وكأنّ الحاج الذي كان محظوظاً بالوصول إلى أرض الحجاز ونال فرصة أداء مناسك حجه في مكة لا يكفيه حجم المعاناة في بلده للاستحصال على تأشيرة الحج. يقضي عمره في السعي لادّخار ما يخوّله الحصول عليها مضطراً إلى تخطي العقبات التي تضعها أمامه الدولة التي تدير موسم الحج.


تضاف إليها القيود الصعبة عليه من قبل دولته المضطرة إلى الالتزام بالحصة المعطاة لها من قبل السلطات السعودية. وكأن حجم المعاناة اقتصادياً وجسدياً ونفسياً لا يكفي الحاج الذي يصل إلى مكة ــ التي دعا إبراهيم ربه أن تكون آمنة، حتى تطالعه رافعة حديدية ضخمة تسقط عليه من هنا، أو حريق يداهم غرفته في الفندق الذي نزل فيه من هناك. أو موكب أمير سعودي يقتحم «منى» فتفتح له الطرقات وتقفل في وجه الحاج، وهو واقف منهك تحت أشعة الشمس والحرارة لامست الخمسين درجة ينتظر حتى يفرغ «طويل العمر» من رمي جمراته، وعندما تفتح بوابة واحدة عرضها أربعة أمتار ليدخل عبرها هو وعشرات الآلاف من الحجاج يحصل التدافع والكارثة.
هل خطر في بال أحدنا أن ينظر بتمعن في تقاسيم وجه أحد الحجاج الصرعى في مشعر منى يوم الخميس الماضي؟ هل تساءل أحدنا عن قصته مع رحلة الحج وما الذي قاساه هذا المسكين في بلده؟ وماذا اضطر إلى أن يصنع حتى تحمله قدماه إلى مكة لأداء فريضة الحج؟
يبلغ عدد المسلمين حول العالم نحو 1،6 مليار نسمة، أي ما نسبته 23% من مجموع سكان العالم وفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث» في تقرير نشره بتاريخ 23 نيسان من العام الحالي. ولأن الحج فريضة على كل مسلم مرة في عمره، فإن الملتزم من المسلمين يبقى يرنو إلى أداء هذه الفريضة ما دام مستطيعاً مادياً وبدنياً. منذ عامين وسلطات آل سعود تفرض تقليصاً وقيوداً مشددة على حصص كل دولة من الحجاج، بسبب أعمال التوسعة في الحرم المكي وحوله، فتم تقليص حصة كل دولة بما يتناسب مع عدد سكانها من المسلمين. وبعدها تحدد كل دولة من يُعطى تأشيرة الحج ومن يبقى اسمه على قائمة الانتظار للأعوام القادمة، ما خلا بعض الأسماء الذين تعتبرهم السعودية خطيرين على أمنها وبالتالي يُرفض طلب التأشيرة لهم.
في بعض الدول التي تحصل على حصص للحج، ينتشر فساد من نوع مقزّز، يرتبط بالرشى المالية والمحسوبيات وعدم المساواة في إعطاء تأشيرات الحج لمستحقيها. فأندونيسيا أكبر البلدان الإسلامية من حيث السكان، التي حصلت على حصة 178000 حاج هذا العام ــ بعدما كانت حصتها 211000 حاج عام 2013 ــ وفي ظل ارتفاع طلبات الحج، وضعت نظاماً محكماً لتحديد من ومتى يذهب إلى الحج. فالمواطن الأندونيسي الطامح للذهاب إلى الحج عليه أن يدفع مبلغ 2000 دولار أميركي على الأقل، وهو أجر سنة كاملة لعامل من ذوي الدخل المحدود في العاصمة جاكرتا، حيث يعتبر من أعلى الأجور مقارنة بأي مكان آخر في البلاد. وهو المبلغ الذي يعادل ثلاثة أضعاف دخل 43% من الأندونيسيين الذين يعتاشون بأقل من دولارين يومياً، وفقاً لتقارير البنك الدولي الصادرة عام 2011. مبلغ الـ 2000 دولار يحجز للأندونيسي مكاناً في قائمة الانتظار الخاصة بالحج، ومدة انتظاره تختلف باختلاف منطقته بين 12 عاماً في أحسن الأحوال و17 عاماً في أسوئها. ويذهب المال إلى صندوق الحج الذي تديره وزارة الشؤون الدينية في جاكرتا التي شهدت عام 2014 فضيحة تمثلت بخضوع شوريادارما علي، وزير الشؤون الدينية آنذاك، للتحقيق في شبهة اختلاس مبلغ 14 مليون يورو من أموال الصندوق الخاص بالمسجلين في قائمة الانتظار لأداء فريضة الحج.
