لا ريب في أن تأريخ المنطقة (ورجالاتها حكماً) خصوصاً إبان مراحل الثورات المتأججة والتحرر (ونعني بها من عام 1900 وصولاً حتى النكبة 1948) هو عملٌ شاقٌ ومضنٍ، ليس لقلة المراجع التي تناولت المرحلة فحسب، بل لأنّ غنى التفاصيل وتشعبها يجعلان القارئ/ الباحث لتلك المرحلة عاجزاً عن حذف تفصيلٍ أو إغفال آخر. يأتي كتاب «طريق الكفاح في فلسطين والمشرق العربي ــ مذكرات القائد الشيوعي محمود الأطرش المغربي (1903-1939)» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) الذي أعده وحرره ماهر الشريف، ليتناول جانباً من حياة إحدى أشهر الشخصيات الشيوعية العربية محمود الأطرش المغربي (1903- 1978).


يمتد تاريخ المغربي النضالي على أكثر من 75 سنة كاملةً من النشاط الثوري المتقد في قارات العالم «المتحرّكة». شارك المغربي في تأسيس كثيرٍ من الأحزاب الشيوعية العربية، كما في بنائها عموماً مثل: «الحزب الشيوعي الفلسطيني»، و«الحزب الشيوعي السوري- اللبناني»، و«الحزب الشيوعي العراقي». كذلك، شارك في إعادة بناء «الحزب الشيوعي المصري»، وعمل مع «الحزب الشيوعي الجزائري» إبان الثورة الجزائرية الكبرى.
تعدّى نشاطه العالم العربي ليصل إلى عاصمة القرار الشيوعي في العالم آنذاك موسكو التي وفدها دارساً في أول الأمر، ليعود ويصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لـ «الكومنترن» عام 1935، ثم ممثلاً للأحزب العربية فيه بين 1936 و1938. شهد الرجل تاريخاً عاصفاً، ومؤثراً وصانعاً في لحظةٍ ما، لذلك نال كتاباً لربما ذا حجمٍ كبير، إلا أنه يستحقه.
ولد المغربي في القدس في كانون الأول (ديسمبر) عام 1903 لأبوين جزائريين، لكنه عاش في عاصمة البحر الفلسطينية، يافا حيث عمل في قطاع البناء.
سرعان ما أضحى الشاب نجماً في الأوساط العمالية والشيوعية، بعدما تعرّف إلى الشيوعية عن طريق بعض الشيوعيين اليهود، منتمياً إلى «منظمة الشبيبة الشيوعية». «لم أدرِ ما الذي دفعني إلى الذهاب إلى مرفأ مدينة يافا في أوائل العشرينات لمشاهدة الباخرة البلشفية «إيليتش» وكانت من أضخم البواخر الراسية أمام مرفأ المدينة.


