لا يتمسك خليل صويلح في كتاباته بشيء، كما يتمسك بالمتعة، كأنها خيار تبناه كصحافي، روائي وحكّاء، كما في الحياة، كذلك على الورق، لا تهجر الخفة والسلاسة مادته السردية أو النقدية، ولا يسمح لها بأن تهجره. يدعمها بمعلومات مغربلة بهدوء، وبعين ثاقبة ترى وتقدّر الذروة الدرامية في أي حكاية. في كتابه الجديد «قانون حراسة الشهوة» (نينوى ـ دمشق)، يتحرك صويلح في مدارات يعرفها جيداً، إما عبر قراءات متقنة عن كتّاب وشعراء عالميين، أو عبر احتكاك مباشر بشخصيات أدبية سورية وعربية قاسمها أجواءها وحكاياتها وهمومها في مدن لا تمنحك الكم الكافي من الخصوصية، أو حتى التألق، فتنفيك على حدودها إن لم تنغمس في اشتباكات عقائدية، وهموم فنية ووجودية، أو حتى دسائس ونميمة وكراهيات معلنة ومخفية، تُطلق من على صفحات الجرائد، أو من تجمعات غرائبية في مقاه ثقافية متداعية كما حال البلاد التي أنتجتها.

تتردد في أجواء الكتاب أصداء وأصوات لأهم نجوم المشهد الأدبي السوري، ممدوح عدوان، زكريا تامر، وليد اخلاصي، غادة السمان، حنا مينه، نزيه أبو عفش، مرام المصري، سنية صالح، والماغوط، أدونيس بالطبع... يحضر كل من يحمل له خليل صويلح مساحة في القلب، أو ذكرى في الوجدان، كما تحضر السخرية المحقة من كل غبي مرّ بحياته أيضاً.

في ملف عن الأدب الإيروتيكي في جريدة «الثورة» السورية، وفي بحث يعلن العفة الأدبية معتنقاً، يمر صويلح، على كل من دلى دلواً مترجرجا، متعثرا وساذجا، عبر النبذ والانتقاص من الأدب الايروتيكي، لكن الرد يأتي في الكتاب عبر لغة تشبه «المذبحة» لا ينجو أحد فيها من السخرية اللاذعة التي الحقها صويلح بحراس الفضيلة، المنافحين عن الأدب اللائق غير الرأسمالي! تجد نفسك «تضحك» وقد انحزت لاشعورياً لمصلحة الحرية، بكل تطرفاتها، ولغتها المتهتكة، والرؤية غير الطهرانية، التي بشر بها صويلح معجباً بهنري ميللر، وبوكوفسكي، وأناييس نن، ويتركك تغرق سريعاً في سجالاته، في صحتها، وأخطائها، في جدواها، وعدميتها، تقتنع معه بسبب حماسة ونبض حارين، لنص متماسك ورشيق، ورؤية لم يتخل عنها، وجدت لمصلحة كل ما هو حر في نص حداثي مهما بلغت فجاجته. تقتنع كقارئ لأنّ النص عند صويلح ليس ديموقراطياً، والنقاش في مادته الصحافية النقدية محسوم لمصلحة طرف واحد، هو رأيه الذي يدعمه بمنطق واضح غير مخاتل، فلا يترك مادته تغلق على سؤال مفتوح، لأنك منذ الحرف الأول، تجد نفسك منقاداً لمنطق محبوك الحجة، مغموس بتفاصيل تراثية، وتأصيل فلسفي، وتشبيك متقن بملاحم وأساطير، يمررها لك عبر المنتج الأدبي لروايات وشعر هذا العالم، محلاة بغمزات وتوريات وأسماء لشخصيات أدبية محلية وعربية ونجوم عالميين في الثقافة والفن. ترافقك الحكايات عن الجميع مجدولة بنمائم صغيرة محببة على طول النص، وتترك لك معظم الأحيان ضحكات لئيمة متشفية، وأخرى معافاة وطربة، وقد يطيحك الحنين، فتتذكر أسماء معارفك أنفسهم، أساتذتك، من أحببت، من كرهت، وخاصة في مدينتك تلك الشام التي تبدو بعيدة ومغلفة بسكر الحنين والدموع، تستعيدها مع صويلح في تفاصيل تعرفها، عن معظم كتاب وشعراء البلد الذين نُثروا في أرض الله التي ضاقت بناسها بعد الحراك/ الحرب كما سماها. تقرأ الكتاب وأنت تضبط نفسك متلبساً بدموع مالحة بالفقد حيناً، وبالآهات حيناً آخر.


