ترجمة وتقديم: مازن معروف

لم يرض كثر عن فوز البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش بجائزة «نوبل للآداب» هذه السنة. اعتبروا أن في منحها الجائزة رسالة سياسية فجّة وانحياز مسبق. قيل كذلك إن اسم ألكسيفيتش نشط بقوة على لائحة الانتظار في الأكاديمية السويدية في السنوات الأخيرة.

وإن فوزها، الذي لم يكن إلا مسألة وقت، هو بحد ذاته فضيحة للأكاديمية على غرار منح الجائزة لوينستون تشرشل (1953) بعد توماس إليوت وبرتراند راسل، أو الإسرائيلي شيموئيل عجنون (1966) أو السويديين، عضوي الأكاديمية آنذاك، إيفند جونسون وهاري مارتنسون (1974). قد تكون كلها أسئلة مشروعة، إلا أن أياً منها لا يحسم الجدال أبداً، ولا يوصلنا إلى أي اعتبار مطلق قد يرضي الجميع في ما يخص منح الجائزة لأليكسيفيتش. لكن، إذا كانت ثمة رسالة أرادت الأكاديمية قولها هنا، فهو أن الجائزة لم تعد حكراً على كتّاب الشعر والرواية والقصة القصيرة، وأن الباب الذي بقي موصداً في وجه كتّاب الـ «نون فيكشن» لعقود، فتح اليوم على مصراعيه. أما إذا كان من أمر محتوم سياسياً في المسألة، فهو أن بولدوزر «نوبل» هذه السنة عبَّد الطريق ليس أمام مؤلفات ألكسيفيتش، بل أمام ما تبوح به هذه المؤلفات للعالم.

فلأتذكر هذا اليوم ما حييت

في قصيدة «جنّاز» للشاعر البيلاروسي أناتولي فيرتينسكي، يُسمع صوتُ كورس أطفال عبر الحقل، حيث يستلقي جنود موتى. الأطفال الذين لم يولدوا بعد يزعقون فوق كل قبر شائع ويبكون. هل يظل الطفل بعدما يشهد أهوال الحروب، طفلاً؟ من يُرجِع إليه طفولته؟ دوستويفسكي قاس مرة السعادة الكليّة بتعاسة طفل واحد. وآلاف الأطفال كانوا على هذه الحال بين عامي 1941 و1945. ما الذي سيذكره هؤلاء؟ أي شيء سيعيدون روايته؟ لكن عليهم أن يعيدوا رواية كل شيء. لأن القذائف، وإلى يومنا هذا، لا تزال تنهمر في بعض المدن، الرصاص يئز، والصواريخ تحيل منازل فتاتاً وأنقاضاً، وتضرم النار في سرير طفل ما. وفي يومنا هذا، لا يزال هناك من يريد أن يشعل حرباً على نطاق واسع، هيروشيما كونية، حرب يتبخر الأطفال بلهبها الذري، كما لو أنهم قطرات ماء، يذبلون كأزهار مريعة. سنسأل، أي بطولة تكمن في أن يختبر طفل عمره خمسة أو عشرة أو إثني عشر عاماً، الحرب؟ ما الذي يمكن أن يدركه الأطفال، ما الذي يمكن أن يروه، أو أن يتذكروه؟ الكثير!
وأي شيء يذكرونه عن أمهاتهم؟ عن آبائهم؟ غير موتهم: «زر من معطف أمي بقي فوق قطع من الفحم الحجري. أما في الفرن فكان هناك رغيفا خبز صغيران ساخنان» (آنا توشيتسكايا – 5 سنوات). «بينما كانت كلاب الـ «جيرمان شيبيرد» تمزق أبي إرباً، أخذ يصيح: خذوا ابني بعيداً... خذوا ابني بعيداً كي لا يرى هذا المنظر». (ساشا خفالاي- 7 سنوات). أكثر من ذلك، فإن بإمكانهم إخبارنا كيف قضوا جوعاً وبرداً. كيف راحوا يركضون وصولاً إلى الجبهة. وكيف قام أناس غرباء برعايتهم وتبنّيهم. وكيف، حتى هذه اللحظة، من الصعوبة بمكان سؤالهم عن أمهم. اليوم، هم آخر شهود تلك الأيام المفجعة. وهم آخر من بقي من عائلاتهم.
طوبى لافتقارنا وسائل دفاع في وجه ذاكرتنا. من نحن دونها؟ إنسان بلا ذاكرة سيكون قادراً فقط على اقتراف الآثام، لا شيء سوى الآثام. كجواب على السؤال التالي: «من إذن بطل هذا الكتاب؟» أقول الطفولة، الطفولة التي أُضرِمت فيها النيران، التي أُطلِقَ النار عليها، التي قضت نحبها بالقنابل، بالرصاص، بالجوع، بالخوف وبغياب الأب. وللتاريخ، فإن ستة وعشرين ألفاً وتسعماية طفل نشأوا أيتاماً في بيوت في بيلاروسيا عام 1945. وفي صورة أخرى، فإن ثلاثة عشر مليون طفل ماتوا خلال الحرب العالمية الثانية.
من الذي يمكنه أن يحدد اليوم كم من أولئك الأطفال كانوا روساً، بيلاروس، بولنديين أو فرنسيين. لقد مات هؤلاء الأطفال، وهم مواطنو هذا العالم.

