كان ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكنت ما أزال أدرس في مصر، وأكتب الشعر وأنشره في الدوريات الثقافية آنذاك، مثل مجلة «الشعر» و«إبداع»، و«القاهرة»، وبعض الصحف العربية مثل «الشرق الأوسط» التي تصدر في لندن، ولها مكتب في القاهرة، يتلقى المساهمات ويرسلها، ويصرف مكافآت لا بأس بها في ذلك الحين بالنسبة لطالب مثلي ما زال يعتمد على أهله في كل شيء. كان الشعر هو هاجسي بالفعل، ظللت أكتبه منذ أن كنت مراهقاً وكان بالعامية أولاً. كانت أغنيات تشبه كل الأغنيات، عن الحب والهجر والعاطفة ثم في منتصف الثمانينيات، قررت أن أكتب الشعر بالفصحى. وفي عامين، أتقنت كتابة القصيدة الحرة، ووصلت إلى سكك النشر التي ذكرتها، كما أوصلني الشعر إلى تلك المقاهي القاهرية التي يتجمع فيها الكتاب والشعراء، وكل محبي الأدب والفنون، وفيها تعرفت إلى الكثيرين وتعمقت صداقتي بالكثيرين، وكنت مغرماً بقصائد محمد عفيفي مطر ومحمد سليمان، وعبد المنعم رمضان وحلمي سالم، وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، كما كنت مغرماً بروايات صبري موسى، وعبد الحكيم قاسم، ومحمد مستجاب وكثيرين غيرهم. وأصبح معظم من أجالسهم أصدقاء، أقرأ عليهم قصائدي، ويقرأون قصائدهم وقصصهم وفصولاً من رواياتهم. كنت آتي إلى وسط القاهرة مرة في الأسبوع، وأحياناً مرتين، حين أحس برغبتي في الانعتاق من جو الدراسة الرسمي، ومخالطة من أعشق أجواءهم الكتابية.


كانت مسألة شاقة، أن تعمل لتصبح طبيباً، وأن يعذبك الشعر ولا تستطيع أن تفلت من عذاباته. لقد فكرت كثيراً أن أنزوي وأهجر ما ظننته فخاً من فخاخ الحياة، يتلاعب بمستقبلي، لكني لم أستطع، بل وكنت سعيداً جداً وأنا أكتب القصيدة بشكل شبه يومي، وأذهب بحصاد الأسبوع إلى واحد اسمه: كرم، كان يملك مكتباً للنسخ بالآلة الكاتبة. كان ينسخ قصائدي، بعد استخراجها من خطي صعب القراءة، ثم لتجد بعض هذه القصائد طريقها إلى النشر بعد ذلك.
كانت مقاهي القاهرة إضافة إلى ضمها للمبدعين المصريين والعرب المقيمين، تحتفي أيضاً بالمبدعين الزائرين لمصر، الذين يأتون بلا أي خيار لملاقاة أهل الإبداع في تلك المقاهي، وأتاح لي ذلك أن ألتقي بكثيرين كانوا أعلاماً في ذلك الحين، وزاروا مصر لسبب أو لآخر، فالتقيت بالجزائري: الطاهر وطار، والشاعر اللبناني بول شاؤول، وشاهدت محمود درويش مرة لكني لم أقترب منه، والتقيت مرة بأكاديمي فلسطيني يعمل في أميركا، اسمه محمد صديق، ويقيم موقتاً في القاهرة لإكمال بحث ما. أخذني ذلك الرجل الرائع إلى بيته القريب من وسط البلد، وأراني بحوثاً كتبها في الأدب العربي باللغة الإنكليزية، ومنها بحث عن رواية الطيب صالح المعروفة: موسم الهجرة إلى الشمال، لكنه كان الوحيد الذي نصحني بالانتباه لدراستي، وترك أمور الكتابة لأنها بلا مستقبل، وكان محقاً، واكتشفت صدق نصيحته بعد سنوات لم أجد فيها أي ضوء حتى ولو معتم في سكة الكتابة هذه.
