ليست المرّة الأولى التي أعود إلى بدايتي في الكتابة، إذ كثيراً ما سُئلت عنها خلال الحوارات الصحافيّة. غير أنّني الآن بصدد عملية مراجعة واستذكار لحالة عشتها قبل 38 سنة! وإنها لسنوات إذا ما قيست بالعقود، فأربعة إلّا سنتين، ما يعني ثلاثة أجيال تقريباً! وإذا ما تمت معاينتها عبر موشور العَيش، المُغَرْبِل والمُقَطِّر والمُخْتزِل؛ فثمّة ثلاث جُرعات يصعب عليَّ استبعاد إحداها عني: جُرعة علقم، وجُرعة عَسَل، وجُرعة نبيذ مُعَتَّق! ثلاثة طعوم منحتني معنى الحياة التي عِشتُ، وأكسبتني معنايَ الذي راكمتُ موجباته داخلي، والذي أعي تماماً أنّه معنىً مُركَّب من مجموعة متناقضات. أنا ذاتٌ ما فتئت تحاول خلق توازنها، وإجراء تسويات تهدئة، من داخلها وفي علاقاتها مع خارجها، وليس يسيراً عليها أن تنجح دائماً في محاولاتها تلك.


غير أنَّ رَجاءً يبقى ماثلاً في فضاء الروح.
الروح! مَن ذا الذي يتحدّث عن الروح، وكان في أولى قصصه القصيرة، في أولى كتاباته المجموعة في كتاب أسماه «الصفعة»، يتجنّب هذا البُعد متعمداً، ويتعمّد الرؤية إلى العلاقات الاجتماعية من زاوية الاقتصاد والطبقات، قاصداً التأكيد على انحيازه للفقراء! ومع هذا له أن يطمئن، ولو قليلاً؛ فهو لم يبلغ، وسط ذاك الهياج الكتابي السائد آنذاك، مبلغ الانحياز للفقر نفسه بوصفه «فضيلة»! أسوةً بمفارز مجَنَّدة من كُتّاب جيله قطعوا في أمر «غير الفقر» ليشهدوا على أنه رذيلة حتمية لعينة ملعونة! يشهدوا بذلك ما دام المجتمع يُختَصَر في «طبقتين» فقط! ما دامت لوحة العالم تنحصر ألوانها في الأبيض والأسود فقط! ما دام البَشَر ينقسمون إلى أخيار يمثّلهم الفقراء، وأشرار يتجلون في كلّ مَن هم ليسوا كذلك!
بين هذه الثنائية الضدية حاسمة النبرة، عالية الصوت، نُفِيَت الألوان الأخرى بكافة تدرجاتها. وتسطّحَت مفاهيم الشر والخير النسبية، المتحركة وفقاً لسياقات اللحظة. وغاضت كائنات «الطبقة الثالثة» القلقة تحت ضربات الأنظمة المستبدة، ما أدّى إلى بدء تراجعاتها وانسحاباتها القسرية. تراجعت (أو أُجبِرَت) كائنات تلك الفئات، الحائرة في هُويتها قيد التشكُّل غير المكتملة، عن أداء «دورها التاريخي»، المتمثّل في التنوير والتثوير والتمدين، ولم يبقَ من تجلياتها في الأدب سوى شخصية المثقف الفرد. المثقف الملتزم، الثوري، الحزبي، المضطهد، المقموع، الفاضل، العاشق بمثالية ليست أرضية، المعشوق بموجبات رومانسية رغائبية، المُبَشِّر، والبالغ حدّ النبوة حيناً، أو الشهادة أحياناً.
أكانت وقائع الحياة، خارج القصص المكتوبة آنذاك، هي نفسها الوقائع الحيّة في جواهرها؟
أكانت وقائع القصص، المعيشة وسط خضم حياة ذاك الوقت، هي نفسها الوقائع كما كُتِبَت؟
أتساءل الآن مسكوناً بالشكوك والريبة في ما كتبتُ أنا، مستجوباً قصص كتابي الأول، مدركاً أني إنما أحاول الوقوف على طبيعة الوعي الذي أخرجَ مني تلك القصص، وبالتالي مساءلتي عني. وإنها لحالة تبتغي فحص «مرامي وأهداف» القصص، وليست قراءة نقدية لها بوصفها كتابة أدبية تلتزم شروطها الفنية – هذا إذا ما كانت ثمّة من شروط مرسومة الحدود، واجبة الالتزام بها، متفَق عليها لدى جميع كتّابها!

