منذ مدة، أدركت السلطة أنّ استخدام العنف الجسدي ضد المتظاهرين لقمع الحراك لا ينفع، بل على العكس يستقطب المزيد من الناس، لذلك نقلت ساحة «القمع» إلى القضاء. التحقير، هو التهمة الأسهل استخداماً لديها.


كل من يشتم أو يكتب ضد هذه السلطة متهم بالتحقير مهما كانت حقوقه منتهكة ومسلوبة من قبلها. يعدّ القضاء اللبناني أسرع من يتحرّك في قضايا التحقير. لا يحتاج الأمر لديه إلى دقائق معدودة حتى يصدر إشارة لاعتقال «المحقّر»، على عكس ما يحصل في قضايا أخطر بكثير، مثل قضية الزوج المعنف المحامي أمين أبو جودة الذي عنّف زوجته على مرأى الجميع في الشارع، إلا أنّ القضاء انتظر رفع الحصانة عنه من قبل نقابة المحامين ليلاحقه.


يمكن أن تصل
عقوبة تحقير العلم إلى
الحبس مدة سنتين


ما ارتكبه أمس الناشط في حملة «طلعت ريحتكم» أسعد ذبيان، في نظر القضاء، أخطر بكثير من تعنيف شخص، فهو «حقّر» العلم اللبناني، لأنه كتب على جدار وزارة الداخلية المطلي بألوان العلم اللبناني شعار الحراك: «طلعت ريحتكم»! أمّا ما أعلنه النواب أول من أمس خلال اجتماع لجنة الاشغال من اتهامات متبادلة في ما بينهم في ملف فساد الكهرباء، فلم يستدع من القضاء أي تحرّك، على الرغم من أن هناك نواباً يتهمون بعضهم بسرقة أموال الكهرباء.
ماذا حصل؟
مجموعة «طلعت ريحتكم» نظمت أمس تحرّكاً رمزياً، تمثل في طلاء الطريق من وزارة المالية ــ مبنى الواردات وصولاً إلى مصرف لبنان، بإشارات ورسوم وشعارات. والهدف إرشاد رئيس الحكومة تمام سلام ووزير المال علي حسن خليل إلى المكان الذي يفتح فيه حساب الأموال للبلديات. ولما كانت وزارة الداخلية تقع مقابل مصرف لبنان، فقد قام الناشطون بالكتابة على الجدران المحيطة بالوزارة.
وأثناء مغادرة المتظاهرين الشارع، حضر العقيد نزار أبو نصر الدين وطلب التحدّث مع ذبيان «بالأملية». مشى العقيد مع ذبيان خطوات معدودة، قبل أن تركض مجموعة من قوى الأمن الداخلي باتجاههما وتعتقل ذبيان بالقوة، وتحمله إلى سيارة تابعة لها، وتغادر بسرعة إلى جهة مجهولة.
لم يعلم أحد من المعتصمين سبب الاعتقال المفاجئ. وصفوا ما حصل بأنه عملية خطف واضحة، بحيث استُدرج ذبيان وأُرغم بالعنف على الصعود إلى السيارة من دون تحديد التهمة. بقي المتظاهرون أمام مصرف لبنان نحو ربع ساعة بانتظار معرفة ما حدث، ليفاجَأوا بعدها ببيان صادر عن شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، مفاده أنّ «الناشط أسعد ذبيان قام بكتابة عبارات مسيئة على العلم اللبناني المخطّط على حائط وزارة الداخلية والبلديات. بناءً على إشارة القضاء المختص، تم توقيف الشخص المذكور بجرم تحقير العلم اللبناني». أُرفق الخبر بصورة لذبيان وهو يكتب على الحائط عبارة «طلعت ريحتكم».
هكذا إذاً صنّف «القضاء المختص» عبارة «طلعت ريحتكم» بأنها مسيئة، فأمر باعتقال كاتبها بناءً على المادة 384 من قانون العقوبات التي تنص على أنّ «من حقّر رئيس الدولة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين. وتفرض العقوبة نفسها على من حقّر العلم أو الشعار الوطني علانية بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 209»، وقد ذكرت المادة 209 أنّ «الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها إذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على شخص أو أكثر، تعدّ من وسائل النشر «.
يقول المحامي نزار صاغية إنّ ما قام به ذبيان لا يُعَدّ تحقيراً على الإطلاق، إذ يوجد في أي جرم شقّان: معنوي ومادي. في هذه الحالة، مادياً، لم يقم ذبيان بعمل يمكن أن يُتّهم فيه بالتحقير، ومعنوياً ليس هناك أي نية لدى ذبيان للتحقير، وبالتالي العنصر المعنوي للجرم مفقود.
ردّ المتظاهرين أتى سريعاً، فقرروا نقل الاعتصام إلى أمام مدخل وزارة الداخلية حيث قطعوا الطريق، رافضين إعادة فتحها قبل إخلاء سبيل ذبيان الذي تواردت معلومات عن وجوده في ثكنة الحلو، معبّرين عن موقفهم بجملة كتبوها على الأرض رداً على تهمة تحقير العلم: «الأرزة بلها وشراب ميتها دم». وحصلت مفاوضات بين المنظمين وقائد شرطة بيروت العميد محمد الأيوبي لساعات، إلى أن تقرر إخلاء سبيل ذبيان بسند إقامة عند الساعة الخامسة، ثم جرى فضّ الاعتصام.