كان خائفاً من أن ينظر حواليه
(زينة بلكيفيتش، 5 سنوات. عاملة. تعيش في برست)

بابا وماما ظنّا بأننا نيام. لكنني كنت ممددة بجانب أختي الصغيرة أتظاهر بأنني غفلانة. رأيت بابا يقبّل ماما. قبّل وجهها، ويديها. وأنا تفاجأت. لم يحدث من قبل أن قبّل بابا ماما إلى هذه الدرجة. ثم خرجا إلى الفناء. فهرعت إلى النافذة. ماما كانت تحيط بعنق بابا ولم تشأ أن تدعه يغادر. بابا فسخها عنه وراح يركض. لكنها لحقت به، ومجدداً، لم تكن تريده أن يذهب وكانت تصرخ. ثم بدأت أنا أصرخ «بابا». أختي الصغيرة وأخي فاسيا استيقظا. أختي الصغيرة رأتني أبكي وصرخت بدورها «بابا». ركضنا إلى الخارج. كلنا. وحتى وصولنا رواق المنزل، لم يكن على شفاهنا إلا «بابا». رآنا أبي، لا أزال أتذكر. غطى وجهه بيديه وغادر. حتى أنه ركض. كان خائفاً من أن ينظر حواليه.
شعاع الشمس على وجهي كان دافئاً جداً حتى أنني إلى الآن غير مصدِّقة أن أبي غادرنا إلى الحرب في ذلك الصباح. كنت صغيرة جداً، لكن أخال أنني كنت مدركة بأنها المرة الأخيرة التي أراه فيها. ما جعلني أقرن الأمر في ذهني بأن الحرب هي عندما لا يكون والدك في المنزل.
بعد ذلك أتذكر كيف كانت أمي ممددة على مقربة من الطريق السريع وذراعاها ممدودتان. لفّها الجنود برداء واق من المطر ودُفنت في ذلك المكان. «كنا نصرخ طالبين منهم ألا يدفنوها...».

طلب منها أن تنهض
(تمارا فلوروفا (ثلاث سنوات). مهندسة. تعيش في كيبيشيف)

يقال إن الجنود عندما عثروا عليّ كنت بجانب أمي المتوفاة. كنت أبكي وأطلب منها أن تنهض. كان ذلك عند إحدى محطات القطار في ضواحي مينسك. وضعني الجنود على متن قطار متجه شرقاً، ناقلين إياي أبعد وأبعد عن ساحات الحرب. وهكذا، انتهى بي المطاف وسط أناس آخرين في كفالينسك. هناك، تبنّاني رجل وامرأته، من آل شيركاسوف. أصبحا والديّ. أنا لا أعرف من يكون والداي الحقيقيان. لا صور لدي، ولا حتى ذكريات. لا أعرف أي نوع من الأمهات كانت ماما أو أي نوع من الآباء كان بابا. لا أتذكر. لقد كنت صغيرة جداً.
أحيا، وشعور يخامرني بأني ولدت من رحم الحرب. فأنا لا أتذكر أي شيء من طفولتي سواها...

لو أن واحداً من ولدَينا الصبيَّين ينجو
(ساشا كافروس (عشر سنوات). يعمل في الفيلولوجيا. يعيش في مينسك)

