جولة أخرى من جولات القمع مارستها وزارة الداخلية أمس بغطاء من قوى السلطة المختلفة. لم يكن القرار يحتاج الى أي حجّة. ففي الوقت المحدد، عندما اكتمل الحشد في الاعتصام الذي دعت اليه مجموعات الحراك الشعبي في ساحة الشهداء، قُطع التيار الكهربائي عن منطقة وسط بيروت، وبدأت سيارات الاطفاء رش المتظاهرين والمتظاهرات بالمياه على مدى ساعات طويلة ومن دون توقف.


تحرّكت فرق مكافحة الشغب لفض التجمعات باستخدام العنف المفرط والايذاء الجسدي، أطلقت قنابل الغاز و"الحجارة" بكثافة على الرؤوس والاجساد، وقع عدد من الجرحى وأصيب العديد بالاختناق، وتم اعتقال العشرات من الشبان والشابات واقتيدوا الى مراكز الحجز الاعتباطي. هناك انتظر المحامون طويلاً قبل السماح لهم بمقابلتهم، واكتشفوا أن إشارة صدرت عن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر تقضي بتوقيفهم من دون إسناد أي تهم محددة اليهم، في انتهاك فاضح لأبسط الحقوق ومبادئ العدالة والاصول القانونية، بل إن قوى الامن الداخلي لاحقت بعض الجرحى الى المستشفيات وقامت باعتقالهم بطرق ملتوية، حيث أمضت أسر هؤلاء ليلها وهي تبحث عن أولادها الجرحى في المخافر من دون أن تعلم بمراكز احتجازهم... هذه بعض الامثلة عن الاجوبة التي تلقتها الحركة الاحتجاجية، أمس، لقاء مطالبتها بعقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء من أجل رفع النفايات من الشوارع واعتماد الحلول البيئية.


ساد صمت "قوى السلطة" فلا تعليق ولا إدانة ولا استفسار عن مواطنين ومواطنات جرى التنكيل بهم


في ظل هذا المشهد المتكرر، ساد صمت "قوى السلطة". لا تعليق ولا إدانة ولا استفسار عن مواطنين ومواطنات جرى التنكيل بهم، وشمل هذا التنكيل صحافيين وإعلاميين يؤدون واجباتهم المهنية، ما عدا بيان صدر عن الأمانة العامة لقوى 14 آذار، وأثار ردود فعل واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، رأى أن "التظاهرات انزلقت في اتجاه مشبوه"، وطلب "عدم السماح لإدخال لبنان في مجهول أمني ودستوري وسياسي في مرحلة شديدة الخطورة".
إذاً، تُرك الكلام لقوى الامن الداخلي ميدانياً، وعبر بيانات متتالية تبرر به عنفها، إذ أعلنت أن وصول الناس الى ساحة عامة، هي ساحة النجمة، "قد يؤدي إلى عواقب لا تحمد عقباها"، وأن استخدام "وسائل مكافحة الشغب من خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع تستخدم في أرقى الدول الديموقراطية حفاظاً على السلامة العامة ومنعاً لتفاقم الأمور"! وأنكرت قوى الامن الداخلي في بيانات أخرى أن تكون قد أوقفت أياً من الجرحى في المستشفيات، وهو ما كذّبته شهادات إحدى الاسر في منتصف الليل وناشطين في مجموعات الحراك.


أبى وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق إلّا أن يكون المستهدف الأول في تظاهرة أمس. استقالته أصبحت مطلباً أساسياً بعد أن كرّس نفسه المسؤول الأول عن القمع الوحشي الذي يتعرض له المتظاهرون. وحتى منتصف الليل كان قد تم اعتقال عشرات المتظاهرين، ومن بينهم قاصرون ومنظّمون في الحراك، وأعلن الصليب الاحمر أنه نقل أكثر من 35 حالة اختناق وعشرات الجرحى الى المستشفيات.
منذ الساعة السادسة مساءً بدأ الناس يتوافدون إلى ساحة الشهداء. المشهد الاعتيادي بقي نفسه: مجموعات الحراك اختار كل منها مكاناً للتجمع، فالتقى ناشطو حملة "بدنا نحاسب" في ساحة رياض الصلح، ودخلت حملة "جايي التغيير" من جهة مسجد محمد الأمين، وكذلك حملة "الشعب يريد"، فيما اجتمع أفراد حملة "طلعت ريحتكم" في ساحة الشهداء، بينما دخلت مجموعات أخرى من جهة الصيفي، ليلتقوا جميعهم أمام الحائط الإسمنتي أسفل مبنى النهار. على الرغم من أنّ المطلب الاساسي للتظاهرة كان عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء من أجل حل مسألة النفايات، إلا أن المجموعات تمسّكت بخطابها المطالب بمحاسبة الفاسدين. تحدّثت بعض المجموعات عن موت الأطفال على أبواب المستشفيات، فيما رأت مجموعات أخرى أن المشكلة الأساسية تكمن في "النظام الأبوي القاتل"، مطالبةً بالعدالة الاجتماعية والمساواة. الجميع أراد الدخول الى ساحة النجمة، وقد زاد الحائط المنصوب أمامهم رغبتهم في ذلك. استفزّ هذا الحائط المتظاهرين، خصوصاً أنهم أعلنوا سابقاً أنّ وجهتهم هي ساحة النجمة، فبدأوا برفع الحواجز الحديدية الفاصلة، إلى أن تمكنوا من إزالتها بالكامل وإطاحة الحائط استعداداً للدخول إلى الساحة.

