باريس | صانع الضوء ألكسي ليجي (31 أيار /مايو 1887 ــــ 20 أيلول/ سبتمبر 1975) المعروف في الأوساط الشعرية والثقافية باسم الشهرة سان جون بيرس، كان عليه أن يأتي من هناك، من الطفولة الحقيقية، تحديداً من جزيرة «بوانت آ. بيتر» في الغوادلوب، المستعمرة الفرنسية في بحر الكاريبي. يصف إيمي سيزير هذه الجزيرة الرازحة تحت النفوذ الفرنسي بأنها «مسطحة، ممدة، متعثرة في بديهياتها، جامدة، مُصابة بوفود المارّين عليها، متمردة على مصيرها، لا صوت لها، محبَطة في كل الاتجاهات، لا تستطيع أن تأكل من ثمار أرضها، مُحرَجة، ممنوعة، مقطوعة من الرفاهية والازدهار».


يتماسّ هذا الوصف مع الأفق الشعري الوعر لسان جون بيرس الممسوس بهويته الكريولية، كان له صوت متفرّد يُخْصب مفرداته في عبوره مياه جزر الأنتيل الدافئة وسماواتِها وأقمارها، لكن يروق له أن يبني نصّاً متماسكاً كـ «داون تاون»، مزيجٌ فريد من التضمينات المعقّدة والتجريب الطليعي والسيطرة على الشكل والمعمار:«كروزو! في هذا المساء، بالقرب من جزيرتك، ستأتي السّماء لتلقي مدائحها للبحر، والصمت، سيضاعف من تعجبات النجوم المتوحّدة. أنزل الستائر، ولا تشعل الضوء: إنه المساء فوق جزيرتك ومن حولها، هنا وهناك، في كل مكان حيث يستدير إناء البحر استدارة تامة، إنه المساء لون الأجفان، فوق الدروب المنسوجة من سماء وبحر. الكل مالح، الكل لزج وثقيل كدم حي»
التحق بجامعة مدينة «بوردو» لدراسة الحقوق. هناك سحرٌ ما في بُعد المسافة، ورجل الجُزر الذاهب الى فرنسا يخلق حوله هالة مفعمة بكلمات مثل: باريس، مارسيليا، السوربون، بيغال، هذه الكلمات هي مفتاح ذبذبات السحر. يرحل من المرفأ ويهجر إحساسه بالضآلة كلما اقتربت السفينة من وجهته.
بيرس الباحث عن ينابيع الماء فوق قشرة العالم، التقط النبض الحي لروحية الشرق الأقصى العتيق ودمجه في صلب قصيدته الموصولة في الجوهر بخلفية إيمانية مسيحية وثقافية إغريقية - لاتينية، ساعياً إلى إقامة حوار بين الأشكال المجزأة والمتناثرة للحضارات واللغات. أعلن عن لونه في قصيدة «صُوَر إلى كروزويه» التي نشرت في «المجلة الفرنسية الجديدة» عام 1909 وبعدها بسنتين نشر في المجلة ذاتها قصيدته الملحمية الشهيرة «مدائح» التي خلقت حدثاً عير مسبوق في مغامرة الشعر الحديث.
دخل بيرس السلك الدبلوماسي عام 1914، وبدأ مهماته في بكين، ومنها انتقل إلى فرنسا، وعندما جرّده بول رينو وزير الخارجية الفرنسي عام 1940 من مهامه في الوزارة، اعتبر ذلك إهانة له ورفض الوظيفة المقترحة عليه، وقرر أن يأخذ درب المنفى إلى الولايات المتحدة ليصبح مستشاراً أدبياً في «مكتبة الكونغرس» في واشنطن ويحاضر في «جامعة هارفارد».