■ ■ ■


كنتُ واحداً من سلالة جيل راكمَ جبالاً من أحلام. أحلام لا تخصّه هو كذات مفردة، اللهم إلّا بكونها جزءاً صغيراً في كتلة من البَشَر توافقنا على تسميتها بـ «الأمة العربية»، ما يعني أنها أحلام كُبرى! ولأنها كذلك، كبرى، لم يستطع وعيي آنذاك إدراك أنها أقرب إلى الطموحات المستحيلة، نظراً إلى طبيعة الأنظمة المضادة لتلك الأحلام. أنظمة يتعارض جوهرُ بُناها مع تلك الأحلام/ الطموحات، التي تفترض، بداهةً، ركائز أوّلها حياة سياسية ديمقراطية تأخذ بالتعددية وتقبل بالاختلاف وترضى بالتناوب على الحكم، وتمرّ بالحريات إشهاراً وأفعالاً وتشكيلات اجتماعية وحزبية، ولا تنتهي عند إصلاحات جذرية تطاول المجتمع ككل فتجتثّ عوامل التخلّف المعششة فيه! كلّ هذا لا يعدو أن يشكّل المقدمة الصحيحة لذروة الأحلام: تحرير فلسطين!

كنت أكتب من منطقة
الوثوق مما أرى، وهذا ما حسم رؤيتي واضعاً إيّاها عند حواف «الحياد» المطمئن إلى مخرجاتها!

