لم يكن إصرار رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على وصف العمليات التي ينفذها الشبان الفلسطينيون بأنها «موجة إرهابية» انطلاقاً من كونها امتداداً لما واجهته إسرائيل طوال تاريخها، بل إنه أراد بذلك التأسيس لفصل أسباب الهبة الشعبية الفلسطينية عن أداء وسياسات حكومته الاستيطانية والأمنية، ومحاولته فرض وقائع في المسجد الأقصى.


كذلك أراد قطع الطريق على أي محاولة استثمار داخلي لهذا المستجد الأمني، وعلى أي طرح يحاول معالجته بمطالبته تقديم ما يعتبره «تنازلات» سياسية للسلطة الفلسطينية. وإمعاناً منه في هذا الخيار، أتى طلب نتنياهو من وفد «الرباعية الدولية» إلغاء زيارته حتى لا يبدو كمن يفاوض تحت ضغط الشارع الفلسطيني. لكن إعلان مجيء وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إلى إسرائيل يأتي كجزء من محاولة احتواء الحراك الفلسطيني، تحت عنوان استغلال المستجد الأمني لتحريك المفاوضات التي ثبت مراراً وتكراراً أن لا أفق فعلياً لها.
مع ذلك، أدرك نتنياهو أنه لم يعد بإمكانه الاكتفاء بمؤتمر صحافي غاضب على العمليات، كما فعل بدايتها، في ظل استمرار واتساع نطاق العمليات التي أعادت إسرائيل إلى أيام الخوف الذي ساد بداية انتفاضة الأقصى، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قرارات أكثر حزماً وشدة. لذلك، فإنه حرص على أن تكون قرارات المجلس الوزاري المصغر ارتقاءً في الرد على إخفاق رهاناته على خمود وتراجع الهبة الفلسطينية.
لكن رئيس وزراء العدو تجنّب ذلك كخيار أوّلي، عبر حصار الأحياء الفلسطينية شرقي القدس، وسحب الإقامة الدائمة من أهل منفذي العمليات ومصادرة أملاكهم، إضافة إلى تسريع هدم بيوتهم ومنعهم من إعادة بناء ما سيهدم، وإلى إشراك الجيش في الترتيبات والإجراءات الأمنية في القدس. ويلاحظ من هذه القرارات أنها خطوة متقدمة في سياق مسار تصاعدي يبدو أن إسرائيل قررت انتهاجه بناءً على مستقبل التطورات الميدانية، الأمر الذي يعني أننا قد نكون لاحقاً أمام إجراءات أكثر قمعية وضغطاً.


شاركت المعارضة الإسرائيلية في المطالبة بمزيد من إجراءات القمع

ويدرك نتنياهو أن تصاعد الإجراءات القمعية قد يعني الدخول في مرحلة اللاعودة وانفتاح الواقع الأمني في إسرائيل على سيناريوات لم يكن يتخيلها. لذلك حرص على اعتماد مبدأ التدرج في هذه الإجراءات، خاصة أن ساحتها القدس ومناطق عام 48، الأمر الذي سوف تترتب عليه مفاعيل سياسية داخل البيت الإسرائيلي، وأيضاً على المستوى الدولي.
في هذا السياق، يحضر التنافس الداخلي كعامل مؤثر في القرارات السياسية والأمنية وحتى ضمن إطار الحكومة، فيزايد الجناح الأكثر يمينية على نتنياهو، ويدفعه نحو المزيد من التشدد. ومن أبرز ما كشفته وأكدته الهبة الفلسطينية، أن من يقدم نفسه كبديل سياسي عن نتنياهو لا يختلف عنه في الموقف، لجهة مساحة الإجماع التي تطال القدس واللاجئين والكتل الاستيطانية والإجراءات القمعية والأمنية، وهو ما برز تحديداً في كلام رئيس المعارضة و«المعسكر الصهيوني»، يتسحاق هرتسوغ، الذي زاد طلباته بفرض الإغلاق ومنع التجوال في أحياء شرقي القدس. أكثر ما يقلق القيادة الإسرائيلية أفق الهبة الفلسطينية، وهل ستحافظ على زخمها وتتخذ منحى تصاعدياً، على مستوى الأساليب وحجم العمليات والنطاق الجغرافي، أم ستعود وتخبو تدريجياً؟ في كل الأحوال، استطاع الشباب الفلسطينيون أن يدفعوا بقضيتهم، حتى الآن، إلى صدارة المشهد الإقليمي، على الأقل كجزء من الصورة، وأسقطوا الوهم الإسرائيلي بإمكان الجمع بين الاستقرار والاحتلال والاستيطان.
لم يعد في وسع صانع القرار السياسي والأمني في تل أبيب تجاهل حقيقة وجود موقف شعبي فلسطيني فعال، رغم كل أسباب الإحباط الموزعة على مساحة العالم العربي، وهو موقف يملك هامشاً واسعاً من الاستقلال، الأمر الذي ينطوي على إمكان حصول مفاجآت على خط المواجهة. ومما يرفع درجة خطورة الوضع في إسرائيل، أن القيادة السياسية والأمنية باتت تدرك أن «هيبة الأجهزة الأمنية» لم تردع الفلسطينيين، وهو ما يفرض عليها أن تأخذ ذلك بالحسبان في كل خطواتها. ميدانياً، انخفضت أمس وتيرة العمليات والمواجهات، فيما أصيب عشرة فلسطينيين في تجدد المواجهات مع جيش العدو، على بوابة مخيم البريج، شرقي غزة، بعدما استخدم الجيش قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والمطاطي، لصدّ الشبان الذين حاولوا اقتحام السياج الفاصل. وأعلن المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، أشرف القدرة، أن «فلسطينيين اثنين أصيبا بالرصاص الحي، فيما أصيب 8 اختناقاً». أما في الضفة المحتلة، فقد أصيب عشرات آخرون بجراح وبحالات اختناق، في مواجهات متفرقة مع الجيش. وقالت «جمعية الهلال الأحمر» إن طواقمها نقلت مصاباً بالرصاص الحي في بيت لحم، جنوبي الضفة، وسبعة آخرين بالرصاص المطاطي في رام الله، وسط الضفة.