ماذا يعني المتحف اليوم؟ وأين تكمن أهميته في منطقة كتلك التي نعيش فيها؟ أسئلة كثيرة في هذا الاتجاه طرحت خلال سلسلة ندوات أقامها متحف سرسق قبل أيام من افتتاحه. في لبنان هناك أكثر من 39 متحفاً متنوعاً بين الأثري والفني والأنتروبولوجي والديني (علماً أنّ أربعة متاحف جديدة ستفتتح في غضون سنوات منها «بيت بيروت» و«سارادار غروب» و«آبيل»).


تقول نادين بانايو هارون رئيسة قسم الدراسات المتحفية وإدارة التراث الثقافي في «جامعة البلمند» إنّ «المتاحف تؤمن المعرفة التي نحتاج لإدراك وفهم اختلافاتنا الثقافية. تلك المعرفة تسمح لنا بتحليل السلوكيات وتخطي حدود اللغة والتواصل بشكل أكثر فعالية، حيث يتم تحقيق روابط شخصية تشكل مفاتيح أساسية نحو تماسك اجتماعي. هذا التماسك قابل للحصول فقط عندما تكون المتاحف تفاعلية بشكل كليّ وعندما تخدم المجتمع الذي تعيش فيه». تشير بانايو إلى أنّه لا ينبغي التعاطي مع المتاحف على أنها «مقابر» كما ترى أن عدد المتاحف في الشرق الأوسط والخليج يتزايد في مؤشر إيجابي إلى «مستوى الوعي الذي وصل إليه العالم العربي حول أهمية الحفاظ على الإرث الثقافي وعلاقته المباشرة ببناء الهوية».
في سياق متصل، يرى مؤسّس مركز «مقام» المؤرخ الفني سيزار نمور، أن ظاهرة ازدياد المتاحف في المنطقة ولبنان مرتبطة بعامل استثماري نسبة لازدياد المزادات وارتفاع قيمة العمل الفني وهذا أمرٌ حسن، على أساس أن ذلك يعطي حصانة أولية لوجود العمل الفني. أما استمرارية المتحف ونجاحه في المستقبل، فهذا أمر آخر. كيف يؤكد متحف أو مركز فني ما استمراريته؟ كيف نتجنّب تحويله إلى مقبرة للأعمال الفنية؟ تزيد التجربة الفرنسية من صعوبة الإجابة. في فرنسا، هناك 120 متحفاً. ورغم محاولات وزارة الثقافة لـ «دمقرطة الثقافة» وجعلها متاحة للجميع، يعترف مدير متحف «نيسيفور نييبس» فرنسوا شوفال (1954) «إننا فشلنا، فالمتاحف في فرنسا اليوم تعاني». ربما تأتي هذه الصورة القاتمة التي يعطيها شوفال من كونه ينتمي إلى جيل آمن بـ «مساهمة الفن والمتاحف في إحداث تغيير اجتماعي» ويرى في عمل المتاحف تجسيداً للـ «يوتوبيا الاجتماعية». يشدد شوفال في صحيفة «لوموند» (17-3-2012) على البعد السياسي لوظيفة الفن و«مهمته الأولى في نقد العالم». تلك المعركة التي باءت بالفشل في بلد ما زال قدوة ثقافية بالنسبة إلى البعض، يقودها اليوم لبنان بشكل أو بآخر. الوضع هنا مختلف. المبادرات الفردية وجهود المؤسسات الخاصة تطغى على عمل المؤسسات الحكومية. إذا أردنا أن نبحث في حال المؤسسات الحكومية، ننتبه إلى أنّها تعاني من نقص الموارد البشرية والمادية. المتحف الوطني مثلاً يتألف طاقمه الإداري من شخص واحد أو اثنين. «ليس هنالك اهتمام بالشأن الثقافي لدى سياسيي لبنان» يقول سيزار نمور الذي واكب الفن التشكيلي اللبناني المعاصر منذ الخمسينات ونظم عام 1987 في الرابية مؤتمراً شبيهاً لسلسلة الندوات التي قام بها اليوم متحف سرسق حول حاجتنا كأفراد لوجود متاحف. بالنسبة إليه، النية السياسية لدعم المتاحف وسائر الفنون غير موجودة منذ أوائل التسعينات وما زالت حتى اليوم. لكن مهلاً. هناك بعض البوادر الإيجابية. قبل سنتين، باشرت وزارة الثقافة بتنظيم أمسية المتاحف في 28 آذار (مارس) من كل عام حيث تُفتح أبواب بعض المتاحف في بيروت مجاناً للمواطنين (4 متاحف فُتحت عام 2014 و 10 عام 2015). مبادرة يبنى عليها، لكنها غير كافية. أي رابط قد يبنيه الفرد مع قبر أحيرام أو مع أي تحفة أخرى أو أي عمل فني معاصر حين يتحول فضاء العمل برمته إلى احتفالية تضم الآلاف من المرتادين الذين يزورون تلك المتاحف للمرة الأولى على الأرجح؟ هل سيعرف من هو أحيرام؟ وما هي قصته؟ هل سيتسنى له الوقت للنظر في جماليات العمل أمامه؟
بين 2014 و2015، تضاعفت أرقام مرتادي المتاحف في تلك الأمسية. ولكن إذا استكملت هذه الأمسية بفعاليات أخرى تنظم على مدار العام، فإنّ ذلك يبني رابطاً أكثر متانة مع إرثنا الثقافي بما في ذلك الفن المعاصر. مجانية المتاحف ليست المشكلة، بل إنّ المشكلة تكمن في بناء هذا الرابط بفكرة ارتياد متحف لدى الفرد في لبنان أكان معاصراً أم أثرياً.
شدد معظم المتحدثين في ندوات سرسق على دور التربية والتعليم في تحسيس الجماعات على الأعمال الفنية. متاحف كثيرة في لبنان بدأت بتنظيم برامج تربوية، لكن ذلك ليس كافياً في بلد كبلادنا. ذكر الفنان أكرم الزعتري حادثة تغريم مجلة «السمندل» قبل أيام من قبل القضاء اللبناني بسبب تخطيها أحد الخطوط الحمر الرقابية. أي فن معاصر يستطيع الاستمرار بوجود رقابة تدفع الفنان إلى ممارسة رقابته الذاتية؟ هذا ولم نتحدّث بعد عن نقص التمويل الذي تعانيه المتاحف في لبنان ولا عن إعادة تعريف ماهية العمل الفني وعلاقته بالمشاهد: هل كل الأعمال الفنية المعاصرة تستطيع أن تقدّم لكل الجماهير بالطريقة نفسها؟ كيف تقدم عملاً معاصراً صُنع ليخرجنا من «منطقتنا الآمنة» comfort zone لفرد لا يرى في الفن إلا غرضاً تزيينياً جمالياً؟ وهل لنا الحق باستبعاد هذا الفرد إذا كانت رؤيته كذلك؟ كيف نستقطب جماهير جديدة؟ ماذا عن ضرورة العمل خارج المدينة في الأطراف والقرى؟ فلنعد إلى الصفر إذاً.
مهمة متحف سرسق تشكل تحدياً كبيراً في ظل هذه المعطيات. الرهان عليه كبير جداً. ربما وجب لإنصافه أن لا نحمّله كل تلك المسؤوليات الواردة أعلاه.