في غمرة الانشغال الداخلي بترشيح الرئيس سعد الحريري لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية، جاء نفي وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لوجود صفقة سعودية ــ إيرانية عاملاً أساسياً في تظهير موقف الرياض من التسوية التي أوحى الحريري ومستشاروه أنها تتم برضى سعودي كامل.
وبحسب مصدر سياسي مطّلع، فإن تدخل الجبير بهذه الطريقة الصريحة لم يكن الهدف منه نفي ما قيل عن حوار سعودي ــ إيراني في فيينا فحسب، بل أيضاً تطويق مفاعيل التناقضات التي أحدثها كلام السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري، حين أدلى بسلسلة مواقف حملت تأويلات حول موقف الرياض من تسوية باريس. ففي حين أوفدت الرياض العسيري الى بيروت، بعد شيوع خبر التسوية، لإيجاد مخرج لائق للفوضى التي أحدثتها مبادرة الحريري، ساهمت تصريحات السفير، بعد زيارته مسؤولين لبنانيين، في تعزيز جو البلبلة، إن بسبب التناقضات التي حملتها أو لأنه أسيء استخدامها وفُسِّرت بطريقة ملتبسة. وهذا ما حسمه وزير الخارجية السعودي بعبارات مباشرة، لإيضاح الموقف السعودي من التسوية، من دون الدخول في متاهة الزواريب اللبنانية.
أرادت الدوائر المعنية بملف لبنان في الرياض، والتي تريد حكماً إنهاء الشغور الرئاسي، أن توضح مرة أولى وعلانية أن السعودية لم تدخل في تسوية مع إيران ولا مع أي طرف داخلي أو إقليمي حول رئاسة الجمهورية، وأن هذا الحوار لم يحن بعد، وأن الظروف التي تسمح بإجراء الانتخابات وبعودة الحريري الى بيروت لا تزال غير متوافرة. وهي أرسلت، من خلال الجبير، رسائل مباشرة الى من يعينهم الامر بأنها ليست في وارد خلق مزيد من الفوضى الداخلية حالياً، ولا سيما في أوساط القوى التي تعتبرها حليفة لها، وأنها تسحب بذلك كل شك في أن التسوية مرضي عنها سعودياً.

العلاقات المتأزمة بين الرياض و8 آذار تستبعد وجود أي تسوية

وتزامناً مع كلام الجبير، الذي كان يتحدث بعد قمة دول التعاون الخليجي، أضيفت أيضاً إحدى الدلالات القوية على ابتعاد السعودية عن أي حوار يتعلق بلبنان أو بالتسوية الرئاسية التي يقوم بها الحريري، هي في تغييبه عن بيان قمة مجلس التعاون، إذ خلا البيان من أي اشارة الى لبنان أو حتى الدعوة الى إجراء انتخابات الرئاسة فيه، علماً بأنه تناول في فقراته كل دول المنطقة من مصر الى العراق وسوريا وفلسطين وليبيا وإيران. وفي هذا الابتعاد "الرسمي" عن مقاربة الرياض للوضع اللبناني إشارة أكثر وضوحاً تجاه الذين كانوا يشككون في الموقف السعودي.
في المقابل، جاء إعلان السعودية تأسيس تحالف إسلامي لمحاربة الارهاب، في خطوة تشكل منعطفاً في مقاربة الملفات الاقليمية بعيداً عن الإطار الذي يُعمل عليه حالياً بين روسيا وواشنطن، ليؤكد أن الرياض ترسم مساراً جديداً في سياستها الخارجية وفي ما يتعلق بالوضع في سوريا والعراق، ومن خلال طبيعة الأهداف التي حددتها في مهمة مكافحة الارهاب. وإذا كانت السعودية لا تزال تتعامل مع الوضع في سوريا تحت عنوان ضرورة إزاحة الرئيس بشار الاسد ــ والجبير نفسه كرّر دعوته الى التنازل سلمياً أو عبر الحل العسكري ــ فإن واشنطن بدأت تقترب بعض الشيء من الرؤية الروسية لمستقبل سوريا والحل السلمي فيها. وكلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس عن دعمه خطة أميركية في شأن إعداد قرار في الامم المتحدة حول سوريا، تزامناً مع الاتصال الهاتفي بين وزيري الخارجية الروسي والاميركي، سيرغي لافروف وجون كيري، قبل اجتماع نيويورك، يمكن أن يكون له ارتداد سلبي في السعودية التي تضع نصب عينيها إسقاط الأسد، في شكل سريع، وعدم الذهاب الى تسوية سلمية في ظل استمراره في الحكم، أياً كان عنوان بقائه.
ولا تنفصل الخطوات السعودية الاخيرة عن إطار سعودي تريده الرياض في التعامل مع إيران، ومع حلفائها، أياً كانت هويتهم، في اليمن أو في سوريا أو لبنان. وإذا كانت سعت الى إدخال لبنان في قائمة دول التحالف لمحاربة الارهاب، بتشاور منفرد مع رئيس الحكومة تمام سلام، فإن موقف وزير الخارجية جبران باسيل، وبعده موقف حزب الله، يؤشران الى أن طبيعة العلاقات المتأزمة بين الرياض وفريق 8 آذار تستبعد وجود أي تسوية توافق السعودية من خلالها على الإتيان برئيس من هذه القوى وصديق للرئيس السوري، فيما حزب الله يجدد اتهامها بالارهاب ويصف معطياتها بالمشبوهة. ومن قال إن السعودية تريد تسوية بأي ثمن، ولو كان الثمن عودة الحريري الى بيروت؟ علماً بأن الانطباعات التي يتركها رئيس الحكومة السابق اليوم في الدوائر السعودية الحالية تختلف تماماً عن تلك التي كان يخلفها في ظل وجود العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز.
وإذا كانت لا توجد آفاق تسوية سعودية مع أي طرف إقليمي أو دولي في ما يتعلق بسوريا وبمصير الاسد والتسوية السلمية فيها، أو مع الاطراف اللبنانيين المعارضين لصيغة التحالف ضد الارهاب ومندرجاته، فكيف يمكن الحديث عن تسوية رئاسية برعاية سعودية في ظل هذا المشهد؟