«أوصيكم بالأقصى، وأوصيكم بنساء القدس». بهذه الكلمات أوصى الشهيد مهند شفيق حلبي رفاقه في جامعة القدس أبو ديس ضمن فعالية أقاموها تضامناً مع المرابطين في المسجد الأقصى. لم يكن رفاق حلبي يعرفون أنه عندما طلب «الميكرفون» للكلام، فإن كلمته هذه ستكون الأخيرة وأن ما يسمعونه ليس شعراً بل هي وصية الشهيد الأخيرة لهم.


السبت مساء، انتشر خبر تنفيذ حلبي عملية طعن وإطلاق نار ضد إسرائيلين في أسواق القدس القديمة قتل فيها مستوطنَين وجرح اثنين آخرين. من يعرف الشهيد وقربه وتأثره باستشهاد صديقه ضياء التلاحمة الذي قتل بعد إطلاق النار عليه من قبل جنود الاحتلال قبل أسبوعين، يعرف أنه لن يختار الموت إلا بهذه الطريقة. ففي جولة سريعة على صفحته على الفايسبوك، يظهر مدى تأثر الشهيد بما يجري في القدس والأقصى، وتحديداً لما تتعرض له النسوة المرابطات داخل الحرم من اعتداءات، وهو ما عبّر عنه بشكل واضح في آخر تعليق كتبه على صفحته: «حسبما أرى فإن الانتفاضة الثالثة قد انطلقت، ما يجري للأقصى هو ما يجري لمقدساتنا ومسرى نبينا، وما يجري لنساء الأقصى هو ما يجري لأمهاتنا وأخواتنا، فلا أظن أنّا شعب يرضى بالذل، الشعب سينتفض، بل ينتفض». هكذا، خرج الشهيد من منزله ليلاً، سار في أسواق القدس القديمة فرأى مجموعة من الصهاينة. سحب حلبي سكينه وطعن المستوطن نحامياه بينيت وزوجته وابنته الكبرى، تاركاً ابنته الصغيرة دون استهدافها، فأصيبت لاحقاً برصاصة في قدمها من شرطة الاحتلال بينما كانوا يطلقون النار على الشهيد، الذي تبناه الجهاد الإسلامي في وقت لاحق.


