تقوم السردية الإسرائيلية أمام النفس والآخر على دعامتين: الاصطفاء والتظلم. الاصطفاء: أي إن الإسرائيليين (اليهود) شعب استثنائي في خصاله الذهنية والنفسية التي تنبثق منها قصة نجاحه في بناء دولته والإستمرار فيها وسط محيط معادٍ؛ والتظلم: يعني الشكاية من جور الآخرين ورفضهم غير المبرر لهذا الشعب. رفض اقترن في محطات تاريخية بعنفٍ وصل حدود الإبادة.

وفي حين أن الدعامة الأولى تكتسي بعداً وجدانياً بشكل خاص، تقتصر مساحة التعبير عنه، عموماً، على الوسط اليهودي الداخلي، فإن الثانية، رغم مرتكزاتها الداخلية، تتخذ ــ عن سبق تخطيط ــ من الحيز الخارجي، السياسي والإعلامي، ساحة أساسية للتعبير والفعل. المقصود أن توظيف التظلم بالنسبة لإسرائيل لا يعدّ شيئاً فرعياً أو ثانوياً في ممارستها السياسية والإعلامية، بل يكاد يكون أحد العناصر الرئيسية في الخطاب الرسمي لتل أبيب وأدبياتها المعتمدة.
يكفي مثلاً، للتثبت من ذلك، إجراء تصفح سريع لكافة الخطابات التي يلقيها الساسة الإسرائيليون ــ دون استثناء ــ على المنابر الخارجية (والداخلية). سيكتشف المرء، دون عناء، أن رواية المظلومية اليهودية والإسرائيلية حاضرة بقوة (عند الحديث عن الماضي والحاضر) وكيف أنها تشكل مستمسكاً لصياغة المواقف السياسية التي يحملها الخطاب. ويصل الإسرائيليون في توظيفهم لرواية التظلم حد تحويلها إلى ما يشبه "سلاحاً أخلاقياً" يتم استخدامه لتبرير مواقف سياسية وأمنية يتخذونها، أو لمواجهة ضغوط خارجية يتعرضون لها.

لطالما ربطت إسرائيل مواقفَ متشددة لها في مفاوضات التسوية بذريعة "الإرهاب" الفلسطيني

يمكن، في هذا السياق، استحضار الكثير من الأمثلة؛ منها، مثلاً، حادثة تمزيق السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، حاييم هرتسوغ، قبل أربعين عاماً، ورقة القرار 3379 (الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية) أمام الملأ، مُحمّلاً "باسم الشعب اليهودي" سفراء دول العالم "المسؤولية عن المحرقة الثانية بحق اليهود التي سوف تُرتكب في أعقاب القرار". وليست سياسة إسرائيل مع دولٍ أوروبية بعيدة عن هذا التوظيف، حيث "معاداة السامية" (بتجلياتها التاريخية والحالية) جاهزة للاستحضار كعنوانٍ ضاغط عند أي مفترق سياسي (في أوروبا، يمكن المرء أن ينتقد أو حتى يشتم كل مقدسات الدنيا، لكن عليه أن يتلفت يميناً وشمالاً قبل أن يهمس بكلمة ضد اليهود أو إسرائيل). ولعل النموذج الأبرز في السياق الأوروبي هو علاقة إسرائيل بألمانيا، الدولة التي تعيش تحت رحمة التلويح الإسرائيلي الدائم بماضيها النازي، وتخضع للابتزاز المالي المستمر بذريعة هذا الماضي: عام 1952 وقّعت تل أبيب وبون اتفاقية دفعت فيها الأخيرة لإسرائيل ما مقداره 3 مليارات مارك بعنوان تعويضات للشعب اليهودي عن الهولوكوست. الأنكى، أن برلين نفسها أتحفت إسرائيل بثلاث غواصات، بنصف ثمنها، مطلع التسعينيات (صارت ستاً الآن) تعويضاً لها على ضبط نفسها إبان حرب الخليج وعلى اكتشاف دور شركات ألمانية في مساعدة النظام العراقي لتصنيع أسلحة كيميائية!! (علماً بأن الدولة الوحيدة التي استخدمت ضدها هذه الأسلحة هي إيران، وكذلك الشعب الكردي شمالي العراق).
