نهار الأربعاء الفائت، هدّد محمود خنزادة بإحراق نفسه أمام شركة "هوك" التي تقدم خدمات أمنية خاصة. فهو تبلّغ شفهياً قرار طرده من الشركة مع 100 موظّف آخر، من دون سابق إنذار. فجأة، وجدت أكثر من 100 أسرة نفسها بلا مصدر رزق، هكذا ببساطة بُلّغ الموظفون بطردهم وكأن لا حياة لهم ولا التزامات وديون يرزحون تحتها بسبب أجر لا يؤمن لهم سوى البقاء على قيد الحياة ليعملوا.
أمس، عند العاشرة صباحاً، وصل أكثر من 45 موظفاً مطروداً الى المدخل الخلفي لشركة "هوك"، صارخين عبارةً واحدة: "بدنا حقنا يا هشام الجارودي (صاحب الشركة)". لا يطالب الموظفون بالعودة الى العمل "المجحف"، على الرغم من أن أعمار العديد منهم تجاوزت الـ 50 عاماً وبات من الصعب عليهم إيجاد وظيفة أخرى. يريدون فقط حقوقهم كاملة، بعدما "حرمهم" هشام الجارودي من هذه الحقوق كما يقولون. نتيجة الاعتصام كانت وعداً من شخص أرسله الجارودي للتفاوض مع الموظفين: تسديد "كامل حقوقهم" نهار الثلاثاء المقبل، وإلا سيلجأون الى التصعيد.

شركة بزبون واحد!

في 20 نيسان الماضي، فوجئ مئة موظف وموظف بإبلاغهم أنه اليوم الأخير لهم في العمل لدى شركة "هوك". توجّه بعض الموظفين الى وزارة العمل واطلعوا على الملف الذي قدّمه الجارودي للوزارة ليتبيّن أنّ السبب الرئيسي لطردهم هو انتهاء العقد مع شركة "سوليدير" وعدم رغبتها في تجديده لأنها ستتعاقد مع شركة أخرى. لكن، ماذا عن العقود الأخرى للشركة الأمنية الخاصة؟ يقول الموظفون إنه لا عقود أخرى، إذ إنّ "العمل الوحيد الذي كانت تزاوله الشركة هو السهر على أمن شركة "سوليدير" عبر توظيف نحو 200 حارس للأراضي والمباني". يرفض الموظفون إلقاء اللوم على "سوليدير"، معتبرين أنّ من "يريد أن يوجههم للضغط على سوليدير هو مخرّب وأنّ شركة هوك وحدها مسؤولة عمّا يحصل". يقول أحد المعتصمين إن عدد الموظفين المتبقين في الشركة يبلغ نحو 95 موظفاً، سيكملون عملهم حتى انتهاء العقد، "من المفروض أن ينزلوا ويتضامنوا معنا لأن الطرد سيصل إليهم قريباً جداً"، وهم حددوا مطالبهم في ورقة سيوجهونها إلى وزارة العمل تطالب بـ"قبض راتب شهر نيسان، وقبض ما يحق لنا من تعويضات صرف تعسفي، والتعويضات العائلية والإجازات التي لم نستفد منها". حاولت "الأخبار" التواصل مع وزير العمل سجعان قزي وصاحب الشركة هشام الجارودي، لكنهما لم يُجيبا على الاتصالات الهاتفية.

لا يطالب الموظفون بالعودة إلى العمل «المجحف»

بالمقابل، يتمسك الموظفون غير المطرودين "بشائعات" مفادها أنّ "سوليدير تريد أن تخفض عديد الأمن لديها إلى 92 عنصراً جراء الأوضاع الاقتصادية السيئة، وبالتالي فإن عملهم سيبقى قائماً". شائعة نسفتها إدارة "سوليدير" نفسها، التي أوضحت أن مدة العقد الموقّع بين شركتي سوليدير و"هوك" انتهت في 31 آذار 2016. و"قامت شركة سوليدير بتسديد كافة المستحقات المتوجبة عليها وفقاً للعقد والقوانين المرعية الإجراء". وقالت إنها أبلغت شركة "هوك" عدم رغبتها في تجديد العقد وفقاً لبنود الاتفاق، و"ذلك لعدم توافر الشروط والمواصفات التعاقدية التي تضمن استمرارية عملها مع شركة سوليدير". وأقرّت بأنها بصدد التعاقد مع شركة أخرى "من أجل إعادة تنظيم وتأمين خدمات السلامة المطلوبة بشكل فعّال ومنظم للحفاظ على السلامة العامة في وسط بيروت".

