فيليس باور، شابة ألمانية صاحبة «وجه نحيل، لا تميزه أية دلالة تقريباً»، رآها فرانز كافكا مرة واحدة أثناء زيارة لصديقه ماكس برود وعبّر عن نفوره من أسنانها المحشوّة بالرصاص. لكنه بذل لها انتباهاً لجوجاً وصارماً في 500 رسالة تأرجحت بين الرجاء والفزع، بين حاجته إلى الحب ونفوره منه.


هذا الانتظام استمر من أيلول (سبتمبر) عام 1912 إلى تشرين الأول (أكتوبر) عام 1917 - متداخلاً مع كتابته لـ «المسخ»- كرياضة شبه جنونية. يقدّم كافكا لغته هبة، يتكشّف ويتمزّق ويعترف باذلاً جهداً مريراً ليتعرف إلى نفسه: «إن رغبتي في الكتابة إليكِ باستمرار، ليس دافعها الحب، بل نتيجة شقاء استعدادي الفكري». ظلت فيليس طويلاً أسيرة خطابه الذاتي المعذّب والبرّاق الذي يُلزمها ضمنياً بالإجابة كأنها مهمتها الوحيدة في الحياة «كان علي أن أنتظر برقيتكِ حتى الخامسة مساءً لماذا؟». يقول سيوران إن من يعتمد باستمرار على ما هو غير عادي سريعاً ما يصبح مُملاً، فلا شيء أصعب من رتابة الاستثنائي.