ولطالما ربطت إسرائيل مواقفَ متشددة لها في مفاوضات التسوية ــ وصلت حد تجميدها ــ بذريعة "الإرهاب" الفلسطيني، وعلّلت إجراءاتٍ استيطانية ــ من شأنها إقفال الباب على مستقبل الحل السياسي ــ بتلك الذريعة أيضاً. وعندما كان العالم يطالبها بالمرونة، كانت "تستنجد" دوماً بـ"الإرهاب". للتذكير: الموقف التقليدي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ردّاً على الانتقادات الدولية بشأن الاستيطان في الضفة الغربية هو: "المشكلة لا تكمن في بناء بضع وحدات سكنية لحل مشكلة السكن للشباب الراغبين في الزواج، بل في الرفض المبدئي لدى الفلسطينيين للدولة اليهودية".
وعند التدقيق في الاستخدام الوظيفي للتظلم بالإرهاب إسرائيلياً، يمكن المرء أن يستنتج بسهولة وجود مسعى منهجي لتكريس استجابة شرطية ــ بالمعنى البابلوفي ــ عند المتلقي، تقوم على ركيزتين: أولاً، حصرية التعريف بالإرهاب، بحيث يحضر في الأذهان عند ذكر العبارة جهات ثلاث: المقاومة الفلسطينية، حزب الله، إيران. ثانياً، حصرية الضحية، بمعنى أن إسرائيل تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها الضحية الأولى في العالم للإرهاب، من حيث إنها تقف في خط الدفاع الأمامي للدفاع عن الحضارة الغربية وتتحمل تبعاً لذلك الأثمان.
وعند الحديث عن تكريس مفهوم "حصرية الضحية"، لا يفوت المرء استحضار الهولوكوست كنموذج عملي بارز: من الممنوع ــ إسرائيلياً ــ أن تنازع مكانتها الحصرية مجزرة أخرى عبر التاريخ، علماً بأن غجر أوروبا، مثلاً، تعرضوا لهولوكوست مماثلة على أيدي النازية، وكذلك حال الأرمن على أيدي الأتراك.
حتى عندما تحول "الجهاديون" في أفغانستان من حركة مقاومة في مواجهة السوفيات، إلى منظمة "إرهابية" ــ في قاموس المصالح الغربية ــ وأعادوا توجيه بنادقهم نحو الغرب، كما حصل في 11 أيلول وغيرها، تلخص الموقف الإسرائيلي بخطابٍ من نوع: "أرأيتم... الآن أنتم تتذقون ما نأكله نحن".
لكن ما الذي استجدّ الآن؟ منذ "إخراج" مارد داعش وأخواته من القمقم، طرأت تحديات على الرواية الإسرائيلية القائمة على التوظيف التظلمي للإرهاب. تتلخص هذه التحديات بثلاثة أمور: أولاً ــ تحول السلفية الجهادية ــ بأشكالها المختلفة ــ إلى التهديد الإرهابي الأول على جدول الأعمال الدولي (الغربي تحديداً). ثانياً ــ تحول الغرب إلى ضحية مباشرة ومستدامة لهذا التهديد الإرهابي؛ ومن المفاعيل المباشرة لهذين التحوُّلَين هو انتقاض الركيزتين الأساسيتين للرواية الإسرائيلية: فتعريف الإرهاب وتحديد هوية المتصفين به لم يعودا حكراً إسرائيلياً، بل لم يعد التعريف الإسرائيلي هو الأَولى عند الغرب، كما لم تعد إسرائيل نفسها الضحية الأبدية وشبه الحصرية للإرهاب ولا الأكثر استحقاقاً للتعاطف في الوضع المستجد.
