هناك حكاية شهيرة تروى عن ونستون تشرشل. يبدو أن هناك في قيادة الأركان من جاء إليه، ولندن تحت النيران النازيّة، يطالبه بتقليص موازنة الثقافة لـ… دعم المجهود الحربي. فما كان من رئيس الوزراء البريطاني إلا أن أجاب، بسرعة بديهته المعهودة: «إذا لم يعد هناك من ثقافة، فلماذا نحارب؟». السؤال راهن في العالم العربي الذي ينزلق إلى ليل الانحطاط والهمجيّة والأمية والردّات.


غرغرينا الحرب في هذا المقلب الملعون من العالم، ستعيدنا (جميعاً) إلى الجاهليّة، إذا لم نقاوم، والثقافة هي سلاح المقاومة الأمضى. سؤال تشرشل يترجّع صداه في آذاننا، وضمائرنا الآن: «نوافذ»، الملحق الثقافي الذي صدر أسبوعيّاً مع جريدة «المستقبل»، لأكثر من ١٥ عاماً، سيفتقده قراؤه ابتداءً من هذا الأحد، وذلك «إلى أجل غير مسمّى، بسبب الأزمة الماليّة».
لا مكان طبعاً للمزايدة هنا، أو اتهام زعيم أو جهة من دون سواها، لكنّ أي مشروع سياسي لا يولي الثقافة، بكل غناها وتنوّعها وانفلاتها، مكانة الصدارة، هو مشروع مشبوه حكماً. هذا هو النمط الاقتصادي والثقافي والحضاري الذي يُعدّ لعاصمة الحداثة العربيّة، بل للمنطقة بأسرها. الأموال تستثمر في شرائنا وتجهيلنا… في ترك سوسة الحقد والتعصّب تنخر ضمائرنا… في فرض الأميّة قاعدة تربويّة ومدنيّة، باسم هويّة «بديلة» تارةً، ووعي «لاسياسي» تارةً أخرى. هذه الأموال تضمن تبعيّتنا للفكر المهيمن، ومبايعتنا لطغاة جدد، لا يختلفون كثيراً عن سابقيهم. مع كل هذا الأموال الفاجرة التي تهدر، ليس هناك من مقدرة على حماية الاعلام واستقلاليّته في ظل أنماط طفيليّة وريعية وغير منتجة. لم يعد لبنان قادراً على حماية الصحافة الورقيّة التي ليست في طريقها إلى الانقراض كما يشاع، بل هي مطالبة بالتجدد والإصغاء إلى معاصريها. أما الصحافة الثقافيّة تحديداً، فمن الطبيعي أن تصبح ترفاً زائداً في ظل اقتصاد الكاباريه والسماسرة وقطاع الطرق. للأمانة، لم يعد كاتب هذه السطور، منذ زمن، من قرّاء ملحق «نوافذ» المتحمّسين. لكنّه، مثل كثيرين في هذه المدينة وخارجها، كان يعيش مطمئنّاً إلى فكرة وجوده. في الفترة الأخيرة، كان هناك في بيروت خمسة ملاحق ثقافيّة (أحدها فرنكوفوني). لم يبقَ الآن إلا أربعة. ولا أحد يعرف ما يخبّئه لنا الغد. شيئاً فشيئاً تنطفئ نوافذ الثقافة في بيروت التي تزدري الفقراء، وتلفظ أبناء الطبقة الوسطى. نحن ما زال عندنا هذا الحيّز، في هذه الجريدة، لا لكي نرثي «نوافذ» بل لنتمنّى عودته. نحيّي كل رفاق الراحلين بسام حجّار وهاني درويش وصالح بشير… ممن ساهموا بشكل أو بآخر في هذا المشروع الذي دافع عن أشكال التعبير المختلفة، وعن أفكار لم تكن بالضرورة دائماً أفكارنا. نتقاسم الخيبة مع زملاء يعيشون اليوم، مثل قرائهم، حالة من الاحباط والخواء والتشكيك في المستقبل.