ليس مهماً إلى أي فصيل فلسطيني مقاوم ينتمي منفذو عمليتي نابلس والقدس، وبالقدر نفسه لا يهمّ هل أتت العمليتان ترجمة لقرار صادر من قيادة عليا، ونفذها مقاومون منتفضون على واقع الإحباط العربي، أو كانتا بقرار ذاتي تخطيطاً وإعداداً وتنفيذاً. في كل الأحوال، ما حدث يأتي ترجمة لقرار الشعب الفلسطيني رفض الرضوخ للاحتلال والتمرد على كل القيود المفروضة عليه من الداخل والخارج، وتنطويان على رسائل موجهة نحو عدد من الجهات.


تجاوزت العملية الأولى في مستوطنة «إيتمار» قرب نابلس إجراءات التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية. وتجاوزت الثانية (في القدس) كل الإجراءات الوقائية والقمعية لأجهزة العدو. وبرغم الأثمان الباهظة المعروفة مسبقاً على عائلات هؤلاء وذواتهم، فقد قرروا تجسيد إرادة شعبهم فعلاً مقاوماً بطولياً، تجلى بتنفيذ احترافي، وفي توقيته وأسلوبه ومكانه ونتائجه.
ومع أن العمليات لم تتجاوز، حتى الآن، الطابع الموسمي والتذكيري الذي يراهن العدو على احتوائه وتحمل مفاعيله، فإن تواليها وتزامنها مع حراك فلسطيني غاضب، وتوقيتها أيضاً، كلها عوامل أثارت في وعي القادة الإسرائيليين ووسائل إعلامهم قلقاً من أن يكون ما يجري بداية انتفاضة ثالثة. لذلك ينصب الجهد الإسرائيلي الآن على الحؤول دون تواصل هذا النوع من العمليات وتحولها إلى ظاهرة تلتف على التنسيق الأمني. من الجهة الأخرى، ما جرى يمثل صفعة لكل محاولات الإحباط المدروسة والموجهة إلى عقول وقلوب الشعب الفلسطيني وخاصة فئة الشباب، وهو يؤكد إخفاق قوة الردع الإسرائيلية، التي عمل العدو على تعزيزها بالقمع واستهداف المقاومين وعائلاتهم وأقربائهم.