صاحب نوبل (1960) استتبع اشتغاله على اللغة ووضع انعطافات في منهج القصيدة، لكنه بقي بمعزل عن التأثر بتيارات عصره الشعرية من دادائيّة وسريالية. يُقال دونما مبالغة إن مجموعة القصائد التي تناهز الـ 120 قصيدة طويلة أو متوسطة، التي كتبها إزرا باوند تحت عنوان موحّد هو «الأناشيد» the cantos، هي الإنجاز الوحيد العظيم للغة الإنكليزية في ميدان النوع الملحمي، ربما منذ قصيدة ملتون««الفردوس المفقود» التي تعود إلى القرن السابع عشر. «مدائح» هي الأخرى ثبّتت أرضيتها من أناشيد وتأملات روحية وفلسفية وحفريات ثقافية وتاريخية مدهشة في الحضارة الحديثة، تُعيد إنشاء أكثر من ألفي سنة من التاريخ الغربي، في مونتاج من الأسطورة القديمة والشذرة التاريخية والأغنية والحكاية. وكان مدهشاً أن يحقق هذا النص المعادلة الصعبة بين إحياء الكثير من عناصر التراث، وتجريب أدوات الحداثة.
رغم هذه الأثقال، ظلت نبرته غنائية وتجلت قدرته على تطوير مجموعة كبيرة من الأشكال الشعرية التي تميّزت بمهاراتها الإيقاعية وتمثّلها لآداب آسيوية وشرقية، صينية ويابانية ومصرية وسومرية وكنعانية. كما صاغ عدداً من المفاهيم الأساسية للحداثة الشعرية، لكن قراءته لا تزال تعاني من صعوبات وعتمات، فكل قصيدة ترتبط بنسيج معقد من العلاقات التي يقيمها بين عناصر تاريخية متداخلة (استشهادات، إحالات سياسية، لسانية، فنية) كأنه يريد من القارئ أن يقف مطوّلاً عند دلالة كلماته كما لو كان أمام نص إغريقي أو لاتيني صعب.
كاترين بيدل الشاعرة والناقدة الأدبية الأميركية التي كانت على مدى 30 سنة صديقته وكاتمة أسراره. تؤكد في كتابها «سان جون بيرس من الداخل» أنه طبّق طيلة حياته استراتيجية ترمي إلى صياغة أسطورته بدقة متناهية. لقد كان الشاعر «الرسمي» يرفض التكريم والدعوات، ويشتكي من نشر أشعاره من دون موافقته ويؤكد أنه لم يكن يسعى للحصول على جائزة «نوبل». لكن المؤلفة التي تعرفه معرفة حميمة تؤكّد أنه كان رجلاً «مسكوناً بخدمة مساره الأدبي وشديد الاهتمام بأبسط مقال يُكتب عنه وهدفه كان الشهرة». لقد كان يريد أن يعطي عن نفسه صورة شاعر لا يهمه سوى فنّه، وأنه لا يريد نشر أعماله بينما كان يرسل مخطوطاته سرّاً لناشرين أو لمجلات أدبية مختصّة. «كان يسعى إلى النشر من دون إعطاء الانطباع بذلك». أما حلمه الأكبر فقد كان نشر صورته على الصفحة الأولى من الـ «نيويورك تايمز».


التقط النبض الحي لروحية الشرق الأقصى العتيق ودمجه في صلب قصيدته الموصولة بخلفية إيمانية مسيحية وثقافية إغريقية - لاتينية
وهذا ما حصل عام 1948.
بعد نشر ديوانه العتيد «أناباز» (1924)، تخطى صيت سان جون بيرس النطاق الفرنسي المحدود واخترق صوته الشعري الكثير من الآداب الوطنية الحديثة الأوروبية والأميركية واليابانية والزنوجية-الأفريقية. كما أسبغ حيوية كبيرة على الأدب العربي المعاصر من خلال التحديات التي طرحها نفَسه الملحمي وصياغاته القوية الغامضة واستبداله بحور الشعر الفرنسي التقليدية (مثل السكندري ذي الإيقاعات الإثني عشريةّ) بموسيقاه الخاصة. تعرّف إليه القارئ العربي من خلال ملحمة البحر مترامية الأطراف «منارات» التي نقلها أدونيس إلى العربية - وإن كان أعاد الصياغة بكلماته هو، والتركيب بأسلوبه، والتشكيل على وفق ما يريد، وانحاز له الشعراء التموزيون مثل جبرا إبراهيم جبرا وبدر شاکر السياب ويوسف الخال وجميعهم کانوا من شعراء مجلة «شعر».
