بعض الناس منذورون للدهشة وغازي قهوجي (1944 ــ 2015) في طليعة هؤلاء بغير جدال. سريعاً، اكتشف مكانه في جغرافيا الحياة وأبى أن يقنع بالدور الذي رسمته له. كان مجلياً خلف الستارة، لكنه تقدم بخطى حثيثة نحو مقدم الخشبة ليصير مصب الضوء، عوضاً من أن يكتفي بتسليطه من بعيد. رجل الحسابات الدقيقة بدا بارعاً في ارتكاب الأخطاء المتعمدة ليصحح ما اعتبره الآخرون صحيحاً. شاغب حتى الرمق الأخير. تفنن في السباحة عكس التيار. وحين أغمض عينه للمرة الأخيرة، كان في محجرها الكثير الكثير مما يجب أن يُرى.

كان بوسعه أن يكتفي بموهبته الضوئية، أن يقنع بكونه راسماً بارعاً للخطى فوق الخشبة، وأن يستمتع بكونه الرجل الخفي الذي يبهر الجميع من دون أن يشعرهم بوجوده، لكنه اقتحم المشهد لحظة لم يتوقع أحد، ربما ولا هو نفسه، وكان فاعلاً في المقدمة بقدر ما كان مؤثراً في موقعه الخفي.
رجل الظل أمكنه أن يبتكر الضوضاء الممتعة بقدر ما كان ماهراً في صناعة الضوء الساطع. وكان على متتبعي خطاه الإبداعية أن يعترفوا له بما ظنوه في البدء مغامرة: غازي يمتهن الفوضى بقدر ما يجيد التنظيم ويميل إلى العبث الجميل رغم كل سعيه الظاهري نحو الدقة والترتيب.
بوسع نقاد المسرح ومدمنيه أن يقولوا الكثير عن بصمات راسخة تركها الرجل الضاحك فوق اعماله الكثيرة. لكن الحديث عن غازي قهوجي سيظل قاصراً عن إيفائه حقه ما لم يتناول طاقته الهائلة على السخرية.

شكلت كتاباته محطة مفصلية في مسار الأدب الشعبي الساخر. ومع كل مقال كان حضوره يزداد رسوخاً في وجدان قرائه، حتى ذهب البعض للقول بثقة إنّ مقالة غازي قهوجي هي نقطة البدء بمعزل عن ترتيب الصفحات وتبويبها.
الكتابة في حسابات الفنان ذي المواهب المتعددة كانت أقرب الى العشيقة السرية التي يبوح لها بما يسره عن الآخرين، يبدي حيالها من الود ما يضن به على سواها. كان يدرك طاقتها الهائلة على إيصال الفكرة وكان يستهويه ذلك. السينوغرافي الذي أثقلته التورية بدا منحازاً إلى المباشرة والوضوح، كما لو أنه تعب من لعبة الرموز، فمنح نفسه استراحة في رحاب الوضوح. هكذا تحول الرجل المنحاز لأناقة المظهر ليصير مطهراً يعرّض المحيطين به إلى خطر التعرية، وكان تفادي غازي قهوجي أمراً ملحاً، إذ ليس من الحكمة أن يكون المرء في مرمى تلك العيون المتقدة التي تكشف المستور وتتفنن في تشريح خفاياه.


السينوغرافي الذي أثقلته التورية بدا منحازاً إلى المباشرة والوضوح في كتاباته

لم يمر شيء أو حدث أو كائن حي في مدار غازي قهوجي من دون أن يخضع للاختبار. الأرجح أن براعته في هندسة المشهد المرئي منحته قدرة فائقة على التقاط العيوب والثغرات في كل ما تصطاده عيناه، وكانت قدرته على تفكيك المشهد، أياً كان، إلى تفاصيله الأولى، مدهشة. كانت مقالته المختصرة تنطلق غالباً من نقطة مبالغة في حيادها، تعريف متفق عليه حول مفهوم شائع ثم يتجه بتورية متقنة نحو مكمن الخلل، قبل أن ينقض على فريسته ببراعة تميز بها. كان يحلو لغازي قهوجي أن يبدأ مقالاً بانفلونزا الطيور مثلاً، فيستعرض تعريفاته العلمية، ويعرج على مخاطره الصحية، ويرصد بدقة صحافي محايد ما يثار بشأنه من تكهنات علمية ثم ينحرف بانسيابية مدهشة نحو مكانة الطيور في التراث العربي فناً وأدباً وسياسة ليختم أن المرض قديم وأن الجديد هو العلم بوجوده فقط. مع غازي قهوجي وحده، كان بإمكان القارئ أن ينطلق من انفلونزا الطيور نحو أسمهان وأغنيتها «يا طيور» ليتجه صوب فريد الأطرش «يا ريتني طير لأطير حواليك» ثم عبد الوهاب «بلبل جيران»، ليعرج بصباح فخري في أغنية «يا طيره طيري يا حمامة»، قبل أن يحط به الرحال في دنيا الأسماء والألقاب المنبثقة والطالعة من عالم الطيور كاسم الكاتب والوزير المصري جابر عصفور، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، والشاعر الكبير عمر أبو ريشة!
ولن يكون بوسع غازي قهوجي ــ فيما القارئ يتابعه بشغف ــ التغاضي عن عالم القصّة والشعر والأدب وعلاقته بالطيور، فثمة «دعاء الكروان» لطه حسين، وديوان «العصفور الأحدب» لمحمد الماغوط، و«مالك الحزين» لإبراهيم أصلان إلى متون وهوامش وحواشي لغتنا العربية بصيغتيها الفصيحة والمحكية، فقيل: «ولن يضيع الكاتب الفرصة دون أن يتناول مكانة الطيور في التراث العربي وفي الحاضر الاجتماعي أيضاً، حيث يتسع المشهد لمصطلحات من نوعية: «فرخ البط عوَّام»، و«إن الطيور على أشكالها تقعُ»، وفلان الفلاني «نتفولوا ريشو»، و«عنزة ولو طارت»، وهناك تعبير حميم هو «العش الزوجي»! إلى جانب محطات الكلام: «عصافير بطنو عم تزقزق» و«شي بطيّر العقل» وفلان «طار صوابه». ولن تكون السياسة بعيدة عن الحدث والحديث: «طارت فلسطين»، وأنّ الحزب الفلاني انقسم إلى معسكرين: «الحمائم والصقور»! وشعار اللبنانيين عن لبنان الذي لا يحلق الا بجناحيه: «المسلم والمسيحي»... وذلك من دون تفعيله، حتى «طار» البلد فعلياً، وصولاً الى زمن «الدواعش» حيث ينعقد الأمل على الحوار بين «سليمان والهدهد»! ويختم: «أخشى أن تكون «حمامة السلام» الموعود... حاملة لفيروس «انفلونزا الطيور».
هذه الطاقة الهائلة من السخرية المرة التي ميزت قهوجي منحته هوية ابداعية متميزة. هكذا كان على الصحافي رياض نجيب الريس المتميز برغبة هائلة في المشاكسة أن يحفظ له مكاناً في كل مطبوعة يصدرها، وكان لا يتردد في القول في مجالسه الخاصة: إن مجلة دون غازي قهوجي تبقى غير مكتملة.