لم ينحصر الاهتمام الإسرائيلي في نتائج العملية الأخيرة في بئر السبع، بل شمل أيضا ما انطوت عليه العملية بهوية منفذها (بدوي من النقب) وساحة تنفيذها، من أبعاد ودلالات تؤشر على إمكانية اتساع النطاق الجغرافي للهبة الشعبية الفلسطينية، وهو ما يعني تحولها إلى عبء أمني يثقل على الواقع السياسي والاجتماعي في إسرائيل.


وتنضم هذه العملية إلى ما سبقها، لتعيد تظهير حقيقة محدودية القدرات الاستخبارية الإسرائيلية، كما كل جهاز استخباري، برغم ما حققته من إنجازات نوعية طوال تاريخها، إلى جانب إخفاقات يقر بها القادة الإسرائيليون، مع أننا يجب ألا نغفل ما تتمتع به من قدرات لا يمكن الاستهانة بها أو تجاهلها.
وبرغم التحذيرات التي وردت على ألسنة سياسيين وإعلاميين في إسرائيل، إزاء ما تنطوي عليه المراوحة في الضفة المحتلة والقدس من أخطار سياسية وأمنية، والتقديرات المتوالية التي حذرت أكثر من مرة من إمكانية انفجار ما بفعل هذه المراوحة، فإن ما شهدته وتشهده القدس والداخل المحتل، يبدو أنه كان خارج التداول والسيناريوهات المرجحة لدى الجهات المعنية في إسرائيل، وعلى الأقل لم يصدر أي تعليق يزعم أن ما يجري كان متوقعاً، على مستوى النطاق الجغرافي أو حجمه أو أساليبه وآفاقه.
صحيح أن هذا الفشل الاستخباري ليس الأول ولن يكون الأخير، وهو يرافق كل جهاز استخباري في العالم، لكن ما يميزه أنه يتعلق بالساحة «الأكثر أولوية»، إضافة إلى أن هذه الأجهزة تملك تسلطا وسيطرة على هذه الساحة بما لا يتوافر في الساحات الأخرى. ومع ذلك، فإن الفشل الاستخباري الإسرائيلي إزاء الهبة الشعبية الفلسطينية التي لا تزال تتفاعل، تجلى في أكثر من عنوان: أصل الحدث، وتوقيته، ونطاقه ومداه، والأفراد المنفذون، والوسائل المستخدمة.
وقد تفاوتت القدرات الاستخبارية الإسرائيلية في استشراف التطورات السياسية والميدانية التي واجهتها في تاريخها، فعلى المستوى العسكري، واجهت إسرائيل إخفاقات وإنجازات عندما تعلق الأمر بالجيوش النظامية العربية، ولكن هامش خطأ الاستخبارات الإسرائيلية ازداد نسبيا بعدما بات التهديد المحدق يتمثل بقوى المقاومة، وأسباب ذلك تعود إلى أن حركة الجيوش النظامية أكثر تعرضا للانكشاف من مجموعات المقاومة التي يقوم عملها على السرية بالدرجة الأولى، وقدرتها على التمويه والتضليل أعلى.


