بنجاحه مجدداً في حشد عشرات الآلاف من مناصريه، أمس، وضع التيار العوني محطةً جديدة في السباق الذي يخوضه لتحقيق أهدافه المعلنة في الشراكة والتوازن. هذه المحطة جزء من مسار لن يكون قصيراً في ظل استمرار النهج السياسي الحالي وبقاء المعادلات الإقليمية من دون حسمٍ واضح وفعلي.


الحالة العونية التي استعادت النفَس الأساسي للتيار، تخوض هذا المسار بقيادة جديدة ديناميكية وتضع نصب أعينها إعادة تزخيم ماكينة تيار وحزب نشأ أساساً من رحم الحركة في الشارع، ولن تكون مستعدة لخسارة هذا الربح في رصيدها ورصيد التيار عموماً. وهي تتطلع بالتالي لاستخدامه في محطات أخرى قادمة، وخاصة أن الخطاب «الدفاعي» المرفوع للتيار ونهج قوى التحالف الرباعي يصبان في مصلحته مسيحياً وحتى وطنياً.
في المقابل، يشير العناد الذي تبديه القوى التي أنتجتها مرحلة التسعينيات إلى أن مسار الأمور في لبنان لن يكون مزروعاً بورود التفاهم، بل بكباش سياسي حاد على صفيح حكومة هشّة تهزها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. لن يكون الاستمرار برفض مبدأ التعيينات الأمنية واستكماله بتطيير تسوية الترقيات تحت عنوان محاصرة ميشال عون والسعي إلى إنهاكه، إلا إدخالاً للبلاد في المزيد من التأزيم وتعطل المؤسسات الدستورية وشللها. في خلفية تفكير هذه القوى أن مواصلتها منع استثمار التأييد الشعبي للعماد عون سياسياً هو أمر ممكن في المعادلات الدخلية والخارجية القائمة.
أما هدير الطائرات وضجيج البوارج الروسية في الجوار السوري والمشرقي، فهو وإن فتح صفحةً جديدة في موازين القوى في سوريا عنوانها القضاء على الحركات التكفيرية وباطنها محمّل بالكثير من العمق الاستراتيجي الروسي، فليس بالضرورة أن تظهر نتائجهما في القريب المنظور. نهاية المسار السوري تنتظر أيضاً التأكد من مدى الانكفاء الأميركي في الشرق الأوسط وحجمه الذي يستطيع أن يستوعب تدخلاً روسياً بهذا القدر غير المسبوق في المشرق. بمعنى آخر، كيف ستتعاطى واشنطن مع حلفائها الذين يخوضون منذ عام 2011 حرباً ضارية ضد النظام السوري، وأي تعاون ميداني سينشأ مع تركيا والسعودية وقطر المربكة كلها إزاء الهجمة الروسية البوتينية الحازمة؟
التحولات اللبنانية الداخلية محكومة دائماً بالتسويات التي تصنعها معادلات داخلية وخارجية. وفي ظل انتظار هذه التسوية التي ستولد من رحم المخاض السوري العنيف، تبقى الساحة السياسية اللبنانية أمام شد الحبال وتجميع النقاط وتثبيتها قبل أن يحين أوان الجلوس على الطاولة التي ستتحدد فيها الأحجام والموازين الجديدة. وهذا ما يبدو أن العونيين نجحوا في تحقيقه حتى الساعة، إضافةً إلى الإنجاز المهم بالنسبة لهم وهو إعادة استنهاض ماكينتهم الحزبية وشارعهم بعد أعوام من التركيز حصراً على العمل السياسي العادي.
يبقى أن تحقيق شراكة توازن حقيقي في السلطة، ستبقى أمامه عقبات الأسوأ فيها هو أداء قوى وشخصيات مسيحية ذات حيثيات ضعيفة أو معدومة في زمن تحولات استراتيجية ولا يتحمل «الحرتقة».