تُرك الكلام لقوى الامن الداخلي ميدانياً وعبر بيانات متتالية تبرّر به عنفها ضد المتظاهرين

هنا، قُطِعت الكهرباء عن الساحة، وسيطر الظلام، فبدأت القوى الأمنية تزيد منسوب عنفها: انطلقت حملة اعتقالات عشوائية، أطلقت القنابل المسيلة للدموع على رؤوس المتظاهرين بأعداد هائلة ومن كل الجهات، ما أدّى إلى محاصرتهم واختناق عدد كبير منهم، كذلك لاحقت المتظاهرين بخراطيم المياه على مسافات بعيدة، ما أثبت أنّ هذه القوى لا تسعى إلى تفرقة المتظاهرين فقط، بل تريد فعلاً أذيتهم. أبى المتظاهرون مغادرة الساحة قبل إطلاق سراح جميع المعتقلين، وأعلنوا أنهم ليسوا "حراكاً" بعد الآن، بل أصبحت حركتهم "انتفاضة" ضد السلطة وأجهزتها الأمنية. هدّد هؤلاء بالتصعيد أمام المخافر والثكنات والمحكمة العسكرية إذا استمرت الدولة في التعامل بهذه الطريقة البوليسية مع المتظاهرين. كلما ازداد قمع القوى الأمنية ازداد إصرار المتظاهرين على المواجهة. شعار "ارحل يا مشنوق" سيطر على هتافات الناس، إذ إنّ قمع القوى الأمنية طال هذه المرة عدداً كبيراً جداً من الموجودين في ساحة الشهداء. وعليه، حمّلت "طلعت ريحتكم" "وزير الداخلية نهاد المشنوق المسؤولية الكاملة عن التصعيد الامني ضد المتظاهرين"، معلنةً عن خطوات تصعيدية مفاجئة ستنفذها رداً على هذه الممارسات.
حملة "بدنا نحاسب" أعلنت في بيان لها "أن ساحة النجمة ليست ملكية خاصة لرئيس مجلس النواب، ومن حقنا أن نتظاهر في داخلها، ولا يجوز لوزير الداخلية منعنا من ذلك إرضاءً لنرجسية شخص أياً يكن". كذلك رأت الحملة أنّ "الضرب بالهراوات ورش المياه وإلقاء القنابل المسيلة للدموع والدخانية أصبح سلوكاً روتينياً خطيراً يستفز المحتجين ويهدد بانفلات الأمور"، مدينةً "سلوك الأجهزة الأمنية" ومحمّلةً "وزير الداخلية المسؤولية الكاملة عن أفعالها".
مع تقدّم الساعات، تحوّل محيط مبنى النهار إلى مستنقع مياه بعدما استخدمت القوى الأمنية كميات هائلة من المياه، إذ لم تتوقف خراطيم المياه منذ الساعة السابعة مساءً حتى ما بعد منتصف الليل. وسط هذه الأجواء كانت قوى الأمن الداخلي تُصدر بيانات عن إصابة أعداد من عناصرها. إلا أنّ ادعاءات قوى الأمن عن تعرّض المتظاهرين لعناصرها بطلت تلقائياً مع إحصاء أعداد الجرحى في صفوف المتظاهرين الذين رُموا بالحجارة من قبل العناصر الامنية وتعرضوا للضرب بالهراوات واستُهدفوا بالقنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه.
عند الساعة 12.30 بعد منتصف الليل دخلت فرق مكافحة الشغب الى ساحة الاعتصام وانقضّت على من بقي فيها وقامت باعتقالهم، ومارست العنف الجسدي ضدهم أمام كاميرات التلفزيون، فيما المتظاهرون الآخرون انتقلوا الى ثكنة الحلو في شارع مار الياس للتضامن مع المعتقلين والمعتقلات والإصرار على تحريرهم، وهو ما لم تستجب له السلطة.