باكستان والهند وبنغلادش، البلدان التي تأتي في المراتب الثانية والثالثة والرابعة على التوالي من حيث حجم حصص الحجاج سنوياً، لديها أنظمتها الخاصة بتحديد من يحج. الحكومة الباكستانية تعتمد نظام القرعة لاختيار حجاج كل موسم، وتضع عشرات الآلاف من مقدمي طلبات الحج على قائمة الانتظار. لكن ناشطين باكستانيين اتهموا الحكومة أخيراً باقتطاع أجزاء من الحصة، وإعطائها لعدد من أصحاب حملات الحج الكبار مقابل رشى مالية.
واحد من كل أربعة مسلمين هنود ممن يرغبون في أداء فريضة الحج هذا العام فاز بتأشيرة الحج، بناءً على نظام معقّد من الحصص الفرعية والقرعة على مستوى الدولة والمنطقة. عام 2012، قضت المحكمة العليا الهندية بإجبار الحكومة الاتحادية على التخلي عن أكثر من خمسة آلاف تأشيرة حج من الحصة التي اقتطعتها لتوزيعها على «شخصيات مهمة» في ظل الحاجة الماسة إلى كل تأشيرة لتلبية طلب الفقراء من الناس. فيما استبعدت السلطات في بنغلادش 30000 طلب حج بسبب نظام الحصص، علماً بأن ثلث المتقدمين بطلبات الحج دفعوا الأموال المطلوبة. حتى إن دولاً بحصص قليلة كجنوب أفريقيا لم تستثنها السعودية من عملية اقتطاع الحصص، فقلصت حصتها من 2500 حاج إلى ألفين، ومن لم يحالفه الحظ من المتقدمين بطلبات الحج سينتظر 6 سنوات ليحين دوره.
في خضم هذه الظروف التي تقيّد الراغبين في أداء مناسك الحج، يحاول الكثير منهم الالتفاف على القيود التي وضعتها السعودية، فالحجاج من غير السعوديين الذين يؤدون فريضة الحج دون استصدار تأشيرة خاصة بالحج ويتم القبض عليهم، يواجهون الترحيل الفوري من السعودية مع منع دخول إلى البلاد لمدة 10 سنوات. ثم يأتي مغرد سعودي في «تويتر» يسكن الرياض ليتّهم ويزايد على هذا الحاج المسكين الصريع الذي عانى ما عاناه من «مملكة الإنسانية» وحكومة بلده ــ التي اضطرت إلى أن تلتزم بالحصة التي أُعطيت لها ــ من دون أن تجرؤ على الاعتراض على ما يقرره أمراء نجد. فالعقاب والحرمان جاهز كما حصل مع السوريين وبعدهم اليمنيين والأحزاب والهيئات والشخصيات التي تجرأت وعارضت سياسات «مملكة الخير» في المنطقة، وكل ذلك يبقى برسم أمة المليار وستمئة مليون مسلم التي تنازلت عن حقها في إدارة الحج عام 1926، بعدما سيطر عبد العزيز آل سعود على مكة والحجاز وفرض الأمر الواقع بأنه المقرر الوحيد لمصير الأرض المقدسة دون شريك له في ذلك، وعلى نهجه سار أبناؤه.