يضيء على حكاياتٍ منسيةٍ من التاريخ العربي/ المشرقي بامتياز


كما لم أدرِ سبب تلك الرغبة التي كانت تدفعني إلى الاستزادة دائماً في معرفة الحركة الشيوعية والبلشفيك ولينين وثورة أكتوبر». هكذا، يعترف المغربي بأنه كان مشدوهاً صوب التجربة الشيوعية البلشفية، وهي التي كانت آنذاك «نجمةً» بين الحركات الثورية التحررية.
«كنت أفكر في نفسي أحياناً كيف استطاع عمال وفلاحون مثلنا أخذ السلطة». لقد عانى كعربي مقيمٍ في فلسطين من مشكلة حقوقه «كعامل»، ذلك أن نقابات العمال الصهيونية «الهستدروت» رفضت طلبه كما أي عربي آخر، بعدما تقدم به ظناً منه أنها نقابة لجميع العمال العرب واليهود.
حاول المغربي تنظيم نقاباتٍ لعمال البناء والمرفأ في المدينة أكثر من مرة، وتنبه منذ البداية إلى ما يحدث في فلسطين، فالصحف العربية كانت تمتلئ آنذاك، بالدعاية الصهيونية التي كان ينفق «الصهاينة» عليها بسخاء لـ «تبشير» الشعب الفلسطيني بحمائد هجرة اليهود إلى فلسطين، و«ما سيجره ذلك من الخير العميم والتقدم والازدهار الصناعي والزراعي والعلمي».
كان كل ذلك يحدث من دون أي «رادعٍ» فعلي من أي اتجاه «حقيقي» يقف كالند وفي المواجهة الفعلية لما يحدث. كل هذا دفع المغربي إلى «تبنّي» الفكر الشيوعي الذي كان الأقرب إلى تطلعاته، وكان ربما الوحيد حينها الذي قدّم فكرة «قدرة» العمّال على تحقيق ما يصبون إليه بالحرية والعدالة قبل أي شيء.
دفعت أنشطة المغربي الكثيرة وتفاعله مع العمّال ورفقاء النضال الشيوعيين قيادة «الحزب الشيوعي الفلسطيني» إلى ايفاده للسفر إلى موسكو (عام 1927) للدراسة في «الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق» (جامعة تأسست عام 1920 لتثقيف الكوادر الشيوعية في مجالات الاقتصاد السياسي والفلسفة الماركسية كما الإدارة الاشتراكية).
وكان أبرز ما نتج من تلك الرحلة هو مشروع «تعريب» الحزب الشيوعي الفلسطيني، من خلال إعداد كوادر حزبية عربية تستطيع المساهمة بفعالية في قيادة النشاط الشيوعي بين العمال والفلاحين العرب.
ذلك أن «الحزب الشيوعي الفلسطيني»، بقي حتى تلك اللحظة يعاني كثيراً من تأثير «اليهود» الذين كانوا من أتى بالفكرة إلى بلادٍ «لا يعرفون لغة شعبها ولا عاداته ولا تقاليده» فكيف يمكنهم إنشاء حزب «جماهيري» من هذا النوع؟ فهناك «مشاعر عدم الثقة التقليدية تجاه اليهود، وغياب أي نوع من الأدبيات الاشتراكية باللغة العربية، وعدم اطلاع الأوروبيين على لغة الجماهير العربية ونمط حياتها». طبق المغربي هذا المشروع لاحقاً في غالبية الأحزاب الشيوعية العربية التي عمل عليها
وفيها.
كانت نضالات المغربي تقوده دوماً إلى مواجهات «مباشرة» مع السلطات «القمعية»، وربما هو دأب حياة المناضلين. من السجون في فلسطين (سجن في القدس عام 1935)، إلى بيروت (1936) فسجون العالم؛ من باريس وسجن «لاسنتي» هناك (1938) حيث تعرض لاتهام خطيرٍ للغاية بمحاولة اغتيال ملك إنكلترا آنذاك جورج السادس (كان في زيارة رسمية للعاصمة الفرنسية)، إلى الجزائر (التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي وقتها) وسجن «باربروس» القاسي للغاية (1939)، ثم معتقلي بني مسوس ودويرة (عام 1958).
وبعد تحرر الجزائر، اعتقله النظام الجديد عام 1956 ليفرج عنه بعد اضرابه عن الطعام لأكثر من 21 يوماً. كان الرجل الذي استخدم «مراد» و«سليم عبود»، و«أبو داوود»، و«مسعود» و«إيزيدور» أسماء حركية في رحلة نضاله الطويلة، عاشقاً للثقافة ومنقاداً إليها، ممارساً حقيقياً لها. فضلاً عن قراءته النهمة، كان يكتب بغزارة، وشارك في تحرير العديد من الصحف والمطبوعات كـ «الصاعقة»، و«نضال الشعب»، و«الشرق العربي»، و«المراسلات الصحافية الأممية»، و«الأممية الشيوعية».
فضلاً عن كتابته العديد من الدراسات مثل «فلسطين من الأمس إلى اليوم»، ودراسة عن الوحدة العربية وعن السودان، ليعود ويكتب مذكراته بنفسه على أكثر من 700 صفحة.
في المحصّلة؛ يروي الكتاب (22 فصلاً)، لا تأريخاً فحسب، بل حكاياتٍ منسيةٍ من التاريخ العربي/ المشرقي بامتياز. هو يتناول تفاصيل ويعاقرها بشكلٍ دقيق وبجهدٍ كبيرٍ وواضح في البحث والمتابعة وحتى التعريف بالشخصيات التي ورد ذكرها في المذكرات. يقارب الكتاب وبشكل توصيفي زوايا لم يتناولها أي كتاب تأريخي- سِيَري مسبقاً، من خلال رصدها بعين الرائي والمشارك لا مجرد المتابع فحسب، من هنا قيمته واستحقاقه لمكانةٍ مرتفعة بين مثيلاته من النوع نفسه.