كانت علاقتي بالشاعر محمد سليمان ولا تزال، علاقة مميزة. سليمان أستاذ كبير، على المستوى الشعري والإنساني، وهو إحدى العلامات التي لا بد أن يتوقف عندها المرء في طوافه بالشعر العربي المعاصر، ويعدّ ديوانه «سليمان الملك» واحداً من الدواوين القليلة التي تهب المعنى والمعرفة والجمال في آن. سليمان علمني صياغة القصيدة، والتقاط الصورة، وكان يحتفي بنصي كأنه نصه ويبحث عني إن غبت، وغضب بشدة حين هجرت الشعر باكراً وكتبت الرواية. كان ذلك بعد أن توثقت صلتي بالكاتب الموهوب الراحل عبد الحكيم قاسم، وكيف أن روايته «طرف من خبر الآخرة» أثّرت في بشدة، وجعلتني أركض إلى قراءة كل ما كتب، وما كتب غيره في مجال الرواية، ثم بعد أشهر عدة أكتب روايتي الأولى: «كرمكول والحصانة القروية»، رواية صغيرة، شعرية حتى النخاع لكنها حركت فيّ شيئاً كبيراً اسمه عشق السرد، وكانت بداية لمشروع استمر حتى الآن.


رهنت ساعتي وحصلت على مبلغ لنشر الرواية عام 1988، والتي سيتحدث عنها الناس في المقهى لبعض الوقت وسيكتب عنها العظيم محمد مستجاب

كرمكول هي قريتي التي ولدت فيها، وهي قرية نيلية عادية في شمال السودان وحقيقة لم أعش فيها لكني كنت أزورها مع أسرتي وأنا طفل، كل عام، حيث نقضي الإجازة الصيفية. قادمين من مدينة بورتسودان التي عشت فيها معظم سنواتي، أو مدينة أخرى انتقل إليها والدي للعمل موقتاً، قبل العودة مرة أخرى لمكان استقرارنا مدينة بورتسودان.
لكن لماذا كرمكول؟ لماذا ليس بورتسودان التي أخبرها جيداً ويمكنني أن أكتب عنها نصوصاً أفضل كما سأفعل في المستقبل بروايات مثل «العطر الفرنسي» و»٣٦٦» و«مرايا ساحلية»؟
أظنها قناعة كانت راسخة في، وهي عشق اللغة الشعرية التي ارتبطت في ذهني بالسحر والغموض، وفي قناعتي أن القرى أكثر غموضاً من المدن، وأكثر بثاً للإيحاء في كل وقت، وبالطبع تغيرت تلك القناعة في ما بعد. المهم أنني جلست أفكر في السرد ذات ليلة، أفكر بعمق وأستعيد كلاماً قاله لي عبد الحكيم قاسم، أن قصيدتي تحمل نفساً سردياً حكائياً وأنه يمكنني أن أجرب كتابة رواية، لعلي أنجح. جلست أفكر وكنا في بداية شهر رمضان، اليوم الأول كما أذكر، كان المدخل إلى الرواية صعباً للغاية، ولا بد من خبرة في القص لا أملكها، استعدت في ذهني عشرات الشخصيات، وعشرات الحكايات التي جرى بعضها في قرية كرمكول وبعضها في المدن التي مررت بها، وحتى في مصر حيث أقيم، وتذكرت حادث اغتصاب قديم، عاصرت وأنا طفل يستمع إلى حكايات الكبار ولا يفهمها، حيث اغتصب أحد الأعراب المقيمين حول القرية، طفلة أو حاول ذلك، لم أعد أذكر بالتحديد.