كان حارساً يقظاً لجسده، معذّباً بالخوف من الإخفاقات الجنسيّة

التلاعب بالغياب عبر افتتاح مسرح اللغة، يؤخر قدر الإمكان حلول اللحظة التي يمكن للآخر فيها أن ينتقل من الغياب إلى الموت. «أنتِ دائماً عند نقطة الزوال تماماً، وأنا عند نقطة إنهاك نفسي بنفسي». ورغم وعي كافكا التدريجي للخسارة، فقد حاول إنجاح المصالحة المستحيلة بين حاجته الى «عزلات، ليس كزاهد فذلك لن يكون كافياً، ولكن كميّت» وتوقعات أسرته حول حتمية زواجه. كانت أمه تعدّه شاباً سليماً يعاني من تصوّرات خاطئة تجعله مريضاً، وهي تصورات ستختفي وحدها مع مرور الوقت. أما الزواج وتربية الأطفال، فستقضي عليها قضاءً مبرماً. لكن خطبته أصابته بالهلع: «موثق اليد والقدم كمجرم. فلو وضعوني في ركن، موثقاً بأغلال وأوقفوا قبالتي رجال شرطة وتركوني مسمراً هكذا، لما كان أشد سوءاً. وهذه كانت خطبتي» توالت رسائل زلقة ومريضة إلى فيليس. قطعٌ صافية من القلق تصف الخطأ والرغبة في الإفلات. عبّر فيها عن خوفه من مستقبلهما المشترك ومن التعاسة التي - بسبب أنانيته وسوداويته- قد تنجم عن حياتهما معاً. وليس غريباً أن تكون الشكوى من أحوال الجسد أبرز ما يميزها، فلطالما كان كافكا حارساً يقظاً لجسده، معذّباً بالخوف من الإخفاقات الجنسيّة.
بمثابة أم طيبة، رعت فيليس خطاب الغياب المهين من دون أن يُستجاب لها (إنها طريقةٌ في الدخول إلى الدير)، بدت أمام فرادة كافكا مُصَّنفة كملف معروف، كسمكة في أكواريوم، يراها قريبة ومع ذلك منفصلة ومكوّنة من مادة أخرى. فلو تساءلت «ماذا أفعلُ هنا؟» لبدا الحب مخالفاً للواقع، وليس من شراكة فعلية تحمل هذه النبرة المُنذرة النائحة: «لا يمكنكِ العيش معي يومين، أنت فتاة ترغبين رجلاً لا دودة أرض رخوة».
تغنّى أنسي الحاج في قصيدته «سراح الليل» بالجنس الفوري المجاني، جاذب الحيوان اللذيذ إلى الحيوان الألذ بلا قمع المعرفة وضلالات التعارف «وإذا النعيم أحياناً جنس بلا وجه، فهو أحياناً أيضاً جنس الوجه الذي يغيّبك، الوجه المستطيل، الهادئ، المطمئن، الجمريّ العينين، المحدّق بقداسة التمثال، الجالس على عرش العهر العفويّ الصامت». في المقابل، كافكا الذي تردد على بيوت الدّعارة وكان له اهتمام كبير بالبورنوغرافيا، كتب خبرته الجنسية مع خادمات وبائعات الهوى، ينسى في الصباح عريهن وملامساتهن وقبلهن، لكنه أحسّ بأنه انتقص منهن وانتهكهن فعاقبنه على احتقاره وتحوّلن إلى دمى مريعة تطارده. ولا عجب أن يحاول الإفلات بتدنيس فكرة الجنس وإخضاعه إلى طقوس تطهير بعدما أصبح بالنسبة له موجعاً ومخزياً ومرادفاً للقرف والوساخة والرعب. بدت هذه المعادلة بديهية في يومياته. كتب أن كل ما يستحقه هو هذه المرأة العجوز المجهولة الوسخة صاحبة الساقين المتهدلتين، التي تسحب منّيه بلحظة واحدة، وماله، ثم تستعجل الذهاب الى الغرفة المجاورة حيث ينتظرها زبون آخر. وسريعاً ما سيطوّق فيليس بهذا الرعب «إن روح المخدع الزوجي في البيت والشراشف التي اتسخت وقمصان النوم المبسوطة بعناية تثير قرفاً فيَّ يصل الى حد الغثيان». بينما تركّز الرغبة على الآخر بأسلوب فيتشي، يركّز الحب دائماً على وجود الآخر بحد ذاته، رغم «الأنا» الكافكوية التي لا تتألف إلا مقابل «الأنتِ» التي لا تكف عن الغياب، ورغم هشاشة الجسر الذي ترميه الرسائل بين كيانين منعزلين، فقد كانت الوسيلة الوحيدة التي تحافظ على الحب كفكرة مقدّسة محاطة بهالة بلّورية.
لنا أن نشكّك في مقولة هايدغر «اللغة مسكن الإنسان»، فالكلمات ليست «تمثيلاً» représentation للأشياء، وليست عرضاً محضاً لها، كما أن الالتباس ليس أمراً عرضياً في اللغة، فهي أداة تواصل وأداة لا تواصل في الوقت نفسه. الذات المتكلمة لا تستعمل كلمات خاصة بها، بل تكون محمّلة بآثار استعمالات سابقة متحكمة في شوقها وتفكيرها، بحيث أنها لا تقول بالضبط ما تريد أن تقول، ولا تقول ما تريد أن تقول فحسب. ثم إن دلالة كلامها تتوقف على تقبّل الآخر وتأويله.
يقول فوكو في «الكلمات والأشياء»: «أتكلّم لأوجد فإذا بي أمّحي خلف اللغة التي أتكلّمها، والتي لا تكفّ عن الهمس والهدير داخل كياني». ظلت الأبواب موصدة على فيليس، جداراً لغوياً ينفيها ويضيّق عليها ويطردها حتى فسخ كافكا خطوبته منها للمرة الثانية، مُشهراً جسده المصاب بالسل كسلاح، ليقترح الزواج بعد فترة قصيرة على جولي فوريزيك التي «لا تقلّ تفاهة عن هذه الذبابة التي تحلق نحو الضوء».
التباسات عدة في يوميات كافكا لا تزال تدفع الى التمهّل، نجد تدوينة في اليوميات عن إعجابه بجسدَي شابين سويديين رآهما على الشاطئ وداعبته عنهما تصورات جنسية، فضلاً عن صراعه لقمع مشاعره تجاه بعض أصدقائه الذكور، لا سيما صديقه ماكس برود الذي عهد إليه بتركته الأدبية مرفقة بوصية حرقها.
أما النساء اللواتي أحببنه، فقد كان يعاملهن كـ «فتيات صغيرات» ويطلب منهن باستمرار أن يعطينه صورة لهن عندما كن في سن الشباب المبكر.
صور فيليس الطفلة قرّبته منها «أشعر أنني أقرب من الفتاة الصغيرة وأستطيع ان أقول لها كل شيء، أما السيدة فتشعرني بالكثير من الاحترام». وإثر لقائه بميلينا مترجمة قصصه إلى التشيكية، كتب إليها: «بالنسبة إليّ، لست امرأة بل فتاة شابة، لم أعرف في حياتي فتاة أشدّ صبا منك». كان صاحب «المسخ» في السابعة والثلاثين، عندما تعرّف إلى ميلينا جيسينكا في أحد مقاهي براغ، وهي امرأة في العشرين تعيش زواجاً بائساً وتمتلك شهية متقدة وعنيفة للحياة والأدب.
أرادت أن تترجم إلى التشيكية مجموعة مؤلفاته مثل «المحاكمة» و«المسخ»، وكانت تلك بداية حوار شغلته سعادة مفرطة، حيث كل لحظة عابرة هي نموذج مصغّر عن الخلود «إنني أعيش هنا في خير حال، ولا يطيق الجسد الفاني مزيداً من العناية.
وتطل شرفة غرفتي على حديقة محاطة بسور، تزدهر فيها الشجيرات المزهرة (إن النباتات هنا غريبة، فالزهور تتفتح في بطء أمام شرفتي في جو مثل جو براغ تتجمد فيه بالفعل برك المياه)، وتتعرض شرفة الغرفة كذلك لأشعة الشمس، أو بالأحرى للسماء التي تحجبها السحب إلى ما لانهاية، تزورني في الغرفة السحالي والطيور، وأنواع مختلفة من الكائنات، تزورني أزواجاً أزواجاً، إنني أرغب رغبة شديدة في أن تكوني هنا في ميران...». غير أن كافكا لا يتنازل عن إحداث أثر في الآخرين بتحويل العلاقة إلى كرسيّ اعتراف، يريد تحديد المكان الذي يمكن أن يشغله، فيجهد ويؤلف جملاً لا يستطيع الخروج منها أو الاستقرار فيها تماماً كالكاردينال بالو الذي سُجن في قفص من دون أن يستطيع الوقوف فيه أو التمدد بداخله- حتى يُطلّ من ردوده تصدّع مبهم للحب وشوق للخلاص: «ميلينا، ينبغي الانتهاء من هذه الرسائل المترنحة، لقد حوّلتنا إلى مجانين. فلا يمكنني، على أي حال، الاحتفاظ بزوبعة داخل غرفتي». هل تحتاج الموهبة إلى العواطف؟ يجيب جوزيف جوبير: «أجل إلى الكثير من العواطف المقموعة».