استعادة لشخصيات سورية وعربية قاسمها أجواءها وحكاياتها وهمومها

يبدو الكتاب إن اجتزأت همه الفكري مثل دليل للقراءة. قل لي ما تقرأ اقل لك من أنت، فكتاب أميركا اللاتينية هنا، بجوار شعراء ومخرجين من إيران. المترجم الأثير المصاب في فلسطينيته وسوريته، صالح علماني أدرجت لسيرته صفحات كثيرة. هناك أيضاً حكايات مشعّة عن الموت والخذلان، حيث يلبس موت الشاعر السوري رياض الصالح الحسين، لون الشفق، عندما نعلم أنه قُتل بالهجران من عشيقة اكتشفت خيانته ولم تغفر. نجد أيضاً الحسد من بصلة غونتر غراس التي قشرها حتى الدموع في مكاشفة عن العيش والكتابة. مكاشفة لم يجرأ على فعلها عربي إلا محمد شكري، فتجاهلته لغته الأم، وفتحت له الفرنسية أحضانها. تقرأ وتقرأ، لكنك تكتشف بعد صفحات عدة أنك على موعد مع حياة كاملة، لبلاد عشنا فيها، ورسم كتّابها خرائطها الحقيقية، وكشفوا مذاقاتها وتضاريسها للعامة وللذّواقة .
ربما كان أفضل لو اقتصر الكتاب في تقصيه السيري، الحكائي، الفكري، على كتّاب سوريا ومثقفيها، لبدا أكثر تماسكاً وقصدية في مراده، ولبدت الشام وحكاياتها الهامشية، مدينة شديدة الغني، لكنها مع العدد الهائل للكتاب المذكورين تبدو هامشية الانشغال، ضعيفة الأداء، ومعطلة للابداع بضيق افقها، وجفاف منابع الافكار فيها، بحيث تترك مبدعيها ينزلقون إلى النسيان بسهولة.
في «قانون حراسة الشهوة»، تحضر الأسئلة الأولى عن الحريات، فكرية وجنسية. يحضر الحديث عن الكشف وهتك المحظورات، وقوة الوثيقة الأدبية في السرد. نلحظ بشدة، المأزق الحاضر للمثقف العربي في عدم الافصاح والخوف من المكاشفة، يتمثل في التناقض الهائل الذي وقعت فيه غادة السمان مثلاً، عندما نقلت كلام الطرف الآخر من معادلة المكاشفة، فنشرت رسائل غسان كنفاني «العاشق الخائب» وأخفت المرأة المُلاحقة بالعشق، رسائلها له.
المواضيع الإشكالية ثقيلة الوقع لا تنقص هذا الكتاب. التشابك العنكبوتي للفكرة وتجوالها في مخيلة كتاب عديدين وملاحقتها في منبعها، وفي تطورها الشرنقي، هو واحد من عوامل الجذب في هذا الكتاب الهام، الهام لأنه يمتلك جلال وكمال الوثيقة، ورشاقتها أيضاً. هام لأنه يحمل التاريخ على أجنحة الأدب، فيطفو خفيفاً كندف الغيم، هام لأن الجنس الفني الذي يندرج تحته هذا الكتاب، هو خليط آسر من سيرة ذاتية وتأملات، ودليل لقراءة بلد، بل بلدان.
في كتاب الذاكرة هذا، تتمنى لو أنك ذُكرت، حتى لو مهجواً، تتنهد في غربتك وتقول: كم أفتقد الطاولة «المخلوعة» في مقهى «الروضة»، وفنجان القهوة «الماصلة».