الانتفاضة المقبلة سيكون وقودها شبان لم يعيشوا أو يعرفوا ما جرى عام 2000

سمع الحاخام في الجيش الإسرائيلي نحاميا ليفي الصراخ خارج كنيس «بيت شارون» (وهو منزل صادره رئيس الحكومة السابق أرئيل شارون وحوله الى كنيس) فخرج حاملاً مسدسه، لكن الشهيد استطاع سلب ليفي مسدسه، فأطلق عليه وعلى العائلة الرصاص.
في تلك اللحظة، سارعت شرطة الاحتلال واستهدفت الشهيد الذي قال إعلام الاحتلال إنه استغل فترة التبديل وخلو الشارع من الجنود لتنفيذ عمليته. بعد استشهاد حلبي، اشتعل الشارع الفلسطيني وخصوصاً في مدينة البيرة وأحياء الخليل وبيت لحم والقدس، كما اندلعت المواجهات مع المستوطنين الذين حاولوا اقتحام القرى الفلسطينية المحاذية لمستوطناتهم في بيت أمر وسردا وبيت إيل. وفي فورة الغضب، نفذ شبان من الخليل عملية طعن قرب مستوطنة كريات أربع، وتبين لاحقاً أن المطعون، لسوء حظه، عربي من أراضي 1948 ويحمل الجنسية الإسرائيلية. كما ضرب أحد أبناء الخليل في منطقة بيت عنون مستوطناً ببطيخة تزن 20 كيلوغراماً على رأسه، ونقل على أثرها الى مستشفى كريات أربع.
بدورهم، قطع المستوطنون الطرقات المحاذية لمستوطناتهم واستهدفوا مركبات الفلسطينيين المارة، كما وقع تضارب بالأيدي في مجمع «ماميلا» التجاري بين صهاينة هاجموا العمال العرب في المجمع. وصعّد المستوطنون من هجماتهم على بيوت المواطنين في حي سلوان، ملقين الحجارة عليها، وكاتبين شعارات ضد العرب.
وخوفاً من تكرار مجزرة حرق عائلة الدوابشة أو هدم بيت الشهيد حلبي، بقي الشبان الفلسطينيون على المفارق والطرقات لمنع جنود الاحتلال من الدخول الى قرية سردا، لكنهم فشلوا في ذلك بعدما دخل الجيش منزل الشهيد حلبي وصادروا حاسوبه الشخصي. وبينما كان العدو يفرغ حقده ضد الفلسطينيين، نشرت فاطمة الزهراء، أخت الشهيد حلبي، صورة شقيقها على موقعها على الفايسبوك، معلقة «حبيبي يا أخوي يكسر إيدهم»، وقبلها تعليق «وصار اسمي أخت الشهيد، الله يرحمك يا أخوي».
هكذا، وبينما كانت الضفة تشتعل، كان هناك شهيد آخر يودع حبيبته، ويخبرها عن نيته تنفيذ عملية طعن والاستشهاد؛ فعند ساعات الفجر الأولى، أعلنت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن تنفيذ عملية طعن في محطة وقود في القدس، وإصابة مستوطن بجراح متوسطة واستشهاد منفذ العملية. وقد تبين لاحقاً أن منفذ العملية هو فادي علون، ابن منطقة العيسوية في القدس.
كان علون قد كتب على صفحته على الفايسبوك «اللهم إني نويت الشهادة أو النصر في سبيل الله. اللهم اغفر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. نويت التوبة بإذن الله والشهادة الله أكبر». وقد أخبر علون حبيبته في حديث خاص بأنه صلّى الفجر وأعلن توبته ونوى تنفيذ عملية طعن. طلبت منه الفتاة البقاء في المنزل والتفكير بوالدته. أنهى علون حديثه قائلاً «بدي أروح يلا سلام».
بعد تنفيذه عملية الطعن، أطلق جنود الاحتلال سبع رصاصات على الشهيد الذي سرعان ما ركض المستوطنون باتجاهه وبدأوا بركل جثته وهم يشتمونه صارخين «عرافيم» عربي).
وأعلن جيش الاحتلال أمس، رفضه تسليم أهل الشهداء جثامين أبنائهم. كما حاول جنود العدو أمس اقتحام منزل علون في العيسوية، ما أسفر عن إصابة مراسلة قناة «الميادين» الزميلة هناء محاميد بقنبلة صوتية في وجهها.
وفي السياق نفسه، اندلعت المواجهات أمس في كل مناطق الضفة؛ وأشدها كانت في مخيم جنين الذي حاول جنود الاحتلال اقتحامه للقبض على الأسير «الحمساوي» المحرر قيس السعدي الذي نجح في الهرب. وفي كلمة مصورة له، طلب السعدي من الأجهزة الأمنية الفلسطينية إطلاق سراح المقاومين المحتجزين لديها والكف عن مطاردتهم.
ليلاً، شهدت مدينة القدس ورام الله مواجهات بين جنود الاحتلال وفلسطينيين. وبحسب إحصائية الهلال الأحمر الفلسطيني، فإن طواقمه عالجت في الضفة والقدس 395 إصابة خلال الـ 24 ساعة الماضية، 30 إصابة بالرصاص الحي، 118 إصابة بالرصاص المطاطي، و234 حالة اختناق من قنابل الغاز المسيلة للدموع، و11 إصابة بالضرب المبرح، كما تعرضت سيارتان تابعتان للهلال الأحمر لإطلاق نار من قبل جنود العدو الإسرائيلي. وفي وقت متأخر من ليل أمس، حذّر الاحتلال المستوطنين من التوجه الى المدينة القديمة في القدس وذلك بعد ورود « إنذارات باحتمال وقوع عمليات».
هكذا أظهرت الأحداث في الأيام الماضية، أن الانتفاضة المقبلة سيكون وقودها شبان لم يعيشوا أو يعرفوا ما جرى عام 2000. هذه المرة ستلاقي انتفاضة الأقصى الثانية صواريخ من غزة، لتعيد المقاومة ربط ما حاول الاحتلال والسياسة تفريقه الضفة الغربية بالقطاع المحاصر.