لكي أكون صادقاً، لي أكثر من كتاب أول، أعتبرها الآن محاولات مخلصة بعد أن عرفت قيمة «الكتابة الدؤوبة والشاقة» لكي تصل إلى ما يقارب الاكتمال. ثمة كتاب (أول) مشترك لي ولصنع الله ابراهيم ولكمال القلش عن تجربة العمل في السد العالي. صدر الكتاب بعنوان «إنسان السد العالي» عام 1965 (ليست عندي نسخة منه)، وكان ثمرة أول وآخر عمل مشترك لثلاثتنا في كتابة مشتركة، كنا نحلم بها ونحن في معتقل الواحات الصحراوي (ما بين 62 و1964).


كانت تجربة مؤلمة؛ كادت أن تفقدنا صداقتنا التي بدأتها معهما في المعتقل عام 1962. اكتشفت أني لا أستطيع أن أكتب كتابة مشتركة حتى مع أقرب الكتّاب إلى قلبي، فأنا شخص – اكتشفت – بالغ الشخصنة الفردية. ومن أول ما كتبت أيضاً مسرحية بعنوان «القناع والخنجر» (نُشِرت بعد كتابة النص بأكثر من خمس سنوات). وأقول من أول كتاباتي لأنها بالفعل كانت كتابة خاصة تحت ظروف إنسانية ونفسية قاسية، فقد كتبتها في معتقل الواحات الصحراوي؛ على شذاذات مختلفة من الأوراق بعضها من زكائب ورقية كانت تحتوي على مأكولات، وبعضها على أوراق لف السجائر. كنا نكتب عليها في عملية شاقة، ولكن تهريبها الى الخارج كان سهلاً. لم تكن الكتابة أو أدواتها مسموحاً بها بل كانت من المحرمات التي يُعاقب حاملها!
قام موبوتو بقتل لومومبا، واستمعت بالصدفة للواقعة من راديو المعتقل الذي كانت تتحكم إدارة السجن في ساعات إرساله. هالني إعدامه ورأيت نفسي على حقيقة وضعي، رأيتُني سجيناً بعد محاكمة عسكرية جائرة بتهمة غير حقيقية (قلب نظام الحكم بالقوة!)، ولا أعرف إن كان سيطُلق سراحي بعد إنهاء مدة الحكم علي بأربع سنوات أم لا. لم أكن اعرف كتابة المسرحيات ولم أرَ مسرحاً متطوراً قبل أن أدرس الإخراج المسرحي بعد ذلك في وارسو.


حين رأيت نسخ «بيضة النعامة» وعليها اسمي، ساعتها فقط عرفتُ أني سأواصل الكتابة مكرساً كل وقتي لها