بات مفعول كل عملية
طعن خارج إطار القدس كأنه قنبلة مدوية

على المستوى السياسي، واجهت إسرائيل إخفاقات وإنجازات مشابهة، عندما كان الأمر يتعلق بتقدير توجهات وأولويات صانع القرار السياسي، ولكن مساحة الخطأ في هذا المجال كانت أوسع مما هي عليه في الدائرة العسكرية، وهو أمر مفهوم لكون القدرة تتصل بقراءة وتقديرات شخص أو مجموعة أشخاص محددين، يتأثرون بالعديد من العوامل التي لها علاقة مباشرة في بلورة القرار والموقف لديهم.
أما على مستوى حركة الجماهير، فأثبتت التجارب الأخيرة أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، وغيرها، أقل قدرة على استشراف ما يمكن أن تقدم عليه الجماهير، وبطبيعة الحال الأفراد، في أي ساحة من الساحات، وتحديداً، عندما لا تكون حركتها ترجمة لقرارات تصدر عن جهات مركزية محددة. وتزداد مشكلة الإسرائيلي عندما يكون المحرك وأدوات التواصل والتعبئة عبر «شبكات التواصل الاجتماعي».
من أبرز ما يميز الهبة الشعبية الفلسطينية في القدس وغيرها، أنها تنبع من الأسفل، وليست ترجمة لتوجهات صادرة عن قيادات مركزية. وهو ما جعلها بعيدة عن متناول «رادار الاستخبارات»، لجهة أصل الهبة. وفي ما يتعلق بالأفراد، تحول كل من منفذي العمليات، إلى صانع قرار ومستطلع ومنفذ، وأدواته هي ما توافر له كالأدوات الحادة المتوافرة في متناول الأيدي.
على ضوء ذلك، قد ترى الاستخبارات الإسرائيلية أن لفشلها المتنوع العناوين، سياقه وما يفسره ويجعله مفهوما. أما وقد باتت الهبة أمرا واقعا، فصار الهم الاستخباري، مركزاً على تحديد الأفراد الذين من المحتمل أن ينفذوا عمليات طعن. وهو فشل إضافي للاستخبارات، أرجعوه إلى أن دائرة هؤلاء الشبان غير محدَّدة بعنوان تنظيمي أو فكري أو سلوكي محدد. كذلك تواجه الاستخبارات الآن عجزاً عن قراءة مستقبل هذه الحركة الفلسطينية التي أبدعت في توقيتها وأساليبها واختيار نطاق عملياتها. حتى بات مفعول كل عملية طعن تُنفذ خارج إطار القدس كأنه قنبلة مدوية، باعتبار أنها توسيع لنطاق التوتر الأمني ليشمل الساحة الإسرائيلية، ويجعل الاستخبارات أقل قدرة على الضبط.
في المقابل، تحاول إسرائيل أن تواجه هذه الظاهرة، عبر العمل على عدة خطوط موازية: الأول رفض تقديم ما تسميه «جوائز سياسية» لأسباب متعددة، منها الإثبات للشعب الفلسطيني أنه لا جدوى للضغط في انتزاع إنجازات ترى فيها إسرائيل تشجيعا على استمرار مثل هذه العمليات. الثاني الاحتواء لمنع توسع نطاق العمليات واستمرارها وتحولها إلى انفجار واسع يضع إسرائيل أمام واقع إستراتيجي جديد، ويستدرج تداعيات أمنية وسياسية هي في غنى عنها، وضمن هذا الإطار يندرج أيضا، امتناع الإسرائيلي حتى الآن عن اللجوء إلى خيارات أكثر دراماتيكية بما يرى أنها قد تؤدي إلى استفزاز وتحفيز الجمهور الفلسطيني في الضفة ومناطق 48 للمشاركة الفعالة ضد إجراءات الاحتلال.
والخط الثالث أن القيادة الإسرائيلية تعتمد إستراتيجية الردع القائم على العقاب، وهو ما تجسد في الإجراءات والقرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لتدمير منازل عائلات المنفذين ومنعهم من إعادة بنائها، وغيرها من الإجراءات العقابية.
على ما تقدم، ينبغي القول إن إسرائيل تواجه إبداعا شعبيا فلسطينيا أثبت قصور الاستخبارات في التعامل معه حتى الآن. واذا جرت ملاقاته في الضفة، تحديداً، فسيفرض مساراً جديدا للقضية الفلسطينية. وبنظرة فاحصة إلى الأداء الإسرائيلي يلاحظ أن صانع القرار في تل أبيب يواجه معضلة في البحث عن نقطة توازن تسمح له بإجراءات عقابية وردعية، من دون أن تؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة، لكن أي نقطة توازن يفترضها العدو، تصبح مخلة للتوازن فقط، وفق رد الفعل الفلسطيني.