مسألة «التناص الأدونيسي» مع سان جون بيرس، اعترف بها أدونيس في مقال في مجلته «مواقف»، ودافع عن نفسه من ناحيتي تماثل المعاني، ومفردات اللغة. نجد من بين نقاده من يذهب إلى أن بيرس هو «الذي علّم أدونيس كيف يكتب قصيدة النثر، كما نقل إليه شيئاً من ملحمتيه، ونظرته الكونية، وجلال أسلوبه، وجرأة صوره» كما كتب ماهر شفيق. وأشار كاظم جهاد إلى أن «هذا الإدغام لمقولات وجمل هائمة في التراث العربي والعالمي يخترق في الواقع، وبلا مبالغة، عمل أدونيس كله، ويكفي أمامه أن يُعمل القارئ ذهنه ويستنفر ذاكرته الثقافية ليقع على العجيب من الأخذ، الذي يخلو أحياناً من كبير تمعّن بالقول المأخوذ».
«أناباز» كتاب ألفه إكسينفون اليوناني تلميذ سقراط، يروي فيه انسحاب جيش المرتزقة اليوناني، الذي كان يقوده في وقائع مشهورة إلى داخل اليونان. والكلمة في اليونانية تعني الغزو الداخلي بعيداً من البحر. من هنا جاءت تسمية هذه القصيدة التي كتبها سان جون بيرس عندما كان موظفاً في السلك الدبلوماسي في بكين إثر رحلة في صحراء جوبي. تحكي قصة أمير بلا مملكة، يظهر في الحملة بلا انتصار ولا بداية أو نهاية، مثل عوليس بلا إيثاكا. جاء صوت أناباز موسَّعاً، ممدداً في الطبيعة والفضاء والموت وأدخل إليها ت. س. إليوت عناوين جديدة بعد ترجمتها إلى الإنكليزية.
عند مدخل القصيدة ثمة أغنية تأتي لتدق نداء البعيد «آه! ما أكثر الراحة في طرقاتنا! آه ما أكثر حكايات العالم! والغريب على هواه يضرب في مسالك الأرض كلها». مثل سندباد، بين غزوة وأخرى يحثّ الأمير فضولٌ لاهف للرحلة. وبين مدّ وجزر، يتشكّل جسد مدينة بعيدة المنال، مثل المدن التي صوّرها الرحالة الفلورنسي ماركو بولو لقبلاي خان في «مدن لا مرئية» لإيتالو كالفينو، تبقى منفى الروح الدائم ونقطة البحث عن شيء مُفتقد. يستدير بيرس نحو غربته، ليرى مدينة مغسولة بالتيارات الحارة، منسوجة من حكايات مربيات زنجيات وبحارة وجنود وبائعي توابل. تعوم على مهمل في طفولة بعيدة: «دهون/ ورائحة رجال مستعجلين، ماسخة كرائحة مجزر/حموضة أجساد النساء تحت التنورات/ يا لك من مدينة فوق السماء».

قبل وفاته بثلاث سنوات، نشرت دار «غاليمار» ضمن سلسلة البلياد، أعماله الشعرية الكاملة التي راجعها الشاعر بنفسه. من القصائد الطويلة التي تتضمّنها هذه الأعمال الكاملة إضافة إلى ما سبق ذكره «منفى» (1942)، «أمطار» (1942)، «ثلوج» (1944)، «رياح» (1946)، «منارات» (1957).