ثمة كتابٌ آخر أنا مدينٌ به – إن جاز التعبير – لحصار الجيش الإسرائيلي لبيروت الغربية عام 1982 حيث كنت أعيش وأعمل في «بيروت المساء» بعد تركي لعملي في صحيفة «السفير». ذات ليلة أثناء راحة قصيرة بعد قصف مكثّف إسرائيلي على بيروت وأنا أجلس في شرفتي المحطم زجاجها في «نزلة كاراكاس»، عرفت أني يجب أن أغادر. كان ذلك قبيل مغادرة عرفات ورهطه بأيام قلائل. لحظة تنوير مفاجئة أو ما أعتبره إلهاماً قدرياً خاصاً أنار لي طريقي. أن أغادر بأسرع ما يمكن قبل أن تنتهي صلاحية جواز سفري المصري، وكانت بقيت فيه ستة أيام! فقد رفضت عرضاً سخياً من الفلسطينيين بالسفر معهم إلى منافيهم. كنت أريد العودة إلى مصر التي تركتها منذ عام 1970 ولم أعد إليها. أعرف أن مصر في النهاية مرفئي الوحيد والأخير وأعرف أيضاً أن مصر ليست منفاي. استضافني صنع الله ابراهيم في منزله. وبتشجيع منه، وخلال شهر واحد كتبت – بسرعة رغم كسلي – كتاباً عن الحصار والخروج من بيروت، وأعطيته عنواناً أوحى لي به سائق التاكسي اللبناني الذي أقلني إلى دمشق، وكان يصيح «صباح الخير يا وطن»، وهو يُحيّي شباب الحواجز في المنطقة الغربية... ثم يغير تحيته في الشرقية بقوله: «يعطيكو العافية».
أما الكتاب الذي أعطاني قدراً من الشهرة فهو «بيضة النعامة» التي يعتبرها الكثيرون رواية وأعتبرها أنا «سرداً» ولعلّ كلاً منا على صواب.
ولعله – أيضاً - كتابي الحقيقي الأول فقد كتبته على مدى ثماني سنوات طوال، وعانيت منه ما أعاني حتى الآن من كتابة أي عمل روائي؛ عدم الثقة والرغبة في النكوص.
مدينٌ بهذا الكتاب للأيام الأخيرة لي في بيروت... كنت أقترب حثيثاً من نهاية أربعينياتي أنا المولود عام 1937. في أيام القصف وانتفاء الإحساس بالأمان أحسست بجزع مضاعف، جزع الموت؛ وجزع أني «ضيّعت» حياتي ولم أكتب ما أريد كتابته. ساعتها وأنا في الشرفة وعدتُ نفسي؛ ما أن أخرج من لبنان وأصل إلى مصر، أن اكتب... ولم أكن أعرف ما أريد كتابته. أخذت نفسي بجدية الإحساس الذي خبرته بالموت المفاجئ في أي لحظة، وبقسوة الوفاء بالوعد. وقررت أن اكتب «عني» وعن عائلتي وعن السودان وعن السجن وعن الجنس وعن الرحيل الطوعي والترحيل القسري. اكتب عن عصري عبر حياتي. أعانني في هذا الأمر أشخاص ساهموا في «الكتابة معي»؛ بقراءاتهم للمسودات وبنصحهم الأمين: صنع الله ابراهيم، والراحل كمال القلش؛ وهما قرآ مسودات عدة وأبديا ملاحظات مهمة، أساساً لتشجيعي – كما هي عادتي حتى الآن – أفقد الثقة في العمل وفي نفسي وأنا أقارب منتصفه. ثم في المسودات الأخيرة إدوار الخراط وإبراهيم فتحي. شجعتني أيضاً صديقة مهندسة هي فاطمة الطناني التي أعطيتها المسودات لتقول رأيها في قبول أو رفض الكتابة الأيروتيكية في الرواية، فهي سيدة تعمل في الهندسة المعمارية ذات تربية محافظة وسلوك محافظ. لهذا كان رأيها مهماً لي. زوجتي الهولندية آنا ماريكا بورسمان اشترت لي كمبيوتر وعلمتني الكتابة عليه، ووفرت شيئين مهمين لشخص مثلي: الأمان الاقتصادي طوال سنوات الكتابة التي تجاوزت أكثر من 8 سنوات... والدعم النفسي. وهي لا تعرف من العربية إلا القليل منها (!) لكنها آمنت بي ككاتب ولم تكن قد قرأت لي شيئاً مترجماً بعد.
ولذا كان منطقياً أن أهدي الكتاب لها.
كنت أكتب فصولاً متناثرة أخاف أن تضيع من رأسي إن لم أسجلها فوراً وأعطيها عناوينها الجانبية. لم أكن أعرف أين أضعها، ولم يكن الإيميل متاحاً لي أيامها، فكنت آخذ الأوراق وأنزل بها إلى القاهرة ليقرأها ابراهيم والقلش. هذه روايتي الكبيرة الحجم الأولى والتي تعلمت فيها «المونتاج الروائي» أي أن أعيد الترتيب والقص واللزق؛ كما في الأفلام... وما أزال أكتب بذات الطريقة. لم أكن أريد نشر «بيضة النعامة» (صدرت عام 1994) فقد اعتقدت أنها لا تصلح للنشر. أنهيت مسودات عدة وعرفت زوجتي مني أن صنع الله اتصل برياض الريس وحمّسه لنشر العمل، ولم أكن التقيت بالريس ولا أعرفه.
إبان ذلك كانت أزمة نصر حامد أبو زيد بلغت ذروتها، واقترحتُ على قناة في التلفزيون الهولندي كنت أعمل معها فري لانس أن نصور فيلماً عنه. هكذا حزمت حقائبي للذهاب إلى القاهرة. فاجأتني زوجتي بسؤال: وماذا عن الرواية ألا تريد أن تبعث بها إلى الناشر؟ تحججت بأنها غير مكتملة وغير نهائية. لكنها سحبتها على البرنتر وطلبت عنوان الريس وأعطيته لها متضرراً. اتفقنا أن تستقبلني في مطار سيخبول عند عودتي من القاهرة، ونذهب مع ولدينا إلى بيت عائلتها في مدينة أخرى نحتفل برأس السنة.
حينما رجعنا إلى بيتنا في أمستردام وجدت خطاباً من الريس يقول لي فيه أنه قبل نشر الرواية وأن مستحقاتي خمسمائة دولار لثلاثة آلاف نسخة. فوجئت بالخبر كله، القبول والنشر والنقود. أصابني الهلع فها أنا الآن سوف أتقدم للقراء عبر دار نشر معروفة. هذه ساعة الامتحان العصيبة. حين وجدتني زوجتي واجماً؛ ترجمتُ لها معنى الخطاب. هي تقول لي مبروك وأنا مكتئب وخائف، وتحجّجت بأن المبلغ قليل. سألتني زوجتي سؤالاً عملياً: «هل تعتقد أنك ممكن أن تكسب نقوداً من كتاباتك؟». فأجبت - صادقاً ومقتنعاً - بالنفي!
وقررنا ساعتها أن نحتفل بالنشر.
بعد أشهر قلائل دق ساعي البريد الهولندي على جرس شقتنا في الطابق الثالث لكي أفتح له الباب حيث أن معه – في الأغلب – بريد لا يمكنه إدخاله من فتحة البريد في الباب.
ساعتها فقط عندما صعدت إلى الشقة حاملاً الطرد، وفتحته ورأيت نسخ «بيضة النعامة» وعليها اسمي... ساعتها فقط عرفتُ أني سأواصل الكتابة مكرساً كل وقتي – ما تبقى من عمري – لها.
هذه أيضاً لحظة تنوير أخرى وخاصة. ها أنا أحترف مهنة لا تدرّ علي ولا على عائلتي ربحاً وأني سأظل ما تبقى من عمري معتمداً على آخرين في مجرد البقاء ومواصلة الحياة.
لم أجزع بل سلمت أمري لقدري.
هذا ما فعله كتابي الأول بي!