الإرهاص الأول لتداعيات هذين التحولين على إسرائيل يمكن الوقوف عليه مثلاً في السجال الذي حصل بين سفير الاتحاد الأوروبي إلى إسرائيل، لارس فوبورغ أندرسين، ووزارة الخارجية الإسرائيلية قبل أسبوع (8-12-2015)؛ الأول قال في مقابلة إذاعية إنه "لا تجوز مقارنة إرهاب داعش الذي تواجهه أوروبا، والذي يجب استخدام القوة ضده، بعمليات الطعن التي يقوم بها الفلسطينيون، والتي يجب القيام بخطوات سياسية ودبلوماسية لمواجهتها". موقف الخارجية الإسرائيلية يعكس بوضوح المأزق المعنوي والسياسي الذي بدأت إسرائيل تعاني منه: "نحن نرفض التمييز الذي يقوم به سفير الاتحاد الأوروبي بين الإرهاب الفلسطيني وإرهاب داعش"، قال بيان صادر عن الوزارة، مضيفاً "إرهاب داعش يسعى لتدمير أوروبا والإرهاب الفلسطيني يسعى لتدمير إسرائيل. أقوال السفير الأوروبي تنطوي على ازدواجية معايير في ما يخص الإرهاب الذي يهدد الجميع".
بيد أن التحدي الثالث والأهم للرواية الإسرائيلية هو تحول جهاتٍ مُكرّسَة إسرائيلياً بوصفها عينُ الإرهاب وعصارته (حزب الله وإيران، سوريا) إلى حليف موضوعي للغرب في محاربة الإرهاب، وحليف فعلي لدولة عظمى هي روسيا في المهمة نفسها. تكمن المفارقة هنا، ليس فقط في خسارة إسرائيل (النسبية) للخصوصية التي يمنحها إياها دورا الضحية و"حارس البوابة" لدى الغرب، بل في انتقال ملامح (وربما أكثر) من هذين الدورين إلى أعدى أعدائها، الذين تحولوا إلى القوة الإقليمية الوحيدة التي تواجه الإرهاب بجدية ويمكن أن يُراهن على التحالف معها من أجل إلحاق الهزيمة به.
من هنا يمكن المرء أن يفهم التصويب الإسرائيلي على واشنطن التي "تسمح طريقتها في إدارة الصراع ضد داعش بأن يرفع المحور الشيطاني ــ إيران سوريا حزب الله ــ رأسه من جديد، وتعطيه الفرصة لأن يكون الرابح من التدخل الروسي في المنطقة" (صحيفة إسرائيل اليوم/ 9-12-2015). ويفهم أيضاً خلفية الرسالة التي حملها وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعالون، إلى الولايات المتحدة ، وشدد عليها في الاجتماعات التي عقدها مع لجان الكونغرس (9-12-2015): "يجري النظر إلى النظام الإيراني على أنه أحد حلول الاستقرار في الشرق الأوسط، لكننا نقول إنه جوهر المشكلة. هذا النظام يشجع الإرهاب ويسعى لتقويض الأنظمة في الشرق الأوسط، وهذه أخبار ليست جيدة للمنطقة، وليس فقط لإسرائيل".
هذه الخسارة المضاعفة لإسرائيل استوجبت بناء استراتيجية سياسية وإعلامية جديدة، الغاية منها استدراك ما أمكن من حظوظ إسرائيل في لعبة تظلم إضافية. يمكن تلخيص عناصر هذه الاستراتيجية بالآتي:
أولاً، تقديم إسرائيل نفسها بأنها أيضاً من الضحايا الافتراضيين لداعش، لجهة أنها تقع في بؤرة مهدافه الإرهابي، والحال أن"هجوماً لداعش ضد إسرائيل مسألة وقت فقط" (يديعوت أحرونوت7-12-2015).