مشكلة الإسرائيلي أنه بالغ في حشر الطرف الفلسطيني الرسمي والشعبي

من جهة أخرى، ينبغي تسجيل اعتراف لأجهزة التنسيق الأمني مع أجهزة العدو بـ«إنجازاتها» التي تمكنت بها من تخفيض مستوى العمليات إلى الدرجة التي بات العدو معها يراهن على إمكانية الجمع بين تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان والإمعان في القمع، وبين تحقيق الأمن، وإن حدث «خرق» هنا أو هناك، فإنه لا يزال ضمن السقف المحمول. وبرغم أن عمليات القدس والضفة لم تبلغ حتى الآن مستوى تحولها إلى عبء أمني على صانع القرار في تل أبيب، فإن مؤشراتها تؤكد وجود أرضية لتحرك مدروس ومخطط يمكن أن يؤدي إلى إسقاط المعادلة القائمة، وينجح الشعب الفلسطيني في مفاجأة الصديق والعدو، كما حدث أكثر من مرة سابقاً. ومما يضفي على تلك العمليات قيمة إضافية أنها تزامنت مع سياق انسداد آفاق التسوية وانفتاح المنطقة على مسارات لا تزال آفاقها ونتائجها غير واضحة.
ينبغي التشديد على حقيقة أن العمليتين نفذتا في الساحات التي يفترض أنها ينبغي أن تكون من ساحات المقاومة الفعالة، وخاصة أن تكريس احتلال الضفة والقدس وتهويدهما يحتلان رأس قائمة أهداف العدو الاستراتيجية. وهو يواصل تنفيذ مخططه في ظل غياب وتآمر عربي، ويمكن القول، أيضاً، إنه يستخدم عملية التسوية كغطاء سياسي للاستراتيجية التي يعتمدها.
وفي ما يتعلق بالخاصية المكانية لعملية القدس، لفتت صحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إلى أن «ما جرى على طريق حائط المبكى، هو عملية استراتيجية وليس أقل من ذلك». وقارنت الصحيفة بين هذه العملية وبين ما جرى في المنطقة نفسها خلال سنوات 1920 و1921 و1929، محذرة من أن هذه العملية «يمكن أن تردع اليهود عن زيارة أقدس مقدساتهم في الهوية والذاكرة اليهودية والقلب».
وأضافت: «هذه المسألة باتت تحدث في جبل الزيتون، في أكبر وأقدم مقبرة يهودية في العالم، حيث يخاف اليهود من زيارة قبور أعزائهم هناك». كما رأت «إسرائيل اليوم» أن العملية التي جرى تنفيذها في القدس جرت أمام الكاميرات التي توثق كل حركة على هذا المسار، وهذه الحقيقة وحدها «تعلمنا أنه تم فقدان الردع، وأنه حدث تشوش ما. وإذا لم يتم عمل شيء استثنائي وبسرعة، فإن مصير حائط المبكى سيكون مثل مصير جبل الزيتون».
الأمر نفسه صدر على لسان رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، الذي رأى أن العمليات الفلسطينية جاءت نتيجة فقدان الردع. لكن مشكلة الإسرائيلي أنه بالغ في حشر الطرف الفلسطيني الرسمي والشعبي، وجعل الجماهير أمام خيار وحيد هو خيار المقاومة. وإن كان في مرحلة من المراحل قد يكون بعض الفلسطينيين نخيلوا وجود ظروف تسمح بتحقيق حد أدنى ما يخفف معاناة الشعب، لكن الوقاحة التي أظهرتها إسرائيل، على ألسنة قادتها، وتحديداً على لسان رأس الهرم السياسي نتنياهو، تؤكد حقيقة للشعب الفلسطيني هي أنه لا بديل من المقاومة إلا المقاومة نفسها، وخاصة أن إسرائيل تحتل الأرض، وانتزعت من السلطة تنازلاً عن غالبية أرض فلسطين، وتعتقل الآلاف من الشباب، وتمارس العدوان والتوسع الاستيطاني دائماً، ثم بعد ذلك تتهم السلطة بأنها لا تريد المفاوضات من أجل تقديم المزيد من التنازلات!
والذنب الذي ارتكبته السلطة، أنها تطالب بما أبقته «اللاءات» الإسرائيلية التي طالت الأرض والإنسان والمياه والسماء وجوف الأرض: لا لدولة فلسطينية مستقلة تتمتع بالسيادة على أرضها وعلاقاتها الخارجية، ولا لعودة اللاجئين، ولا للانسحاب من غور الأردن الذي يشكل البوابة الشرقية الوحيدة للدولة الفلسطينية المفترضة، ولا لتقسيم القدس، ولا لاقتلاع كل المستوطنات (المطالبة بضم الكتل الاستيطانية الكبرى)، إضافة إلى المطالبة بحق سلاح الجو الإسرائيلي بسماء الضفة، أو الدولة الفلسطينية المفترضة... وأيضاً: لا لاستخراج المياه من آبار الضفة لأنها تؤثر في الثروة المائية في إسرائيل. وبعد كل ذلك، تتهم إسرائيل السلطة بأنها ترفض الاعتراف بيهودية إسرائيل في أي اتفاق نهائي مفترض، ثم تأتي أجهزة السلطة وتعتقل الشباب الفلسطينيين الذين يحاولون أو يخططون أو يعدّون العدة لمقاومة هذا العدو!
«السيناريو الكابوس» لقيادة العدو يتمحور في القلق من اتساع نطاق المجموعات الشبابية المحدودة العدد التي تحرص على ألا تتواصل مع بعضها البعض، وتلعب هي نفسها دور صانع القرار، والمخطط والمستطلع والتأمين اللوجستي والمنفذ، وكل ذلك يسلب أجهزة العدو، وأجهزة التنسيق الأمني القدرة على اختراق خطوط التواصل والتأثير في قرار هؤلاء، لذا لا يعني الحديث عن انتفاضة ثالثة بالضرورة تكرار أساليب المراحل السابقة نفسها، فلكل مرحلة تكتيكاتها التي تمكن مقاوميها من توجيه الضربات المؤلمة وتوفير مظلة تسمح لها بالاستمرار.