أول من أمس لم ينزل الناس الى الشارع. نزلت المجموعات كلها بعد نجاح الحراك في إعادة التنسيق الفعال بين مجموعاته. الجميع كان حاضراً وسيحضر في تحرك اليوم الذي دعت إليه مجموعة "جايي التغيير" عند الساعة الرابعة في ساحة رياض الصلح بالتزامن مع انعقاد جلسة مجلس الوزراء رفضاً لترحيل النفايات والذي ستشارك فيه مختلف المجموعات من باب "التوحّد ضد السلطة". إلّا أن الناس لم يستجيبوا، لازموا بيوتهم لأسباب عديدة، أبرزها أن الأزمة طالت من دون تحقيق نتائج ملموسة، وغياب برنامج سياسي واضح للحراك لكسب ثقة الرأي العام. حتّى اليافطات المرفوعة انخفض عددها بحيث لم تتجاوز خمس أو ست يافطات.
لا خيبة لدى الداعين الى الاعتصام من الأعداد القليلة التي نزلت. ذلك كان متوقعاً، "والطقس أيضاً لم يساعد"، كما يعبر معظمهم. برأيهم، اعتصام أول من أمس كان للتذكير بأن الشارع لا يزال يترصّد السلطة.
استمر الاعتصام قرابة الساعتين، واظب خلالها عدد من الشبان على الهتاف "ثورة". لا ثورة في ساحة رياض الصلح، بل على العكس يختلف الموجودون في تقييمهم للاعتصام ومصير الحراك. البعض يقول إن الحراك انتهى، فيما يؤكد البعض الآخر أن الحراك باقٍ بالرغم من تراجع الزخم. يرفض القسم الأول أن يُصنَّف في خانة "فاقدي الأمل"، إلا أنهم "يرون الأمور بواقعيتها، فالمجموعات فشلت في الحفاظ على الحشد والاستنفار الذي كان قائماً في الصيف. أصبحنا اليوم نتحدث بما يسمى "بقايا الحراك" وهؤلاء عبارة عن ناشطين سابقين يناضلون منذ زمن لقضايا معينة وليسوا جمهوراً يمكنه أن يحدث تغييراً فعلياً". يعتقد هؤلاء أنّ "عدم وضع أفق للحراك وحصره بمطلب النفايات في البداية، وغياب البرنامج السياسي الواضح جعل الناس يتخوّفون منه".

دعت مجموعة "جايي التغيير" إلى اعتصام في ساحة رياض الصلح عند الرابعة مساء اليوم

أصحاب الرأي الآخر لا يقيسون الأمور وفقاً للمظاهرات الأخيرة، بل يؤكدون أن تسمية "حراك" لم تُطلق عبثاً، والحراك هو عبارة عن نضال مستمر وطويل الأمد يتخلله صعود وهبوط في الحشد يتأثر بالأحداث الحاصلة، فالناس ينزلون الى الشارع عند حدوث صدمة معينة تشكل دافعاً للاعتراض، وهذا حصل في آب الماضي عندما ملأت النفايات الشوارع، اليوم الناس بحاجة إلى صدمة لينزلوا. تحالف "الشعب يريد" استبق النقاش المتوقع ووزّع منشوراً بعنوان "لماذا لا يزال الحراك مستمراً؟" أكد فيه أن "الحراك مستمر لأنه حراكٌ اجتماعي، له جذوره التاريخية، ضد نظامٍ اجتماعي ظالم وطائفي منحطّ، ونحن واثقون وواثقات تماماً بأن النضال بهدف التغيير لا يبدأ بمظاهرة، ولا ينتهي بانتهائها". لكنه أكّد أيضاً: "ضرورة تسييس أنفسنا ومحيطنا، أفراداً ومجموعات، باتجاه خلق تنظيماتنا بوجه تنظيمات الطبقة الحاكمة".
لا تنتمي ميرنا إلى أي من المجموعات الفاعلة في الحراك، لكنها شاركت في جميع التحركات منذ البداية. تقول إنّ "الموضوع بحاجة إلى نفسٍ طويل والنزول الى الشارع واجب على كل متضرر من أزمة النفايات". كانت ميرنا تنزل مع أصدقائها لكنها باتت تنزل وحيدة مؤخراً ولهذا الأمر أسبابه "فجزء منهم يعتبر أنه نزل كثيراً طوال الأشهر الماضية ولم يتحقق أي تغيير جدي، فيما انكفأ الجزء الآخر بسبب ابتعاد المجموعات لفترة طويلة عن الشارع".
يرى أيمن مروة من مجموعة "جايي التغيير" أن "الاعتصام مقبول بعد غياب طويل عن الشارع وهو نوع من التذكير قبيل جلسة اليوم لتأكيد أن الشارع يترقّب بانتباه شديد القرارات التي ستُتخذ". تضع المجموعات سببين لغياب الحشد: الطقس السيئ وموسم الأعياد، إلا أن أسباباً عديدة لم تدفع الناس الى المشاركة غير هذين العاملين الثانويين. السبب الرئيسي يكمن في انعدام ثقة الناس بمجموعات الحراك التي تخبّطت طوال خمسة أشهر من دون أن تكون واضحة معهم، فلم تقدّم أي برنامج سياسي ولم تنظّم نفسها إنما غرقت في خلافاتها. كذلك فإن الأزمة طالت من دون تحقيق انتصار ملموس للناس، والانتصار الذي يبحث عنه الرأي العام هو حل أزمة النفايات وليس نجاحات صغير تمكّن الحراك من تحقيقها مثل إفشال المناقصات وكف يد وزير البيئة عن ملف النفايات. وفي الواقع، جزء كبير من الناس لا يعنيه بشكل اساسي طريقة الحل الذي تنتهجه السلطة في أزمة النفايات، ما يعنيه فعلياً هو إزالة النفايات من الشوارع، وبالتالي لا مانع لديه من ترحيل النفايات. أيضاً يجب أن لا ننسى أن المجموعات ابتعدت عن المناطق التي كانت المحرّك الأول لهذه الاحتجاجات، خصوصاً أنّ استطلاع الرأي الذي أنجزته شركة آراء للبحوث والاستشارات الشهر الماضي أظهر ان أعلى نسبة رفض للحراك هي في بيروت (29%)، بينما الأدنى هي في الجنوب (14%) والشمال (15%)، وقد أيدّ 57% من أهل بيروت خطة شهيب.