"السمسرة" كنموذج اقتصادي

يطرح هذا الأمر سؤالاً جدياً: أين يعمل هؤلاء العمال؟ لدى شركة "هوك" أم لدى "سوليدير"؟ في العقود، يعمل موظفو الحراسة لمصلحة شركة "هوك" المسؤولة عنهم. لكن في الواقع، يعمل موظفو الحراسة لدى "سوليدير"، وبالتالي، في الواقع أيضاً، تعد "سوليدير" مسؤولة عنهم أيضاً لأنها هي التي تحدد وظائفهم وتشغّلهم ويخضعون لتعليماتها وتوجيهاتها.
هكذا إذاً "خُلق" لدينا نموذج مشوّه يشبه "العقود من الباطن" وهو لا ينحصر بشركة "سوليدير" فقط، بل يكاد يصبح معمماً لدى الشركات الكبرى والمؤسسات العامة بهدف خفض كلفة العمل وزيادة الأرباح. يقوم هذا النموذج على تكليف شركة معينة بتوريد عمالة تحتاج إليها شركة أخرى بكلفة اقل، أي أن عمّال شركة "هوك" يعملون فعلياً لدى "سوليدير"، إذ إنهم يتولون مهمة حراستها. أمّا الدور الحقيقي لشركة "هوك" في هذه الحالة فيتمثّل بتأمين عمال فقط، وتتقاضى مقابل ذلك "عمولة"، وبالتالي لا تقوم شركة "هوك" بأي عمل اقتصادي بل بعمل "السمسرة".
وُجد هذا الشكل التنظيمي "الاحتيالي" بهدف السماح للشركات بالتخلص من الأعباء التي تتكبدها في عملية التوظيف من أجور وضمان وتأمين وتقديمات، ما يؤدي الى إزالة جميع أشكال الحماية عن العمال التي يوفرها قانونا العمل والضمان الاجتماعي.
تدفع هذه الحالة إلى طرح إشكالية عامة بهدف التعمّق في نموذج مشوّه أنتجه النظام الرأسمالي الحديث، ينطبق على وضع الكثير من العمال: من هو المسؤول في هذا النموذج المشوّه عن حماية العمال؟ من يضمن الحفاظ على حقوقهم في ظل قانون ترك ثغرة تسمح للشركات بانتهاكها؟
قانوناً، لا يمكن أن يدان أحد في هذا النموذج، فشركة "هوك" تواجه ظروفاً اقتصادية قاهرة نتيجة خسارة زبائنها، ما يدفعها إلى طرد موظفيها وهو أمر يبرره القانون. أمّا شركة "سوليدير" فتُعتبر في هذه الحالة "زبوناً" يتعاقد مع شركة أخرى لتأمين خدمات معينة، وبالتالي يمكنها التخلّي عن هذه الشركة في حال تلقّيها عرضاً أفضل، من دون أن يكون هناك من يحاسبها. هكذا إذاً يصبح العمال من دون أي حماية، إذ إن صرفهم مجاز، فيما الدولة تتصرّف كما لو أنها مجرد وسيط بين هذه الشركة وتلك وبين الشركات والعمال.
يجسّد نموذج مياومي كهرباء لبنان مثالاً مهماً على هذا الانهيار المنظم للحماية، إضافة الى نماذج أخرى، ما بات يخلق أزمات كبيرة ويؤدي الى تضرر عدد هائل من العمال والعاملات. فهل تبرر هذه الثغرة في القانون الانتهاك المخيف الحاصل بحق العمال؟

تجاوزات الشركة

أضاءت عملية الطرد الأخيرة على عملية "احتيال" أخرى على الموظفين قامت بها الشركة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. يخبر حسين، أحد الموظفين المطرودين، أنّه "منذ أشهر قليلة، قام هشام الجارودي بفصل عمليات حراسة الأراضي عن المباني ونقل أكثر من مئة موظف إلى شركة أخرى بعدما طلب منهم أن يقدموا استقالتهم خطياً ويوقعوا على ورقة براءة ذمة إذا أرادوا أن يستمروا بالعمل وإلّا فليرحلوا". رضخ معظم الموظفين لعملية "الابتزاز" كي لا يخسروا مصدر رزقهم وتخلّوا بذلك عن كامل تعويضاتهم ومستحقاتهم وبدأوا بذلك عملاً جديداً، على الرغم من استمرار علاقتهم بالشركة، كما يقول المعتصمون.
يتحدّث خالد، أنه بدأ العمل مع الشركة منذ 6 سنوات "أقبض فعلياً 800 ألف ليرة بالشهر بعد حسومات الضمان والتأمين وحسومات أخرى شهرياً لا نعلم ماهيتها، كأن يحسم من الجميع تحت ما يسمى عقوبات 20 الى 30 دولاراً كل شهر". يقول إنه "في حال تغيّب أحد الموظفين يوماً واحداً يتم حسم 4 أيام من راتبه، ما يعني أن التغيب لأربعة أيام يعدّ تغيباً لنصف شهر في حساباته". أما حسين فينزعج من اضطراره للعمل يوم عيد العمال، ويقول: "لا أعياد لدى الشركة، فقط المدير يحق له أن يأخذ عطلة، أمّا الموظف فعليه أن يعمل". يروي أنّه "في الشركة تحصل الأمور عكس جميع الشركات، فمن يريد أن يعمل ساعات إضافية لا يحصل على أجر الساعة الإضافية باحتسابها ساعة ونصف ساعة، إنما يتقاضى عن كل ساعة أجر ثلاثة أرباع الساعة عدا عن حسم بدل النقل!".
عندما تأسست شركة "هوك" منذ 10 سنوات، كان لديها أكثر من 450 موظفاً يقومون بحراسة الطرقات والمباني والشخصيات، حسب ما جاء على موقع الشركة، إلا أن اليوم بات لديها وفق المعتصمين، نحو مئة موظف فقط من دون أي زبون. أين وزارة العمل؟ وهل الزبون الأخير، أي شركة "سوليدير" لا يتحمل المسؤولية مع شركة "هوك" عمّا يصيب الموظفين؟