إذن عثرت على شخصياتي وبدأت أكتب القرية بكلاسيكية الشخوص والعلامات والألوان والروائح، رسمت شخصية إمام لا بدّ موجود، ومؤذن لا بدّ موجود، ومثقف سيتحدث عن معارفه وتاجر سيتحطم وسيحلم كثيراً، وتحدثت بشغف أذكره حتى الآن واستمر طوال شهر كامل بمعدل خمس ساعات يومياً عما ظننته روايتي التي ستهز عروش الروائيين، وتصبح من العلامات. أكملتها في شهر بين محو وإعادة كتابة وتعديل لسلوك الشخصيات أو زيادتها تفاهة، وهكذا، حملتها إلى كرم الذي كان يكتبها على الآلة الكاتبة ويسألني: كيف لا يملك ولد كارا مشية يمشي بها؟، كيف يرتدي صابر ولد الشيخ نصف قميصه؟
كرم كان ناسخاً على الآلة الكاتبة، صاحب مهنة تدر بعض الرزق لكنه ليس قارئاً حتى لتلك الأفكار التقليدية، ناهيك عن الفنتازيا اللغوية، وفنتازيا الشخوص والتصرفات التي عبأت بها كرمكول. سلمني المخطوط أنيقاً بالآلة الكاتبة بعد خمسة عشر يوماً وكان محبطاً جداً، أنه أنفق برفقته وقتاً طويلاً ولم يحصل مني إلا على جنيهات قليلة، وكان يعرف أنني طالب مفلس، أعتمد على أهلي في المصاريف، ولا يعرف أن الشعر الذي كان ينسخه لي، يأتي ببعض المال. كان سؤاله وهو يسلمني المخطوط عادياً من شخص مثله: هل هو بحث في الجامعة؟
ذهبت بمخطوطي في نفس يوم تسلمي له إلى مثقف فذ اسمه محمد الشيمي، كنت ألتقيه أحياناً في أحد المقاهي، ونتحدث في الأدب وهو الذي دلني على رواية «عوليس» لجيمس جويس وأعارني نسخته من «دون كيشوت»، وأرشدني إلى «دار الشؤون الثقافية العراقية» التي كانت في وسط القاهرة وتبيع كتباً بمبالغ زهيدة للغاية. كان الشيمي في بيته وكان والده المسن مريضاً ويتأوه من ركن في الصالة التي جلسنا فيها، لكن المثقف أرخى أذنيه بكل سخاء، منحني أربع ساعات من يومه، قرأت فيها «كرمكول» كاملة، لأجده يصفق لي بعد ذلك، ويخبرني بكل وضوح أن محاولتي الأولى برغم عدم وضوح الحكاية فيها إلا أنها ناجحة جداً، فقد عثرت بولادتها على أسلوب يمكنني استخدامه بعد ذلك نوعاً من الاختراع، وأن علي السعي إلى نشرها فوراً بلا تأخير. كان يحدثني وينظر إلى يدي اليسرى ثم سألني أن أريه ساعتي، وشهق حين نزعتها وأمسك بها: إنها ساعة رولكس بآلاف الجنيهات ألا تعرف قيمتها؟ والحقيقة كانت تلك هدية من والدي لدخولي الجامعة، ظللت أرتديها سنوات طويلة، ولا أعرف قيمتها، والآن عرفت، لكن ما يهمني هو ما عرفته من رأي في الرواية التي سأسعى لنشرها.
أظنني طفت بروايتي «كرمكول» كثيراً، طفت بها على مثقفين وكتاب أثق في رأيهم وأشادوا بها، طفت بها على ناشرين ولم يهتموا حتى بإلقاء نظرة على أوراق كرم المنسوخة بضجر، ولأن الآراء كانت مشجعة فعلاً فقد انتفى اليأس من رحلتي لأنشرها، وقفزت الساعة الكنز إلى ذهني، ساعة قد تحل المسألة، وبالفعل، ذهبت غير آسف إلى محل للرهن، أعطيتهم الساعة وحصلت على مبلغ سأدفعه لأنشر روايتي الأولى «كرمكول والحصانة القروية» عام 1988، والتي سيتحدث عنها الناس في المقهى لبعض الوقت وسيكتب عنها العظيم محمد مستجاب، وسيتكهن كثيرون أنها بيضة الديك، وللأسف لم يصدق ذلك التكهن بالتحديد، فقد كانت كرمكول رواية أسلوبية فقط، فيما عدا ذلك لم تكن الحكاية قد أخذت حقها، وتبقى فضيلتها أنها منحتني الثقة أن أكتب غيرها، وأن تصبح لي تجربة بهذا الحجم.