تقترب الكاتبة الكندية أليس مونرو في مجموعتها القصصية «الهروب» من محاولة فهم نماذج من مغازلي النساء، سواء العاطفي منهم الذي يبحث عن النموذج المثالي الخاص به في كل امرأة، أم البطولي الذي يبحث في النساء عن التنّوع المطلق في عالم الأنثى، إلى رجال ذوي أهواء غريبة يبقون خارج التوصيف. الرجل العاطفي يميل إلى التعبير عن ذاتية الكشف عن النفس، والبطولي نشأ عن رغبة في الإمساك بموضوعية العالم، أمّا ذوو الأهواء الغريبة، فوجودهم في «الهروب» ليس استعراضياً من الكاتبة. إذ أن الاستعراض هنا مقصود لمنح المجموعة بعض الغرائبية المشتهاة للقارئ، وأيضاً لأن مونرو تريد تزخيم قصصها بالمعاني والدلالات التي تتميّز بها كسيدة في فن الأقصوصة الأدبي المعاصر.


كنّا قرأنا لأليس مونرو «حياة الصبايا والنساء»، و«سرّ يؤرّقني» والآن «الهروب» موضوع مقاربتنا هنا، وكلها صادرة عن «كلمات – هنداوي». تستكشف مونرو جوانب إنسانية في حيوات شخصيات قصصها الثماني في «الهروب»، بحسّها المرهف اتساق رؤيتها الواقعية لحياتهم الثرية والعميقة والمكتملة الجوانب.
في «الهروب» الذي يضم في دفتيه ثماني قصص (ترجمة نهلة الدربي ــ مراجعة علا عبد الفتاح يس) تفتح كما لو على ثماني حيوات، تُحقق مونرو ما أرادتهُ من تمّيز فعلي في فن كتابة القصة، خصوصاً حين تُمسك بيد القارئ من السطور الأولى، فاردة عوالم كتابتها الساحرة، فلا يُفلتُ القارئ يدها حتى يُجهز على قصص المجموعة كافة، موغلاً في عوالمها الداخلية، خالصاً إلى أنّ «الهروب» وإن لم تتعدَّ القصة فيه الصفحات القليلة، إلا أنها مكتملة الأركان عاطفياً وفنياً، ومنضوية جميعها في المناخ الواحد أو اللحن الرئيس الذي يُقارب كتابة رواية جيدة. في قصة «الصمت» على سبيل المثال، تحشد الكاتبة الحائزة «نوبل للآداب» (2013) كل براعتها كي تستنطق شخصيات القصة، من دون أن يدلوا بجملة واحدة، كما لو كانت هنا كقاعدة تلزمهم الصمت.


تُجيد سبر أغوار المرأة، مبينة تقلبات المشاعر والرغبات والعواطف
حيال هذا الجو المشحون بالسكون، تلعب مونرو أقصى فنياتها ومهاراتها في التقاط الإشارات، حتى جاءت أقصوصة «الصمت» كجوهرة فعلية منيرة، أكثر إنارة من كافة المجموعة الناطقة. استبعدت مونرو الحلم من قصصها، واستنطقت الحياة بشكل بسيط وواضح وبأسلوب نثري جمع العناصر المتباينة ووّحدها، في عملية كيمياء حقيقية. غير أن في كتابة مونرو ذلك النوع التقليدي للأحلام الذي يقترب منها ويدخل عنوة كالذي تجده عند توماس مان مثلاً. قصص مونرو قطع رائعة من النثر مستوحاة «التكنيك الخيالي» الذي شكل شبه واحات فردوسية داخل السرد. مهارة الكاتبة، وواقع حال القصص جاءا مترابطين ومختلطين تماماً بحيث يعجز القارئ عن تمييز تفوّق السرد عن تفوّق المضمون. إنه الانصهار الكامل للمهارة إذن، ولمضمون القصص الذي ابتعد عن الأفكار الكبيرة واعتنى بالتفاصيل فأنار على المستور منها والمختبئ خلف الأحداث. ثمة هذه الثورة الجمالية الهائلة التي قدمتها مونرو في أغلب كتبها ونتاجاتها، كما في التفصيل الذي في «الصمت» حيث ترافق الكاتبة سيدة تلتقيها صدفة، غريبة عنها، ترافقها طوعاً لزيارة ابنتها في احدى المصحات العقلية. هنا تنقل لنا كقراء تلك الزيارة الآسرة من حيث التناول واللعب المغوي والمهارة الراسخة. تتمتع مونرو أيضاً، برفد قارئها بعنصر المفاجأة، والتشويق الذي تُمهّد له من أول القصة، كما لو تكتب قصيدة تكللها بخاتمة موفقة تخطف الأنفاس ما يضفي على القصة ذلك التواطؤ الجميل بينها وبين ما ترغبه فعلاً في إمتاع القارئ. النساء على وجه العموم، هنّ العنصر البشري المفضّل في كتابة مونرو، تُجيد سبر أغوارهن وتنجح في تبيان الفوارق بين امرأة واخرى لناحية المشاعر والرغبات والتقلبات العاطفية من فرح وغضب في حالات العشق، الى إدراك حالات اليأس الذي يبدو مهيمناً على أجواء مجموعة مونرو.