تنهج مجلة «بدايات» الفصلية لغة حوارٍ مختلفة عن المعتاد في المجلات الثقافية/ الفكرية. تبدو «بدايات» مختلفةً عن سواها، سواء لناحية عناوين أبوابها وفصولها، طريقة الرسوم بداخلها، إضافة إلى طبيعة المنشور. تحتل اليمن غلاف العدد الجديد من المجلة، كما ملفه «من باب أولى». في مقالته، يخوض رئيس تحرير المجلة الكاتب فواز طرابلسي مطولاً في تاريخ الأحداث في اليمن، والعلاقات السعودية ـ اليمنية المضطربة التي أوقدت حرباً طويلة الأمد، قد لا تكون نهايتها وشيكة.

بعد ذلك، تشرح الروائية والصحافية اليمنية بُشرى المقطري (مقال «26 مارس 2015 أفتح عيني وأتذكر البداية») ماذا يحدث اليوم في اليمن. تروي مشاهداتها اليومية حيث السلاح بات «لغة الشارع اليمني الآن، يتحدث بها الشباب والأطفال والنساء في لياليهم المظلمة». تتحدث بلغة الواثق كيف أنّ «الجميع» في اليمن يرفضون المشروعين «السعودي واليمني» كما لو أنهما مشروع واحد. بدوره، يتناول الزميل جمال جبران مدينة عدن في مقاله «عدن، مدينةٌ مفتوحةٌ على الألم». يمتاز نص جبران بكونه مفعماً بالمشاعر، ومغرقاً في الواقعية.

أما في «من صعدة إلى عدن، هاوية الزمن التي لم تردم»، فتقارب الكاتبة والباحثة اليمنية ميساء شجاع الدين الصراع بين «صعدة» كونها معقل الحوثيين ومدينة تعيش «منعزلة»، وعدن «أيقونة التنوع» و»إحدى أكبر حواضر اليمن». طبعاً تحاول الكاتبة إظهار الفارق الكبير بين «صعدة» ذات الطبيعة القاسية (والسكان القساة حكماً) وعدن وأهلها المتفتحين على الآخر، المتقبلين «للغرباء». إذا استثنينا مقالي فواز طرابلسي وجمال جبران، لا ريب في أن ملف العدد ينحو إلى رأيٍ واحد من دون ميزة إعطاء رأيٍ آخر وأبعاد مختلفة، فلم نسمع رأي «أنصار الله» ولا «مؤيديهم» بل «جلدوا» بطريقةٍ منهجية كما لو أنه أمر مدروس.
من أبوابها المجلة الأخرى، نجد «خبز وملح» الذي يتضمن مقالاً للباحث الكويتي مرزوق النصف تحت عنوان «التنمية في دول مجلس التعاون، نيوليبرالية في خدمة السلطات». يشرح الكاتب أربع رؤى للتنمية في مجلس التعاون الخليجي هي رؤية قطر، الكويت، أبو ظبي، والبحرين كما يتناول مفهوم النيوليبرالية المرادف للرأسمالية الحديثة التي باتت تطبق في دول الخليج العربي.


لقاء مع الاقتصادي والمنظر الفرنسي طوما بيكيتي
وفي باب «الثورات بشبابها»، تأتي مقالة الصحافية اللبنانية زينب سرور «عن شياطين بريئة» متحدثةً عن العلاقة بين التابو/ المحرم والعادات والتقاليد، وتجاورها بذلك مقالة الممثلة والمؤلفة المسرحية مريم حمّود «العيب» التي تتحدث عن مفهوم «العيب» المرتبط بالأعضاء الجسدية، والسلوكيات الجنسية والحرام الديني والشعبوي. طبعاً، لا ينفع عددٌ من مجلةٍ ثقافية (عربية حالية) من دون الولوج في «العمق» السوري، فنغوص مع الشاعرة السورية لينة عطفة ضمن «قلعة خارج السور» في «سلمية» المدينة السورية التي تزورها الكاتبة قارئةً ألمها وحزنها الشديد فيها وعبرها.
في باب «كتاب»، تتناول «بدايات» كتاب «الصراعات على البحر الأحمر عشية الإسلام» وهو باللغة الإنكليزية ويقرأه «مطولاً» (يمتد على 11 صفحة من المجلة) المحامي السابق في منظمة اليونسكو والمتخصص في القانون الدولي سهيل الزين. يرخي الحدث اليمني بظله على الكتاب واختياره، فالحديث «يمني» والقضية «يمنية». وضمن باب «فيها نظر»، تقّدم المجلة لقاء مع الاقتصادي والمنظر الفرنسي طوما بيكيتي الذي يقارب وجهة نظرٍ جديدة في عالم «الاقتصاد المعاصر»، فيقول: «يستخدم الاقتصاديون سيلاً من النظريات ويتوهمون أنهم يتبعون النهج العلمي على الرغم من أن أساسها الواقعي قد يكون هشاً للغاية». بعد ذلك، يقرأ الأستاذ في «جامعة نيويورك» دايفيد هارفي نظرية بيكيتّي ضمن مقالته: «اتفاق على الخلاصة وخلاف على الحلول». يبدأ المقالة طارحاً سؤالاً: «هل بيكيتي بديلٌ عن ماركس». بعدما أصدر المفكر الفرنسي كتاباً سمّاه «رأس المال في القرن 21» وانتشر وحقق نجاحاً كبيراً، هل يكون بديلاً منطقياً للمفكر الألماني الأشهر؟ يتعمّق هارفي في السؤال، شارحاً كيفية تناول بيكيتي لكثيرٍ من أفكاره مناقشاً ومعللاً. أما في ختام هذا الباب، فيناقش الكاتب الفلسطيني اليساري سلامة كيلة مع سمير أمين مسألة «الماركسية التاريخية»، منطلقاً من أفكار لينين وتحليلاته للماركسية التاريخية والعداء لأميركا. وفي ملفات «ذاكرة»، نجد نوستالجيا لفواز طرابلسي حول أربعينية حرب الـ75 ويتناول بول أشقر الفكرة ذاتها أيضاً. يختتم هذا الباب مع المناضل الشيوعي وأحد مؤسسي نقابة مزارعي التبغ في الجنوب حسين بعلبكي حاكياً عن نضال أهالي عيترون عام 1968 وانتفاضتهم الشهيرة يومذاك. إلياس خوري لا يغيب عن المجلة (عضو في مجلس التحرير الاستشاري) فيكتب في فصل «نون والقلم»، مقالته «بحثاً عن البرابرة» مقارباً جميع مراحل «السقوط» العربي تاريخياً، وصولاً إلى كتاب الفرنسي ميشال سورا «الدولة البربرية في سوريا».
يضمّ عدد «بدايات» مقالات أخرى متنوعة، ويكافئ قراءه بنشر شعرٍ «عامي» للأخوين رحباني ويفرد فصلاً كاملاً للمؤلف الموسيقي والمايستور توفيق الباشا. تزهو «بدايات» بعدد وافرٍ من الصور واللوحات والتصاميم التي تجعلها ذكية، وتكاد تلامس فتنة «الديجيتال» لمن يلمسها للمرة الأولى. الألوان بسيطة هادئة، واللوحات جرى اختيارها بعناية، وإن كان العتب الوحيد ـ والشديد- هو تمترس غالبية كتّابها ضمن طرفٍ واحدٍ، ما يضعف المجلة ويهزلها.