط. زمجرتْ ألسنةُ اللهبِ بصمتٍ. صوتٌ لم يكن متوقعاً له أن يُسْمَعَ إنما أن يدمِّرَ السمعَ عن بكرةِ أبيه.
في حديقتي الصغيرة شجرةُ سروٍ في أصيصٍ حَجَريٍّ، مقعد حجري مزدان بعروق المرو، بحيرة سمك شبُّوط. نثارُ الجمر يتساقطُ في الماءِ، يتوهجُ ويهسهس. اختفى السمكُ. ربما علمَ بوجود تشققاتٍ في الأرضية الإسمنتية.
هل كان بإمكاني إنقاذُ أحدٍ ما؟ كلبٍ واحدٍ؟ كل ما استطعتُ تخيلهُ هو الفصلُ الأخيرُ، الذي يصورُ قرى إقليم نارفا؛ أكواخ بأفاريز تشبه حواجب العين ومصاريع نوافذ هلالية؛ أوصاف محببة، رغم أن الكتاب ليس خجولاً عندما يتعلق الأمر بالمعاناة. إذاً، الكل هنا؟ حتى في تلكَ العِبارةِ كنتُ أقسمُ نفسي قسمينِ اثنينِ، السائلَ وصاحب السلطة. ربما لم تكن أفكاري جُملاً على الإطلاقِ إنما مجرد ألسنة لهب. بينما كنتُ أشاهدُ ما يحدثُ، تحطَّم زجاجُ نافذةٍ، كاشفاً مِرجلَ نارٍ. خطوتُ إلى الوراءِ، وقد غطتني الشظايا الفخارية. زوبعةُ شرارات عصَفت حيثُ كانتْ مكتبتي-كل شرارةٍ كلمةٌ تطيرُ؟ شعرتُ أني لم أتعرض لأذى. منيعٌ أو مبعوثٌ بعدَ الموتِ. لكني عندما لمستُ خدي، ارتدتْ يدي كأنها كانت ملتصقةً بهِ.
سأدمرُ الكتابَ لو فتحتهُ من جديدٍ. كنتُ مُشْبَعاً. كانَ الدخانُ قد غطاني كالبرقعِ. الآن أمشي في شوارع هذه المدينةِ حيثُ عشتُ دائماً وأتساءل أين الجميع، العاشقُ، الأبُ، الأمُ، القطةُ التي في فمها ريشةٌ، الفتى المفقود في لعبةٍ، كلهم كلهم ذهبوا ليعيشوا بين أغطية كتابٍ من جلدِ العجلِ.