كنت في المدرسة. خرجنا إلى الملعب خلال فترة الاستراحة، وكنا كالمعتاد نلهو عندما راحت طائرات الفاشيين تلقي القنابل على قريتنا. كنا على علم بأن ثمة حرباً في إسبانيا، وأُخبِرنا عن مصير الأطفال هناك. أما الآن فكانت القنابل تُحلّق صوبنا.
كتيبة الـ «أس أس» كانت أول من دفق بأعداد كبيرة إلى قريتنا بروسي، في إقليم ميادل. فتحوا النار. قتلوا جميع الكلاب والقطط قبل أن يبدأوا بسؤال الناس عن مكان تواجد الناشطين (...) لكن أحداً من سكان القرية لم يفش باسم أبي.
أتذكر تلك الواقعة عندما بدأوا بمطاردة دجاجاتنا. ألقى الجنود القبض على الدجاجات، وراحوا يدوّمون بها، ثم كبسوا على أعناقها إلى أن هوت على الأرض. خيل لي أن دجاجاتنا عندما صرخت كان لها أصوات بشر. كذلك الأمر بالنسبة إلى القطط والكلاب عندما أطلقوا النار عليها. كان الأمر مريعاً بالنسبة لي. لم أشاهد موتاً من قبل. بدأوا بإحراق قريتنا عام 1943. كنا منشغلين باستخراج البطاطا من الأرض في ذلك اليوم. جارنا فازيلي، والذي قاتل في الحرب العالمية الأولى ويعرف الألمانية قال: «سأطلب من الألمان ألا يحرقوا قريتنا». لكنه عندما ذهب إليهم أحرقوه هو أيضاً.
أين كان بمقدورنا أن نذهب؟ اصطحبنا والدي إلى أفراد المقاومة في غابات كوزيان-سكاي. التقينا هناك بأناس قدموا من قرى أخرى أحرقت أيضاً. قالوا لنا إن الألمان قد تقدموا وإنهم سرعان ما سوف يصلون إلينا. تسلقنا ثم اختبأنا في جحر. أنا، وأخي فولوديا، أمي ولوبا الصغيرة وبابا. بابا كانت معه رمانة يدوية وقال إنه إذا ما رصدنا الألمان فسينزع الإبرة (...) أنا وأخي، كل منا أخرج حزامه من بنطاله. وصنعنا أنشوطتين لشنق أنفسنا بهما، ثم لففنا الحزامين حول رقبتينا. قبَّلتنا ماما. سمعتها تقول لبابا: «لو أن واحداً من ولدينا ينجو»، وبابا قال «دعيهما يركضان. ما زالا صغيرين وقد ينجوان». لكنني أشفقت على ماما فلم أبرح مكاني.
سمعنا كلاباً تنبح، وسمعنا كلمات غريبة تنمُّ عن أوامر، سمعنا إطلاق نار. غابتنا تلك، من النوع الذي تجد فيه أشجاراً أسقطتها الرياح. أشجار تساقطت فوق بعضها البعض، الرؤية معدومة على مسافة العشرة أمتار. كان ذلك قريباً للغاية، لكننا بعد ذلك سمعنا أصواتاً بعيدة للغاية. وعندما هدأ كل شيء، لم تستطع أمي النهوض. في المساء التقينا بأفراد المقاومة. كانوا يعرفون أبي. كنا قد مشينا لبعض الوقت، ونشعر بالجوع. أتذكر أننا كنا نسير عندما سألني أحد المقاومين، «ما الذي ترغب في إيجاده تحت الصنوبرة؟ حلوى، بسكويت أم قطعاً صغيرة من الخبز؟» فأجبته «بل حفنة طلقات». المقاومون ظلوا يتذكرون هذه الحادثة لوقت طويل.
أتذكر بعد انتهاء الحرب، كان لدينا أستاذ قراءة واحد في القرية، وأن أول كتاب وقعت عليه يدي وبدأتُ قراءته كان عبارة عن مجموعة من تمارين الحساب...

حبيبتي، فلتتذكر هذا اليوم ما حييت
(آنيا كورزون. سنتان. اختصاصية في حيوانات المزارع. تعيش في فايتبسك)

أتذكر أنه كان التاسع من أيار (مايو) 1945. النساء هرعن إلى روضتنا، «إنه النصر يا أطفال». أخذن يقبِّلننا جميعاً. ثم شغَّلنَ المذياع. كان الجميع مصغياً. نحن الصغار لم نستطع فهم كلمة واحدة مما قيل، لكننا حدسنا أن ثمة سعادة ما آتية من هناك، من فوق، من أسطوانة المذياع السوداء. البالغون رفعوا واحداً منا بأذرعتهم. وآخر تمكن من أن يتسلّق بنفسه. تسلقنا واحداً فوق الآخر. الشخص الثالث أو الرابع فقط استطاع الوصول إلى الأسطوانة السوداء وقبَّلها. ثم بدَّلنا. الجميع أراد أن يُقبِّل كلمة «نصر».
في ضواحي المدينة، قدمت التحية العسكرية عند المساء. فتحت ماما النافذة وكانت تبكي. قالت: «حبيبتي، عليك أن تتذكري هذا اليوم ما حييتِ». لكنني كنت خائفة فالسماء كانت لا تزال حمراء. وعندما عاد أبي من الجبهة كنت أيضاً خائفة منه. أعطاني قطعة حلوى قائلاً: «قولي بابا...». أما أنا فأخذت الحلوى، خبأتها تحت الطاولة، وقلت: «عمو...».
من كتاب «آخر الشهود:
مئة تهويدة غير طفولية» (1985)