ما يحدث في القدس منذ نحو عام ونصف إلى الآن هو انتفاضة بمعنى الكلمة، ولكن لها ظروفها ومنطقها المختلف عمّا كنا نشهده في الماضي، وذلك لاختلاف مجمل الواقع الفلسطيني اليوم. وهو الواقع الذي لا يزال يحاصر هذه الانتفاضة داخل المدينة وضواحيها، ويجعل من تأثيرها وامتدادها إلى بقية الضفة المحتلة بطيئاً، ولكنه في الوقت نفس تأثير تراكمي، بات يثير جدياً مخاوف السلطة الفلسطينية أولاً، ويربك العدو في كيفية مواجهتها والتعامل معها ثانياً.


الإشكالية السائدة في تناول ما يجري حتى الآن، ميدانياً، تتمثل في الانطلاق من مبدأ المقارنات بين الماضي والحاضر، لأن هناك من بات يريد لأي انتفاضة محتملة أن تنفجر على طريقة الانتفاضة الأولى أو الهبات التي وقعت في التسعينيات مثل هبة النفق وهبة الأسرى، أي حدث ما يقع فيثير رد فعل ويتردد صداه داخل كل الفلسطينيين ليتوحدوا في عمل نضالي واحد. هذه المقارنة تبعدنا عن حقيقة الدور الذي تلعبه انتفاضة القدس اليوم وأهميتها المتوقعة، فميكانيكية العلاقة بين الفلسطينيين قد غابت، والعوامل المادية والمعنوية بينهم التي توفر شروط الاستجابة المشتركة قد تفتتت.
بدلاً من ذلك بُني بينهم وداخلهم وبإتقان، جدار معنوي ونفسي سميك، قطّع أوصالهم ودمر الجامع والمشترك بينهم. ومنذ انهيار «منظمة التحرير» وغياب البرنامج الوطني والاختلاف حوله واختفاء المؤسسات والاتحادات البؤرية القادرة على الحشد والتنظيم، واستبدالها بكمّ ضخم من المؤسسات الأهلية التي لا دور نضالياً لها، صار الفعل والاستجابة المشتركة والموحدة أمراً صعباً للغاية. وهو ما يمكن لمسه في مستوى التفاعل في الضفة مع العدوان على قطاع غزة العام الماضي، ويتكرر اليوم متمثلاً في بطء الاستجابة والتناغم مع انتفاضة القدس الحالية.
هناك إرث ثقيل تركته الانتفاضة الثانية ولا يزال ماثلاً في ذاكرة الفلسطينيين نتيجة عسكرة عمياء غير مدروسة لهذه الانتفاضة، حولت أغلبيتهم إلى متفرجين لا حول ولا دور لهم في ما يحدث، وعزلتهم عن الفعل وحمّلتهم أعباء رد الفعل فقط. ونذكر جيداً أن تلك العسكرة غير المحسوبة تحولت في ما بعد إلى «فوضى سلاح» ضاق بها الناس ومقتوها، وهو ما سمح للسلطة باستغلال هذا الاستياء الشعبي لرفع شعار «السلاح الشرعي»، الذي يعني أن لا سلاح بعد اليوم إلا سلاح «الأجهزة الأمنية الفلسطينية»، ثم طرحت ما يسمى «المقاومة الشعبية» بديلاً، حتى إنهم ما لبثوا أن قلموا أظفارها وقطعوا أطرافها حتى انتفت عنها صفة المقاومة نهائياً. وليس أخيراً جاء المشروع الاقتصادي الذي ترافق مع هذه الشعارات ويهدف أساساً إلى تدجين الفلسطينيين لقبولها والعزوف عن فكرة الانتفاضة.
ضمن هذا المشهد المعروف، تأتي انتفاضة القدس التي اشتعلت باشتعال جسد الفتى محمد أبو خضير، وتتفاوت وسائلها بين إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة بصورة أساسية، وعمليات الدهس والطعن ثانياً، ولا نبالغ إن قلنا إن قوة وأهمية ما يحدث في هذه المدينة منذ ذلك الوقت، يكمن في طبيعة الوسائل بحد ذاتها، لكونها تتيح المجال للمشاركة الشعبية أمام مختلف الفئات المجتمعية من رجال ونساء وشباب وكبار سن، وذلك في استحضار جميل ومكثف لروح الانتفاضة الأولى.