ثانياً، تعويم "الإرهاب" الفلسطيني إعلامياً وسياسياً، من خلال خلط الأوراق بينه وبين الإرهاب الداعشي وتقديمهما كوجهين لعملة واحدة. نتنياهو (بعد مجزرة باريس): "حان الوقت لأن تدين دول العالم الإرهاب ضدنا كما يدينون الإرهاب في كل مكان في العالم. يجدر بالرئيس الفلسطيني أن يدين الإرهاب الوحشي ضد الأبرياء في إسرائيل كما أدان هجمات باريس... نحن لسنا مذنبين بالإرهاب الموجه ضدنا كما أن الفرنسيين ليسوا مذنبين بالإرهاب الموجه ضدهم. المسألة ليس مسألة أراض متنازع عليها أو مستوطنات أو أي عامل آخر. إنها الرغبة في تدميرنا التي تحرك العنف المجرم ضدنا" (15-11-2015).
ثالثاً: استحضار خطر الإرهاب الداعشي في سياق واحد مع خطر النظام الإيراني، مع التشديد على تفوق خطورة الثاني وتالياً ضرورة إعطاء الأولوية لمواجهته. نتنياهو: "إن وحشية تنظيم الدولة جذبت انتباه العالم ... لكني أعتقد أن هناك تهديدا أخطر بكثير تحدثه دولة إسلامية أخرى، إنها دولة إيران الإسلامية" (30-8-2015). "إن العمليات التي يقوم بها داعش غير قابلة إطلاقاً للمقارنة مع القدرات التي يبنيها النظام الإيراني" (2-7-2015).
رابعاً: الضغط من أجل بلورة استراتيجية مواجهة دولية تقوم على ضرب داعش بإيران والعكس أيضاً، وليس أبداً التحالف مع الأخيرة ضد الأول، أو تحييدها في سياق محاربة داعش. نتنياهو: "إننا نواجه تهديدين. داعش وإيران. يجب ألا نقوّي أحدهما على حساب الآخر. يجب إضعافهما ونحبط تهديد كليهما" (2-7-2015). "أنا غير معني بانهيار داعش لمصلحة تعزيز قوة إيران وحلفائها في سوريا" (1-12-2015).
في هذه النقطة تحديداً يسترجع نتنياهو مقاربة كان أرساها أستاذه، الزعيم التاريخي لحزب الليكود، مناحيم بيغين، في سياق تعبيره عن الموقف الإسرائيلي من الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات. "نتمنى التوفيق الكبير للجانبين" ــ قال بيغين، رداً على سؤالٍ حول موقع تل أبيب من حرب الخليج.




القتل "دفاعاً عن النفس"!

في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، بَنَت إسرائيل روايتها الإعلامية ــ السياسية، منذ عشرينيات القرن الماضي، حتى اليوم، على دمغ أي تعبير اعتراضي عملاني ضد احتلالها الأرض بدمغة الإرهاب. وإسرائيل، بحسب هذه الرواية، لم تخض حرباً أو تشنّ عملية عسكرية أو تقدم على هجوم أو تنفذ اغتيالاً أو تقتل رجلاً أو طفلاً أو امرأة أو تحاصر بشراً أو تدمر حجراً إلا دفاعاً عن نفسها ضد العدوانية "اللاسامية" المَرَضِية للفلسطينيين والعرب: "هم يقتلوننا فقط لأننا يهود" لسان حال الرواية الإسرائيلية أمام العالم، في ظل تجاهل جذري لكل منطلقات الصراع في فلسطين وسياقاته، وللارتكابات الإسرائيلية ذات الصلة. وبحسب هذه الرواية، تتحول محاولة طعن عفوية لفتاة فلسطينية في عمر الورود ثأراً لمقتل أخيها على أيدي قوات الاحتلال عمليةً إرهابيةً تستدعي إدانة العالم أجمع، فيما حروبٌ منفلتة العقال بحجم عدوان تموز على لبنان أو الحروب الثلاث الأخيرة على قطاع غزة، والتي قتل فيها آلاف مؤلفة من المدنيين ودُمّرت فيها أحياء عن بكرة أبيها، حروب كهذه تُقدم على أنها دفاعٌ مشروع وضروري عن النفس.