لو كنتُ على هذا الوعي لما كانت إحباطاتي كما جاءت في قصصي الأولى. ربما كانت أخفّ وطأة وأقلّ مرارة. ربما ما كنتُ مفجوعاً، تقريباً، جرّاء مظاهر الاستبداد المتنوعة التي تعرضت لها شخصياتي داخل القصص. ربما ما كنتُ لأستغرب كيف يقوم الإنسان البسيط، المقموع بآليات الخوف، بالوشاية بـ «المثقف النبيل» وإدانته لأنه آوى امرأةً في شقته، على خلفية أخلاقية شعبوية مستمدة من مفهوم اجتماعيّ متخلّف. أو معاينة فعل قنص الإنسان للإنسان، بدمٍ صاقع، وكأنه محض فانتازيا عارضة إذا ما حدثت.
لو كنتُ على هذا الوعي لما تجرأتُ على الكتابة مأخوذاً بيقين «أنّ الشمس ستشرق غداً»، وكأنّ طبائع الحياة الإنسانية والاجتماعية منسجمة مع قوانين الكون الطبيعي، ولسوف تؤول للانصياع لها، في النهاية! لو كنتُ على هذا الوعي، لأتْبَعْتُ يقينَ الشمس بتكملتها كالتالي: ستشرق حتماً، ولكن على ماذا؟
غير أني (ولعلّني ما زلتُ، رغم كلّ ما أدليتُ به) كنتُ من الذين صادقوا على مقولة أنّ مشروعات التاريخ الكبيرة سبقتها أحلامٌ كبيرة حلمَ بها أفرادٌ كِبار!
إذا كنتُ هكذا، في كتابتي عني الآن، كما بدوتُ في مرايا قصص كتابي الأول؛ فهل يجوز لي الادّعاء، والحالة هذه، أنّ شخصاً ثانياً، آخر، قريناً يحضر الآن لإعادة كتابة ما كُتبَ قبل 38 سنة؟ أن يكتبَ قراءته هذه اللحظة وكأنها الكتابة الأصل؟ وهل بمقدوره فعل هذا دون أن يخون؟ أن يخونَ بمعنى أن يزيّف الوعي تعظيماً لقدره أو تقليلاً من شأنه، وأن يخون بقصدية حَرْف المقاصد القديمة بتأويلات جاءت بعد سنين وسنين، وأن يخون بإلقاء ظِلالٍ من نوايا لم تكن واردة أصلاً على كتابة «بريئة» من أيّ شيء سواها:
سوى أنها كُتِبَت من ذاتٍ أرادت أن تعلن موقفاً مكتوباً موثقاً مما حدث لها، ويحدث لغيرها: موقفاً توالدَ من جبلة أحلام لم تكن أُجهَضت كاملةً بعد، ممزوجة بتجربة «نضالية» سياسية حزبية ما ليست ذات شأن، وبالتالي تجلّى «النُّبْلُ الملتزم» كلّه كاسياً جميع القصص! وإنها، لَعَمري، مسألة تشير إلى انعدام التوازن أو الـ «هارموني» – بحسب ما بِتُّ أعرف – المطلوب في بناء نصّ قصصيّ يؤالف بين «الشكل والمضمون» – المقولة التي كنت أرددها كغيري ذاك الزمن -؛ حيث يبدو أنَّ ما أردتُ الإفصاح عنه كان «أثقل» من أنْ تحمله كتابة «غَضَّة»!
هذا ما أراه لدى مراجعتي تلك التجربة الجنينية، من دون أيّ قدر من الندم، لفرط وثوقي في نقصان الكائن وما ينتج عنه، مهما قطع في دروب الاكتمال.
وإني، إذ أستعيد وأتداعى وأستذكر وأتقرَّب من عالمي القصصي والشخصي، بعد كلّ هذه السنين، فلكي أكشف عن بُعد جديد طرأ على وعيي الكتابي، نتيجة اندغام التجربة الحياتية بالخبرة السردية في ضفيرة واحدة. اندغام عبر العلاقة الخفيّة والبائنة، في الوقت نفسه، بين رؤيتي إلى ذاتي المفردة هذه المرّة من جهة، وإلى الواقع بوقائعه الحادثة والحافرة في هذه الذات من جهة أخرى.
إذَن: نحن حيال قصص جديدة شرعت بمعاينة العالم كما العالم يُحدث في كاتبها أثلامه ويحفر تخديداته، ليقوده، بالكتابة نفسها ومن داخلها (وليس بوحي من الوعي المُسْبَق الممتلئ بالمعرفة الكليّة!) إلى مسالك يتعرّف فيها إلى نفسه وإلى العالم في آن. وبمواصلة السير في هذه المسالك التي لَحَمَت الذات بما هو خارجها، لم يعد الواقع يقيناً مؤكداً تتم محاكمته وفقاً لأحكام ذاتٍ تتعامى عن الاهتزازات الضاربة لكلّ ما حولها. تبخرَّ اليقين، وتزعزع المؤكَّد، وتسَيَّلَ الجامد، وشابَ الارتيابُ اللغةَ فما عادت المفردة تدل على معناها، ثم أصبحَ الكاتب وكتابته (بحسب إحدى تشبيهات ميلان كونديرا) مجرد «علامة سؤال»!
باختصار آمل أن يكون مفيداً: كنت أكتب من منطقة الوثوق مما أرى، الأمر الذي حسم رؤيتي واضعاً إيّاها عند حواف «الحياد» المطمئن إلى مخرجاتها!
لم أكن، كما يبدو، من طارحي الأسئلة. لم أكن ناضجاً بما يكفي.

■ ■ ■


تحوّلَت القصة القصيرة إلى حالة قصصية، والمؤكَّد فيها إلى مجرد احتمال، واللغة إلى جَماليات تقوم بتأثيث النصّ وتستنطقه عنه ككتابة، وعن منطوقه كحالات قيد التأمل وإعادة النظر.
تماماً مثلما أفعل الآن: أتأمل ما كتبت قبل 38 سنة. أعيد النظر فيه ليس من أجل نقده وتقييمه، بقدر ما أقيس من خلاله المسافة التي قطعتها لأصلَ إلى ما وصلت إليه.
هل وصلتُ؟ وإلى أين؟