هذه الحشود التي نراها يومياً في شوارع وأزقة القدس وباحات الحرم، مع الحجر في مواجهة جندي مدجج بالسلاح، والفتيات والفتية المبتسمون وهم يقتادون إلى السجن، والمتاريس والإطارات المشتعلة، تشكل معاً لوحة تعيدنا إلى أكثر من عشرين عاماً حينما كان الشعب الفلسطيني متجانساً طبقياً ومتشاركاً في تحمله عبء الاحتلال وثمن النضال قبل أن تنخره «ثقافة السوق» ويتشظى حلمه الوطني الكبير إلى أحلام فردية.
المشترك بين الانتفاضة الأولى وما يجري في القدس، اليوم، هو العمل النضالي الوسطي بوسائله، أي غير المسلح لدرجة تصادر الساحات من القاعدة الشعبية العريضة، وهو ليس «انبطاحياً» كما يريده محمود عباس. إنه يتصف بالوسطية التي باتت تستقطب شيئاً فشيئاً شرائح أوسع من الفلسطينيين يتردد صداها في أكثر من محل من مدن الضفة المحتلة وقراها، على شكل أحداث متفرقة. لذلك، ما تفعله القدس منذ عام وارتباطاً بالسياق الذي سبق عرضه، أنها تنبش ببطء في الجدار السميك حتى يتداعى وينهار في النهاية.
وإلى أن ينتهي ذلك النبش، المطلوب هو الاستمرار والتمسك بهذه الوسائل النضالية حتى يبقى الباب مفتوحاً أمام الجميع، لحماية هذا التحرك والفعل الميداني من الانتهازية الحزبية التي باتت في السنوات الأخيرة آفة تحرف العمل الوطني عن مساره وتجيره لأهدافها الضيقة. كذلك من الضروري ألا يحضر اليأس من ضعف التجاوب الشامل، فنحن أمام واقع معقد يفرض على من يطمحون إلى التغيير أن يؤمنوا بجدوى تراكم الفعل، وبأن قطرة الماء قادرة على صنع بحيرة.
عن هذا الواقع المعقد، علينا أن نشير إلى أن أي تحرك شامل في الضفة مستقبلاً لا بد أن يصطدم أولاً بالأجهزة الأمنية للسلطة. الأحداث التي وقعت في الأيام القليلة الماضية في بيت لحم بين شباب متظاهرين وعناصر من «الأمن» حاولت منعهم الاقتراب من «نقاط التماس» مع جنود العدو، وتكررت في أماكن مختلفة وأوقات سابقة، تشير بوضوح إلى ذلك؛ فهذه الأجهزة أعدت وتدربت وصرفت عليها الملايين استعداداً لهذه اللحظة، أي لحظة الانتفاضة أو المواجهة الشاملة ضد العدو.
يوم أمس، حذر محمود عباس، خلال زيارته باريس، المجتمع الدولي، من احتمال وقوع هذه المواجهة، في محاولة لاستجدائه للحصول على مطالب لا ترقى حتى إلى الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين. ويدرك كل من عباس وإسرائيل والمجتمع الدولي عموماً أن المواجهة في الضفة تختلف عنها في قطاع غزة، ففي الضفة يتمركز جل المشروع الاستيطاني والجغرافيا مفتوحة للاشتباك المباشر الذي يصعب السيطرة عليه في ما بعد بقرار سياسي، إضافة إلى أن للضفة أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة إلى العدو، لهذا نتوقع أن تبذل الجهود في لقاء الأمم المتحدة المقبل لنزع فتيل الانفجار.
على كل، تبقى المراهنة على ما بدأ في القدس، وعلى مبدأ تراكم الفعل والوعي، فالانتفاضة المقبلة حينما تقع ستسير في عكس الطريق الطويل والسيئ الذي أخذونا إليه طوال عشرين عاماً مضت، لذلك دعونا نكف عن مقارنة اليوم بالأمس، ولندرك طبيعة الحاضر جيداً حتى نجيد التعامل معه.